|
ثلاثية القبيلة والعرق والدين وقضايا الدولة والثورة في القرن الإفريقي (3)
أ.د حسن مكي
من داخل أحياء السودان في الديم وكسلا والقضارف وغيرها نشطت خلايا حركات المقاومة للنظام الإثيوبي التي كانت تعمل تحت واجهات الإغاثة. وفي إحدى رحلاته الماكوكية هبطت طائرة جيمي كارتر في مطار الخرطوم ليصعد إليه بعد قليل أسياسي افورقي وفهم من المقابلة، موافقة أمريكا على وضعية الثائر حينها أسياسي افورقي ليكون رجل دولة ، وأسياسي أفورقي من الرعيل الاول للثورة ، ترك الدراسة ليتفرغ للقتال وعمل مع الأستاذ عثمان صالح سبي وتدرب بعدها في الصين ولكنه تميز على سبي بأنه رجل ميدان ورفيق للمقاتلين ، مما مكنه من الصعود كرجل ثورة ثم دولة ، وفي إطار مدرسة أفورقي تمت حركة تحرير التجراي ، إلتي بدأت كحركة محدودة لتحرير إقليم التجراي. ثم ما لبثت أن اتسعت أشواقها تحت راية زعيميها المؤسسين سبحت نقت ثم مليس زناوي لتحرير إثيوبيا كلها. ويتحدر كلاهما من عائلتين معروفتين وترك الأخير دراسة الطب في جامعة أديس أبابا ليتفرغ لهموم الثورة بين أكسوم والقضارف .
نجحت قيادة التجراي وبدعم من أمريكا والسودان وحنكة أفورقي في تكوين تحالف الجبهة الثورية الديمقراطية لتحرير اثيوبيا ، حيث تم صف كل الحركات المناوئة لنظام منجستو وشيئاً فشيئاً تساقطت المناطق الإثيوبية والإرترية، وفي مايو 19 عقد مؤتمر لندن الذي نظمته أمريكا ودعت له الحركات الثورية وممثلي النظام الساقط. وتمت فيه الموافقة على الدخول السلمي لقوات الثوار إلى أديس أبابا، وإيجاد لجوء سياسي إلى الرئيس منجستو في هراري بزمبابوي وبالفعل دخلت قوات الثوار اديس وإرتريا وتم تشكيل إدارة ذاتية برئاسة أسياسي أفورقي وأصبحت ارتريا في حكم الدولة المستقلة ، وانعقد مؤتمر المصالحة والسلام برئاسة رئيس الإدارة الذاتية في إثيوبيا ملس زناوي وفي هذا المؤتمر تمت إجازة حق تقرير المصير لإرتريا وتكوين لجنة لصياغة الدستور الإنتقالي وكل خطوات الإنتقال للشرعية .
تم حل الجيش الإثيوبي المليوني وجميع أجهزة النظام الأمنية والشعبية وتقبل الجميع ذلك. ولم تبرز اية مقاومة . بينما دخلت فرق كاملة من الجيش الإثيوبي إلى السودان وسلمت معداتها للحكومة السودانية. والمقاومة الوحيدة التي حدثت كانت على حدود السودان الجنوبية في مناطق أصوصة وقمبيلا. والغريب أن المحرك لها كان جماعات الحركة الشعبية لتحرير السودان ، التي أبت إلا أن تقدم طلقات تحية لحليفها منجستو. ولم تدرك أن منجستو كان قد طار إلى هراري واصبح سيداً لمزرعته وباشر سيادته عليها. والمهم طاردت القوات الإثيوبية قوات الحركة الشعبية لتحريرالسودان حتى أخرجتها من مدينة فشلا وبرز للوجود كيان سياسي وتحالف قوامه السودان وإثيوبيا وإرتريا.
وبعد عام تم الأستفتاء على قيام دولة إرتريا. وبالإجماع تم اعلان قيام دولة إرتريا وكان الوفد السوداني مسارعاً للمباركة والتهنئة وفتح السفارة السودانية. واصبحت الدولة الناشئة (ارتريا) تجلس على كثير من ميراث إثيوبيا العسكري من راجمات ودبابات واجهزة وسلاح بحرية.. ولدت إرتريا الثورة والدولة باسنانها عسكريا. ولكن غير ذلك لا يوجد شيء من أسباب القوة ، فالعاصمة اسمرة مجردة من زينة القوة إلا الفنادق وبعض مناطق الترفيه كل شيء محطم اما منطقة المنخفضات فهي كما خلقها الله يجوبها شعب رعاة لم يعرف التعليم والحضارة وخالية إلا من مناطق زراعة مطرية وبدون خدمات أو تعليم ، أما على الساحل فهناك ميناءا عصب ومصوع ويقدمان خدماتهما للتجارة والبضائع العابرة لإثيوبيا.
بينما كانت الأمور تسير في إثيوبيا والسودان وإرتريا في مصلحة تركيز سلطة الدولة ، انفرط عقد الدولة في الصومال ، على تجانس الصوماليين ديناً ولغة وعرقاً ، ولكن تأصلت العقيدة القبلية والعشائرية وسط الصوماليين ، كما أن الموجة اليسارية التي ركبها الرئيس المرحوم سياد بري عمقت جذور ثقافة الكراهية لأن سياد بري وظف قبيلته ( أم الريحان ) لتجذير مشروع ماركسي لا أرضية له في الصومال ، واستخدم العنف والقوة والسجن والتصفية في مرحلة لمحاربة الشريعة الإسلامية والقبلية والقات ، ولم يفهم الصوماليون من ذلك إلا أن قبائل الجنوب تستعبدهم ، فثار الإسحاقيون في الشمال وأسسوا الحركة الوطنية الصومالية وثارت أم الجرتين في الشمال الشرقي وأسست حركة أخرى ، ودعمت إثيوبيا منجستو الحركتين ، ثم انهار الجيش الصومالي وفر الرئيس سياد بري إلى كينيا ثم الى نيجيريا حيث مات هناك ونجحت قبائل شمال الصومال في إقامة كيان سياسي وشرطة وجيشاً في إطار ما يسمى بجمهورية أرض الصومال ، ثم تلى ذلك قيام جمهورية بنت لاند في شمال شرق الصومال وأصبحت قبيلة أم الجرتين شوكة الكيان الجديد. الذي رأسه ضابط صومالي عتيق من طراز سياد بري كان حلمه أن يصبح رئيساً للصومال .
أما جنوب الصومال أي المنطقة الاساسية للكيان السياسي الصومالي، فقد تم عملياً تدميرها ، بتدمير مقديشو وحرق مزارع افوجي التي كانت تغذي الصومال والخليج بالموز الشهير. سعى السودان في درب مصالحة صومالية / صومالية ، كما أرسل جسر أغاثة ، فهم العالم جسر الإغاثة علي أنه محاولة لبسط المشروع الحضاري السوداني ، فكان رد الفعل انزالاً أمريكياً ضخماً باسم عودة الأمل ، وكان حينها الرئيس بوش في آخر أيامه وقامت المقاومة الصومالية بقيادة عيديد بسحل الجنود الأمريكيين ، وحينما جاء الرئيس كلنتون في يناير 39 كان أول ما فعله سحب الجنود الأمريكيين من الصومال ليستمر مسلسل الفوضى ، إلى أن وصلت المحاكم الإسلامية إلى الحكم 2003واستطاعت أن تبسط سيطرتها على مقديشو وهنا ارتكبت القيادة الإثيوبية خطأ العمر حينما دخلت إلى الصومال بدعم استخباري أمريكي ولكن المقاومة الصومالية أخرجت الإثيوبيين واضطر الأمريكيون إلى العودة إلى مربع شيخ شريف .
ومايزال القرن الإفريقي يتشكل بعيداً عن مصر ، التي كانت جزءاً من القرن الإفريقي منذ أيام الفراعنة وانتهاء بجهود الخديوي إسماعيل باشا ، الذي شق قناة السويس وزاد من اهمية القرن الإفريقي ، لأن معظم التجارة العالمية أخذت مكانها بين البحرين المتوسط والأحمر وعبر القرن الإفريقي ، وعدن إلى الهند وآسيا ، ولكن تضاءل الدور المصري وازداد الدور الامريكي / والإسرائيلي ، كما ملأت دولة ارتريا الفتية هامشاً مهماً من فضاءات القرن الإفريقي ، ومثلت ارتريا دور الدولة القلعة التي استطاعت أن تصمد مشتبكة مع السودان بعد احداث محاولة اغتيال مبارك يوليو 1994م ومع اليمن في حنيش ومع إثيوبيا حول بادمي ومستقبل السياسة في إثيوبيا، ومع جيبوتي والحقيقة مع الفرنسيين حول السيادة حول باب المندب ، ودخلت اريتريا بقوة على البيت السوداني جنوبا ًوشرقاً ووسطاً وحتى في دارفور بينما ظلت مصر بعيدة لأن مصر كانت مشغولة بمستقبل السياسة في مصر علماً بأن مستقبل السياسة في مصر لن يتشكل بعيداً عن مجريات نادي السياسة في القرن الإفريقي ، بين قائل إن نادي السياسة في القرن الإفريقي يحتاج للتجديد ، فها هي أصوات تنادي بجمال مبارك وهاهو زناوي يقول إنه لا ينوي التجديد لدورة ثالثة ماذا عن بقية أعضاء النادي السياسي؟ وما هي مآلات السياسة؟ هل أستطيع إضافة كلمات مفيدات؟ أحاول وإن طاشت السهام في المرة القادمة .
صحيفة الرأي العام
التاريخ: الأحد 6 سبتمبر 2009م، 17 رمضان 1430هـ 42092
|