| مجتمع >> |
| 2010-04-11 | المذهب المالكي وعوامل انتشاره في غرب إفريقيا | |
| د. عبد الرحمن ميكا | ||
|
ترجع سيادة المذهب المالكي وهيمنته في السودان الغربي والمكانة التي حظي بها في نفوس العامة والخاصة إلى عدة عوامل منها:
· إن المرابطين الذين حملوا لواء الإسلام إلى المنطقة لتصحيح المفاهيم انتصروا للمذهب المالكي، وبذلك أصبح المذهب الرسمي لهم، وكان من الطبيعي أن يتبعهم السودانيون في مذهبهم.
· إن المغرب التي يرجع إليها الفضل في انتشار الإسلام وثقافته العربية في المنطقة، تعد "القلعة الأمامية" للمذهب المالكي في السودان الغربي وغيره.
· ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم:( يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم، فلا يجدون أحداً أعلم من عالم المدينة .. ). سنن الترمذي جـ 4 ص 152 حديث رقم 2821. فأول هذا الحديث بأن المقصود من عالم المدينة هو الإمام مالك، وازداد هذا الأمر رسوخاً عند أتباع المذهب، ما ورد من ثناء العلماء على مالك وشهادتهم له بالعلم والتقوى والورع.
· شهرة المدينة التي عاش فيها الإمام مالك علماً ومكانة؛ إذ هي مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، التي كانت مهبط الوحي، ومهوى أفئدة المسلمين، وطلاب العلم عموماً، والمغاربة منهم بصفة خاصة.
وهذا الأمر يؤكده ابن خلدون لما علل انتشار المذهب المالكي وانتصاره في الغرب الإسلامي بقوله:" ... وأما مالك رحمه الله فاختص بمذهبه أهل المغرب والأندلس وإن كان يوجد في غيرهم، إلاّ أنهم لم يقلدوا غيره إلاّ في القليل لما أن رحلتهم كانت غالباً في الحجاز، وهو منتهى سفرهم والمدينة يومئذ دار العلم .. " مقدمة ابن خلدون ص 356.
ويمكن اعتبار العامل الأخير من أهم العوامل التي أسهمت في ترسيخ المذهب المالكي في السودان الغربي؛ لأن المجتمع السوداني خاصتهم وعامتهم يعتبرون أن كل ما جاء من مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، من أمور دينية وفقهية هو الحق المطلق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولذا تعلقوا بالمذهب المالكي وتشبثوا به ولم يبغوا عنه بديلاً.
ولاشك أن هذه الفكرة التي ترسخت في أذهان السودانيين فكرة صحيحة إلى حد ما؛ لأن الأصل أن يقدم ما جاء من مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، على غيره، إذ أهلها أدرى بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولهذا ينبغي أن يقتدى بهم، إذا ثبت أن ما يعملون به عمل جماعة. وقد أكد ابن تيمية هذا الأمر لما تحدث عن مذهب أهل المدينة وفضله، ومما قال في هذا الصدد:"... مذهبهم في زمن الصحابة والتابعين وتابعيهم أصح مذاهب أهل المدائن شرقاً وغرباً في الأصول والفروع ..." مجموع فتاوى ابن تيمية مجـ 20 ص 294.
وقوله أيضاً :" ... ثم إن من تدبر أصول الإسلام وقواعد الشريعة وجد أصول مالك وأهل المدينة أصح الأصول والقواعد ..." نفس المرجع السابق مجـ 20 ص 328.
إذاً فلا غرو أن يتشبث المجتمع السوداني بالمذهب المالكي، وحق لهم ذلك؛ إذ أصوله وقواعده أصح الأصول والقواعد. كما صرح به ابن تيمية وهو أحد أقطاب المذهب الحنبلي، ويضاف إلى ما سبق ذكره قلة انتشار كتب المذاهب الأخرى في الغرب الإسلامي عامة وفي غرب إفريقيا خاصة جعلت كثيراً من الخاصة والعامة يجهلون كلياً ما يروج في المذاهب الأخرى من أحكام، وما تتميز بها من مميزات ومحاسن، وهذا من شأنه أن يزيد في ترسيخ المذهب المالكي وتقدمه على حساب المذاهب الأخرى.
هذه هي بعض العوامل التي ظهر لنا أنها أسهمت في ترسيخ المذهب المالكي، وتألق نجمه في سماء السودان الغربي منذ فجر التاريخ إلى عهد قريب يتوارثه الأجيال جيلاً عن جيل، وعلى ضوئه يتفقه الفقهاء ويقضي القضاة ويحكم الحكام، طبقات عن طبقات إلى القرن الثالث عشر الهجري.
هذا، ومما تنبغي الإشارة إليه أن المكانة الاجتماعية والسياسية التين حظي بهما المذهب المالكي في السودان الغربي خلال القرن العاشر لم يسبق له مثيل لأنه يعد الفترة التي نال فيها الفقه المالكي عناية كبيرة ووجد علماؤه السلطة المطلقة في حرية التعبير والتفكير وأصبحوا ذوي الحل والعقد.
فكلامه مسموع ومنفذ، ولهذا يعتبر القرن العشر من أهم العصور في تاريخ الثقافة العربية الإسلامية عموماً، والمذهب المالكي على الخصوص، في منطقة المثلث المشهور في غرب إفريقيا.
وصفوة القول أن السودان الغربي من أهم المناطق في الغرب الإسلامي التي ساد فيها المذهب المالكي سيادة مطلقة دون منافس يستحق الذكر، وأصبح بذلك من أكثر المناطق انغلاقاً عليه، وبعداً عن المذاهب الأخرى. |
||
|
تعليق |
|
| الاسم | |
| البريد الالكتروني | |
| التعليق | |
