| شؤون إفريقية>> |
| 2010-04-11 | المسألة الصومالية .. القرن الإفريقي | |||
| أ.د حسن مكي | ||||
|
يمثل القرن القرن الإفريقي ، واساسه الصومال وجيبوتي وإرتريا والسودان وكينيا ويوغندا إقليميا ، ومع إن هذا الإقليم يعج بالقبائل والالسن والمعتقدات ، إلا أنه من ناحية الجغرافيا الطبيعية يمثل وحدة واحدة ، بل ولايمكن فصل مصر منه ، لأنها جزء من حوض النيل ، والدلتا هي ثمرة هذا النيل الذي ينبع من الهضبة الإثيوبية ويوغندا. بالإضافة إلى آلاف الخيران التي تغذي النيل في ممره في أرض السودان ، والسودان هو عملاق المنطقة بما فيه من موارد ولوسطية إنسانه ، حيث لايكاد يوجد في إفريقيا مناطق تماثل موارد السودان باستثناء ربما جنوب إفريقيا والكنغو كنشاسا ونيجيريا .
أدت إلحرب الإثيوبية / الإرترية، إلى تعطيل مشروع التواصل والتكامل في القرن الإفريقي، ومن قبل أدى التوظيف السياسي لمحاولة اغتيال الرئيس حسني مبارك في يونيو 95 ، إلى نسف بدايات التواصل والوفاق مابين السودان وإثيوبيا وارتريا. كما أدت الطريقة التي تمت بها الإطاحة بالرئيس محمد سياد بري في العام 1990م إلى فكفكة الصومال وإنقسام النخبة والجيش على أساس قبلي ، مما أدى إلى ميلاد دولة جمهورية أرض الصومال بقيادة نخبة قبيلة اسحاق ، وجمهورية أرض بنت بقيادة نخبة أم الجرتين ، بينما ظلت بقية الصومال وعاصمته مقديشو مسرحا لحرب أهلية نسبة للتوازنات القبلية الموجودة فيه والتدخلات الخارجية وبقايا مراكز الدولة القديمة بتأثيراتها .
وسادت الفوضى الصومال الجنوبي. وأصبح لسان الحال من غلب نهب ، وللأسف قامت الولايات المتحدة الأمريكية وإثيوبيا والإستخبارات الغربية والإسرائيلية بدور سلبي ، بدعم امراء الحرب ورؤساء القبائل ، مما أدى إلى استشراء ظاهرة قطع الطرق والخطف وطلب الفدية على المخطوفين من الاجانب والدبلوماسيين والصحافيين والتجار وعمال الإغاثة. ولم تكترث القوى الدولية بما يحدث إلى أن تطورت القرصنة من ظاهرة فى البر إلى ظاهرة على البحر حيث بدأت بخطف سفن الصيد ثم انتهت بعد بضعة عشر عاما من الممارسة إلى خطف الناقلات والشاحنات البحرية الضخمة .
لم تنقطع تأثيرات إثيوبيا في تشكيل الصومال ، ونشأت القومية الصومالية محملة بأشواق استعادة الاوجادين ، أرض ومسقط رأس رمز القومية الصومالية الإمام محمد بن عبدالله الحسن « مهدى الصومال « وبينما نظرت قبائل الداروت والهوية إلى اليوم الذي تتم فيه استعادة الأوجادين ، كانت القومية الإثيوبية ترى أن اليوم الذي تخرج فيه الأوجادين عن ولاية إثيوبيا ، يوم مشؤوم ، لأنه سيمثل تأكيد مسار تشظي إثيوبيا وانشطارها فبالأمس ذهبت إرتريا واليوم الأوجادين وغدا أروميا وبني شنقول وحرب القوميات.. إذاً ماذا بقي من إثيوبيا الهوية والدولة ، علما بأن النخبة المسيحية الحاكمة في إثيوبيا كانت أبدا تحت أحساس أن إثيوبيا في خطر ، نسبة لصراع القوميات في الداخل ونسبة لأن إثيوبيا كيان مسيحي في إطار حزام إسلامي داخلي ومحيط إسلامي خارجي ، ولجأت النخبة الإثيوبية إلى الدين المسيحي واللغة الأمهرية واسطورة الدماء المقدسة التي تجري في عروق النخبة الحاكمة ، لتوليد قومية اثيوبية قادرة على مواصلة الحياة في ظروف خصوصيات وتعددية مكونات إثيوبيا الحديثة. وعززت ذلك بالتراكم التاريخي القائم على بناء الكنائس والتمترس بها ، حتى أصبحت اعلى نسبة كنائس لمجتمع مسيحي موجودة في إثيوبيا التي يوجد فيها أكثر من مائة وعشرة آلاف كنيسة صغيرة وكبيرة ، اي بنسبة كنيسة لكل ثلاثمائة نسمة وقبل الإنفجار السكاني الحادث ربما كانت كنيسة لكل مائة وخمسين نسمة .
مع إن ظاهرة انهيار الدولة الصومالية ، مردها إلى فشل النخبة الصومالية في القيام بمطلوبات إدارة الدولة وأن انهيار مشروع الدولة ، مرده أساسا إلى سياسات القهر والبطش التي مارسها نظام الرئيس المرحوم محمد سياد بري ضد خصومه ، الا أن ذات طبيعة البطش والعنف ، وسياسات الحديد والنار والدم ، كانت مركوزة في سياسات الرئيس منقستو في إثيوبيا ولكن لم تتفكك إثيوبيا وتفككت الصومال ، ربما نتيجة لعدة عوامل هي - التدخل الإثيوبي كان مكثفا ومن أكثر من جهة وبدعم خارجي . حيث تم دعم الحركة الوطنية الصومالية الإسحاقية في شمال الصومال بقيادة السفير عبدالرحمن تور والرئيس محمد ابراهيم عقال .كما تم دعم حركة الإتحاد الوطني الصومالي الداروتية في جنوب الصومال بقيادة الرئيس عبدالله يوسف والسفير محمد فارح عيديد.
ثانيا : فكرة الدولة في إثيوبيا عريقة بينما ظلت القبيلة محور الحياة في الصومال .
ثالثا : المعارضة الإثيوبية التي أطاحت بالرئيس منقستو كانت موحدة قيادة وبرنامجا وقائمة على استقلال ارتريا وتملك القوة العسكرية والسياسية والسند الدولي لفرض ذلك ، بينما كانت المعارضة الصومالية تفتقر للتجانس والوحدة والبرنامج وكان السند الخارجي ممثلا في إثيوبيا له اجندته الخاصة والتي تقوم علي إبطال مفعول حركة القومية الصومالية.
رابعا : نخبة الدولة الصومالية المعاصرة نتاج لتجربتين استعماريتين مختلفتين ، ففي الصومال الشمالي اللغة الثانية هي الإنجليزية ونظم التعليم والإدارة والتجارة والنظم العسكرية مشدودة إلى التجربة البريطانية بينما الصومال الجنوبي مشدود إلى التجربة الإيطالية لغة وإدارة وتعليما وعسكرية .
ومع الإستقرار النسبي في جمهورية أرض الصومال وكذلك جمهورية أرض بنت، التي تحكمها نخبة أم الجرتين، التي خرج من رحمها آخر رئيس جمهورية منتخب وهو الرئيس عبدالرشيد شارمارس، إلا أن كلا الإقليمين يفتقر للشرعية الدولية . حيث ينظر المجتمع الدولي للصومال الجنوبي وعاصمته مقديشو كأساس للدولة الصومالية ذات الوضعية والمشروعية الدولية ، نسبة لوجود مؤسسات الدولة القديمة والعاصمة مقديشو وكذلك لثقله السكاني والإقتصادي . فشل الصومال الجنوبي في الحفاظ على تماسكه ، لإنقسام اجهزة الجيش والشرطة فيه ، ولأن المعارضة كانت منقسمة ونتيجة كذلك لفشل محاولات التدخل الخارجي فيه والتي بدأها الرئيس بوش الاب ثم ما لبث أن قامت الإدارة الديمقراطية بقيادة الرئيس كلنتون بسحب القوات الأمريكية والدولية ، ولم تستطع أي من قوى المعارضة ملء الفراغ حيث دارت المعارك حول السيادة في مقديشو بين الرئيس علي مهدي وعيديد وامراء الحرب حتى بعد موت عيديد وانسحاب علي مهدي ، كما عمدت اثيوبيا إلى دعم نخبة قبيلة الريحاونين» الديجل والميرفلي « بالدعم والحضور العسكري المباشر والمرابطة في منطقة بيدوا وبرزت مبادرات عديدة من مصر والجامعة العربية والسودان وجيبوتي. ولكن سُجِلت لها شهادات وفاة ، نسبة لاعتراض اثيوبيا عليها ، حيث جاءت حكومات وذهبت، كانت أكثر حضورا حكومة أبوالقاسم صلاد ولكنها دفنت قبل أن تنجز شيئا يذكر . وكذلك لأن الدول الغربية كانت تريد للشأن الصومالي أن يظل شراكة غربية مع كينيا وإثيوبيا .وبالفعل وتحت مظلة الإيقاد تم الوصول لصيغة برلمان إنتقالي تقوم عليه حكومة إنتقالية برئاسة الرئيس الحالي عبدالله يوسف ولم تستطع الحكومة دخول مقديشو نسبة لسيطرة أمراء الحرب عليها ، لذا استقرت بمؤسساتها في كنف الحماية الإثيوبية في بيدوا جنوب غرب الصومال .
وفي هذه الفترة ، بدأت تبرز المحاكم الإسلامية ، حيث أخذت القبائل تنصب أبناءها الذين على حظ من العلوم الشرعية أمور الفتيا والقضاء وحسم الصراعات ، ثم ما لبث أن تم إيجاد مكتب تنسيق بين محاكم القبائل المختلفة ووجد التجار مصلحة في حماية هذا الجسم الذي نجح في بسط الامن والاستقرار فعملوا على دعمه وتمويله ، وأصبح له شرطته وسجونه وفي إطاره برزت مؤسسات مجتمع مدني قوية أدارت المصارف والأمور المالية والإتصالات والتعليم وفي النهاية اصبح اتحاد المحاكم الشرعية يمثل حركة الدولة ونجح في القضاء على الفوضى وإقامة نواة لحركة الدولة .
وبدأت مفاوضات في الخرطوم بين رجال المحاكم والحكومة الإنتقالية وقبل أن تنضج سارعت إثيوبيا وبمباركة أمريكية بغزو الصومال الجنوبي وتعقب المحاكم الإسلامية واجلائها من كل مناطق سيطرتها لصالح الحكومة الإنتقالية ، وجاء رد الفعل الإثيوبي نتيجة للخوف الإثيوبي من وجود حكومة إسلامية في الصومال تؤثر على مسلمي اثيوبيا وكذلك تفتح ملف الأوجادين. أما أمريكا فقد رأت في الاحتلال الإثيوبي صمام أمان لمعركتها مع الإرهاب ، حيث كانت تدمغ اجزاء من مكونات المحاكم الإسلامية بموالاة القاعدة .
ما لبثت المحاكم الإسلامية أن استعادت تنظيمها السياسي والعسكري ، كما فازت بدعم من أرتريا التي ارادت أن تستنفد طاقة وقوى العسكرية الإثيوبية في الصومال، خصوصا أن الإجتياح العسكري للصومال يفتقر للسند القانوني ، لأن قرار مجلس الامن نص على إرسال قوات دولية من غير دول جوار الصومال وكان المقصود أساسا بذلك إثيوبيا . نسبة للشكوك التراكمية التاريخية المتبادلة وما بينهما من حزازات وعداوات وادراكات سلبية متبادلة . ولم ينجح مجلس الأمن في توفير القوات المطلوبة، باستثناء وحدات من يوغندا ورواندا .
نجحت حركة المحاكم الإسلامية في استعادة معظم الأراضي الصومالية ، مما أجبر الحكومتين الإنتقالية والإثيوبية على فتح مفاوضات معها في جيبوتي، ومع أن المفاوضات تقدمت حيث وافقت إثيوبيا على سحب قواتها من الصومال، إلاّ أن فصيلا من المحاكم ، وهو فصيل الشباب الإسلامي اشترط اكمال رهن وقف القتال باكمال انسحاب القوات الإثيوبية . ويبدو أن هذا موقف تكيتكي ، لأن قيادة الشباب ترتكز في اسمرا الراغبة في بقاء الأحوال كما هي عليه ، حتى يتم استنفاد قوة أثيوبيا وتفكيكها من خلال حرب الصومال ، ومن الناحية الأخرى، فإن هناك مكوناً اوجادينياً في حركة الشباب تتعلق اشواقه بتحرير الاقليم الخامس في إثيوبيا أي اقليم الأوجادين وكذلك مجموعة السلفيين التي تنظر لهذا المشروع كمقدمة لحركة تحرير اسلامية لكل مسلمي إثيوبيا .
وتشير الواردات أن جزءا مقدرا من حركة الشباب سيلتحق بالمحاكم الإسلامية وقيادة شيخ شريف إن تم الإنسحاب الإثيوبي ، بينما سيواصل تيار آخر ربما بقيادة الشيخ حسن الطاهر اويس الحرب ناقلا المعركة للاوجادين في إثيوبيا ، خصوصا أن أرتريا ماضية في تقديم الدعم لكل الجماعات والقوميات المناوئة لإثيوبيا وكل حركات القوميات المحاربة .وقدمت لها التسهيلات الدبلوماسية واماكن التدريب والدعم الإعلامي وأحيت حركات تحرير الأورومو وتحرير بني شنقول وحركات أحزاب الأمهرة وحركة تحرير العفر ، بالإضافة إلى الحركات العسكرية الصومالية الناشطة في الأوجادين.
مستقبل المسألة الصومالية :
أولا ليس من المنظور بروز الدولة الصومالية الموحدة على المدى القريب ، لأن مشاعر ومرارات الحرب الأهلية لا تزال عاملة وحاضرة في عقل ووجدان النخبة الحاكمة في جمهورية ارض الصومال، كما لا يوجد مشروع وحدة جاذبة والنخبة الحاكمة لا تريد العودة لتجارب وحدة فاشلة ، ومع أن التشكك في جدوى الوحدة أقل بكثير وسط النخبة الحاكمة في جمهورية أرض بنت وعاصمتها بوصاصو إلاّ أن كسبها كذلك يحتاج للضمانات والتدابير الدستورية وبروز مشروع وحدوي قائم على اللا مركزية والفيدرالية وتقاسم السلطة والثروة.
أما في الصومال الجنوبي ، فإنه يحتاج لسنوات لتجاوز آثار صدمة الاحتلال الإثيوبي والمصالحات الداخلية بين المحاكم الإسلامية والخارجين عليها والحكومة الإنتقالية وبرنامجها للتحول الديمقراطي، ولكن قد تتحسن الأحوال تدريجيا باكتمال انسحاب القوات الإثيوبية وقيام حكومة مصالحة وطنية أساسها المحاكم والحكومة الإنتقالية وعلاقات جوار حسنة مع إثيوبيا ، لأن اثيوبيا لن تقبل ببقاء الصومال ساحات للقوميات الإثيوبية المعارضة، خصوصا جبهات تحرير الأوجادين .
وتظل الصورة قاتمة ، طالما كانت ارتيريا حاضرة في الشأن الصومالي ، حيث تظل فرص اتساع الحرب إلي إثيوبيا كبيرة وقد تلجأ اثيوبيا لمحاولة اطفاء مصدر الحريق بضرب أو اجتياح ارتريا مما قد يؤدي إلى انتشار الحرب والعنف في كل المنطقة من جنوب الصومال مرورا بالأوجادين وانتهاء بإثيوبيا وارتريا ، مما سيؤدي إلى تدفقات سكانية عابرة للحدود طلباً للملجأ والملاذ الآمن في السودان واليمن وكينيا وجيبوتي ومع اللاجئين تتمدد الحركات المسلحة في كل المنطقة ، كما أن ظاهرة القرصنة في البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي ستزداد ، مما قد يجعل حرب الصومال وعدم الإستقرار في القرن الإفريقي حرباً ذات طبيعة دولية وتأثيرات بالغة الخطورة على الامن والتجارة الإقليمية والعالمية ، مما سيدفع بدول أخرى للتدخل حماية لتجارتها وأمنها القومي.
والله اعلم
صحيفة الرأي العام
التاريخ: الأحد 28 ديسمبر 2008م، 1 محرم 1430هـ 22544 |
||||
|
تعليق |
|
| الاسم | |
| البريد الالكتروني | |
| التعليق | |
