|
إفريقيا والتيار السلفي
دكتور مهدي ساتي
د. مهدي ساتي
جامعة إفريقيا العالمية
قدر لإفريقيا أن تتعرف إلي الإسلام السني من منابعه الأولي زمان الرسول صلي الله عليه وسلم والراشدين ( بلاد الحبشة ومصر ) فكان لهذا السبق اثره في تجذر السلفية السنية في وجدان كثير من شعوبها ، ثم ساعدت ظروف تاريخية بعينها في غلبة التيار الصوفي ومنها الظروف السياسية والاجتماعية التي مر بها العالم الإسلامي ، ثم تدهور الامبراطوريات الإسلامية الكبري في إفريقيا جنوب الصحراء ، وأخيرا الاستعمار الذي روّج لما صار يسميه أحيانا بالإسلام الاسود ISLAM NOIR ، كل ذلك بجانب الدور الذي قام به التصوف حيث شارك بعض زعماء الصوفية في عمليات الجهاد والمقاومة للاستعمار إضافة إلي دوره في امتصاص الصدمة العسكرية التي منيت بها طلائع المجاهدين في مناطق مختلفة من القارة الإفريقية ، فصار التصوف يقدم في شخوص زعاماته الجديدة البديل الروحي والجمعي للزعامات السياسية التي انتهت بسيادة الاستعمار كما ظل التصوف مع مافيه من بدعيات مستحدثة يؤسس لثقافة مضادة لثقافة المستعمرين النصاري أو Counter Culture كما في أدبياتهم .لم تكن إفريقيا بمعزل عما يدور في ديار الإسلام وخاصة الحجاز الذي شهد إنتصار الثورة السلفية ( الوهابية كما يسيمها أعداؤها ) وبذلك ظل طريق الحج السوداني يحمل أفكار السلفية إليه كسائر الطرق الإفريقية الأخري، ولما كان الحج مؤتمرا إسلاميا جامعا تلقت وفود الحجيج الإفريقي بواكير الدعوة السلفية من الحجاز ، وكان أثر هذه الأفكار واضحا جليا في الثورات التصحيحية التي شهدتها القارة الإفريقية ومنها حركة الشيخ عثمان دان فوديو في شمال نيجيريا ( 1754 – 1817 م) وقد أسس خلافة إسلامية استمرت حوالي قرن كامل من الزمان، وصنف الشيخ عثمان عشرات الرسائل والكتب في شتي مسائل الفكر الإسلامي السياسية والاجتماعية والثقافية ومن اشهر كتبه التي صنف كتابه ( أحياء السنة وأماتة البدعة) و( وجوب الهجرة علي العباد ) وغير ذلك ، ومن تلك الحركات الإفريقية ذات الاثر السلفي الحركة السنوسية التي جمعت في وضوح وتناغم غير مسبوقين في تاريخ الفكر الإسلامي في إفريقيا بين السلفية والصوفية ، ومنها كذلك الثورة المهدية حيث بدأ الإمام المهدي صوفيا وانتهي سلفيا ، وأدي كل ذلك لأن يشهد القرن الماضي بدايات صحوة إسلامية سلفية ابتدرتها علي امتداد وادي النيل والأقطار المجاورة أرض الكنانة مصر، حيث كونّ الشيخ محمد حامد الفقي المولود سنة 1310هـ الموافق 25/3/ 1892م ، ما صار يعرف بـ” جماعة أنصار السنة المحمدية “سنة 1345هـ - 1926م وقد تجاوز تأثير الفقي مصر إلي كل من السودان واريتريا واثيوبيا والصومال ، ففي اريتريا تكونت جماعة أنصار السنة المحمدية سنة 1940م وفي الصومال تأسست مثل ستينات القرن الماضي وكان علي رأس الجماعة في إريتريا الشيخ محمد صالح طاهر وفي الصومال محمد بن علي أحمد بافضل ([9]). وتتالي إنشاء الجماعات السلفية في إفريقيا فظهرت جماعة ( إزالة ) ( ازالة البدعة) في نيجيريا وجماعة عباد الرحمن السلفية في السنغال ومؤخرا جماعة أنصار السنة في ليبيريا سنة 1409هـ - 1989م . ظلت علاقة الجماعات السلفية بالأزهر الشريف في مصر قوية وعمد الشيخ الفقي منذ البداية إلى ايجاد تواصل بينهم وبين الأزهر وعلمائه وشيوخه وكانت علاقته شخصيا بشيخ الازهر فضيلة الشيخ محمد مصطفي المراغي قوية ، ولم يغب نشاط الجماعة السلفية في مصر عن أعين السلطات الحاكمة فقد أصدر جمال عبدالناصر قرارا في عام 1967 بضم الجماعة إلي ( الجمعية الشرعية ) والتي قالت قبل جماعة الفقي بعدة سنوات ثم اختارات السلطات للمجموعتين رئيسا من العسكريين إلا أن العمل المشترك بين المجموعتين لم يعمر طويلا فاستقل أنصار السنة المحمدية وعادوا للعمل كجماعة مستلة سنة 1971م([10]). أما علاقتهم مع تنظيم ( الإخوان المسلمون ) التي تاسست في مصر سنة 1928م ، فقد كانت علاقة تعاون يشوبها الحذر لتقويم كل فريق لجهود ومناهج الآخر , ورغم ذلك جسد بعض العلماء صورا من صور التعاون بين الفريقين ومن أولئك علي قلتهم الشيخ سيد سابق الذي كان يبدي اهتماما كبيرا بالدعوة السلفية وكذلك الشيخ الغزالي الذي يذكر السلفيون له كتابه ( ليس من الإسلام ) كجهد سلفي يصادم البدع والمستحدثات الصوفية دون مواربة .من جانب آخر فقد أدي انفتاح عدد من أقطار الخليج علي إفريقيا وخاصة السعودية والكويت إلي دعم تيار السلفية في القارة وانعكس ذلك في البعثات التعليمية وتأسيس المساجد الكبري
صحيفة الرائد
18/5/2009
|