English   Français

   

آخر تحديث: الساعة 01:16‏‎‎ ظهر الأربعاء 16 ربيع الأول 1433هـ الموافق 08 فبراير 2012م

مجتمع >> 


2010-07-09 النيجر .. وتصفية الوجود العربي في إفريقيا

النيجر .. وتصفية الوجود العربي في إفريقيا

جمال الدرواني

هل باتت الأمة العربية والإسلامية مقبلة على أندلس جديدة ، لا تقوم هذه المرة على طرد العرب والمسلمين من القارة الأوربية ، ولكنها تخرج في هذه المرة من إدخال القارة الأفريقية التي طالما استقبلت القبائل العربية وأسست ممالك إسلامية .

هذا التساؤل وإن كان يبدو غريباً إلا أن دولة النيجر لم تترك شيئاً يدعو للاستغراب بعد قرارها الأخير في منتصف شهر أكتوبر 2006م بطرد مائة ألف عربي من حدودها الشرقية الى دولة تشاد ، ثم تراجعها عن هذا القرار بعد وساطة ليبية .

القرار الذي تم تبريره آنذاك وفقاً لرؤى محلية ضيقة بدءاً من الصرع على المياه ونهاية بالحفاظ على الأمن الداخلي للبلاد ـ يمكن شم رائحة خطورته فقط إذا ما تم ربطه بما يحدث في مناطق الأمازيغ بشمال الجزائر ثم الرجوع الى الوراء قليلاً الى عام 1994م حيث مؤتمر كمبـالا الـذي ناقش ورقة تدعوا الى صياغة وإنشاء كيانات إفريقية جديدة لها مقوماتها العرقية والدينية .

عرب المحاميد وتضارب الروايات :

بالنظر الى أصول عرب المحاميد الذين كانوا بؤرة الصراع ومحط الأزمة الأخيرة ، فهم ينتمون أساساً الى بني سليم الذين وصلوا الى القارة الأفريقية بعد الفتوحات الإسلامية في شمال القارة على يد القائد العربي عقبة بن نافع الفهري ، حيث أخذت هذه القبائل في الانتشار في عدد من البلدان الأفريقية خاصة في ليبيا والسودان وتشاد ، وعندما شهدت تشاد حرباً أهلية في ثمانينات القرن الماضي هاجر عدد كبير من عرب المحاميد الى المناطق الشرقية من النيجر .

ومع مضي الوقت استقرت قبائل عرب المحاميد في النيجر وحصلت على جنسيتها ، بل ووصل بعضهم الى مناصب قيادية سواء عسكرية وسياسية فضلاً عن تمثيلهم في برلمان البلاد واستمر الأمر على ذلك دون أن يكون هناك ما يعكر صفو هذه العلاقة ، حتى أعلنت حكومة النيجر في 25 أكتوبر 2006م طرد 150 ألف شخص من أصول عربية الى تشاد .

ويبدو أن حكومة النيجر لم تعد نفسها جيداً لهذا القرار ، بحيث بدت التصريحات الصادرة من الحكومة متضاربة أو غير محددة ، ففي البداية بررت الحكومة قرار الطرد بسبب مزاعم حول وجود توترات واشتباكات وقعت بين السكان المحليين والعرب حول مصادر المياه ، حيث جاء على لسان وزير داخلية النيجر مونكايلا مودي أن السكان الأصليين يشعرون بالاستياء من سلوك هؤلاء العرب ، ولم يد بإمكاننا التغاضي عن هذا الوضع !! مشيراً الى أن الإبل التي يقوم العرب بتربيتها تستنزف موارد الواحات المحلية في البلاد .

فيما طالب محافظ ولاية ديفا الواقعة جنوب شرقي النيجر بالقرب من الحدود مع تشاد ، هؤلاء العرب بحزم حقائبهم والعودة الى تشاد مرة أخرى خلال خمسة أيام فقط !!

ثم ذهبت الحكومة خطوة جديدة الى الأمام حيث اتهمت عرب المحاميد بحيازة أسلحة غير مرخصة ، وبتهديد أن المجتمعات المحلية ، ثم صرحت بأنها قضية تتعلق بالهجرة مشيرة الى أنها ستطرد فقط أولئك الذين ليس بحوزتهم أوراق قانونية تخولهم البقاء في البقاء في البلاد .. وأخيراً اتهمت عرب المحاميد بارتكاب جرائم سرقة واغتصاب .

تضارب الروايات يؤشر الى أن الخطوة كان معداً لها من قبل ، وكانت تنتظر فقط السيناريو والإخراج المناسبين لتبرير طرد القبائل العربية في النيجر .

ورغم الدر الذي لعبته ليبيا في إنها هذه الأزمة إلا أن حكومة النيجر وضعت القبائل العربية التي استوطنت شرق النيجر في منزلة بين المنزلتين ، حيث قالت : سنعامل العرب المحاميد على أساس أنهم رحل ، وهي منزلة متوافقة مع القوانين المعمول بها .

وبعيداً عن تبريرات الحكومة النيجرية فإن الأمر برمته يمكن تلخيصه في تلخيصه في تصريح المتحدث باسم عرب المحاميد الذي اعتبر أن خطوة الطرد هذه اتخذت لأسباب سياسية .

إعـادة صياغة أفريقيا :

كانت وما زالت القارة الأفريقية أكثر البقع الجغرافية الهشة القابلة لإعادة التشكيل في العالم ، حيث لا تحتضن بداخلها قوى كبرى قادرة على التصدي للمدى الاستعماري الغربي ، مما جعل القارة مرتعاً خصباً للقوى الغربية الصليبية .

وحتى يمكن التعاطي بصورة صحيحة مع قرار النيجر بطرد 150 ألف عربي الى تشاد لابد من ربط هذا بما يحدث في شمال الجزائر ، حيث الحملات على أشدها لتنصير المسلمين ، وطرد العرب ، والانفصال عن دولة الجزائر وتأسيس دولة الأمازيغ مروراً باللعب على الوتر نفسه في المغرب ، حيث ثنائية البربر والعرب .. حيث اللعب على ثنائية الأفريقي والعربي .

هذه الثنائية وإن شئنا الدقة القومية الأفريقية الجديدة ولدت أساساً في مؤتمر كمبالا عاصمة أوغندا في عام 1994م ، والذي ناقش ورقة عنوانها (نحو خريطة جديدة لأفريقيا) ، والتي تهدف في الأساس الى قيام كيانات في إفريقيا هي :

- جمهورية الصحراء وتضم مصر وبلاد المغرب العربي حتى موريتانيا ، إضافة الى الجزء الشمالي من السودان .

- جمهورية إفريقيا الوسطى .. وتضم أوغندا وكينيا والكنغو ـ تشاد ـ الكاميرون ـ إفريقيا الوسطى ـ الجزء الجنوبي من جمهورية السودان .

- جمهورية سنغامبيريا .. وتضم : دول الحزام السوداني من النغال الى نيجيريا .

- جمهورية إثيوميا .. وتضم : دول القرن الإفريقي : إثيوبيا ـ إريتريا ـ الصومال ـ جيبوتي .

- الجمهورية السواحيلية .. وتضم الدول الناطقة باللغة السواحيلية .

- جمهورية موزامبيا .. وتضم كل دول الجنوب الإفريقي .

وبالنظر الى الكيانات الست السابقة فهي تدشن الى تقسيم السودان ، وهو الأمر الذي دخل حيز التنفيذ فعلاً ، حيث اتفاقية نيفاشا التي تعطي جنوب السودان حق الانفصال ، ثم حرب دارفور التي تمهد ايضاً الى استقلال الاقليم وضمه الى الغرب الأفريقي .

كما أن بنود الاتفاقية السابقة تسعى أيضا الى تنفيذ عملية غربلة ، حيث يقام كيان عربي في الشمال يبدأ من مصر الى موريتانيا ، مروراً بشمال السودان .. وهذا هو الجزء الهام الذي يخصنا في هذا المقال ، حيث إن عملية الغربلة هذه تقتضي إعادة توزيع القبائل العربية ، بعيداً عن الكيانات الإفريقية الخالصة ، سواء تحت تلك التي ستقام في الوسط أو الغرب أو الجنوب .. وهو الأمر الذي بدأ في مسلسل جنوب وغرب السودان ، ثم أخيراً في النيجر .

لكن يبقى السؤال : لماذا النيجر الآن ؟

الإجابة على هذا التساؤل يجيب عليها القاموس الجغرافي .. فهذه المنطقة وإن كانت جدبه وتفتقر الى المقومات الاقتصادية الضخمة إلا أنها استراتيجياً تمثل حلقة الوصل بين ساحل غرب إفريقيا المداري والصحراء الكبرى كما أنها أكثر المناطق التي تضم تشكيلة متنوعة من القبائل العربية والإفريقية فضلاً عن أنها تمثل المعبر الأساسي الذي يدخل منه الإسلام الى بقية مناطق القارة في الوسط والجنوب .

ومن ثم فإنه يمكن القول بأن مشكلة عرب المحاميد ـ وإن كانت قد مرت كسحابة صيف عابرة للصحراء الإفريقية ، إلا أن سحابة الصيف هذه والتي جاءت في غير أوانها ، ربما تنتظر فقط تلك العواصف الشتوية ، أو الرياح الغربية المشغولة بمناطق أخرى من الصراع في غرب القارة .

جريدة المحرر ـ العدد 96 (الاثنين 6 أكتوبر 2006م)



تعليق

الاسم
البريد الالكتروني
التعليق


اضافة تعليق
الاسم :
البريد الالكتروني :
التعليق :
رمز التحقق