|
التغلغل الإسرائيلي في إفريقيا
إدريس جالو / بوركينا فاسو
علاقة "إسرائيل" بأفريقيا لم تبدأ بقيامها في 1948/5/14م؛ بل مع انعقاد أول مؤتمر صهيوني في أغسطس 1897 فى بازل بسويسرا؛ حيث برزت فى صدارة جدول أعماله خيار أوغندا كموطن قومي لليهود، إلى جوار كينيا والأرجنتين وفلسطين، وقد تأكدت هذه الحقيقة من خلال كتاب صدر عام1968 بعنوان: "صهيون فى افريقيا"، كشف فيه مؤلفه عن أن تشمبر لين وزير المستعمرات البريطانية شجع تيودور هرتزل مؤسس الصهيونية على توجيه نشاطه إلى شرق أفريقيا، واستمرت الإتصالات بين الطرفين البريطاني والصهيوني بهدف وضع مخطط لإنشاء وطن قومى لليهود في أوغندا، إلى أن قرر المؤتمر الصهيوني السادس في بازل عام 1903 رفض مشروع أوغندا.
وظلت "إسرائيل" غير مرتبطة بأية علاقات مع دول أفريقيا حتى منتصف الخمسينات من القرن الماضي؛ حينما بدأت الدول الأفريقية تنال استقلالها، وتعتبر ليبيريا ثالث دولة فى العالم تعترف ب"اسرائيل"، وأول دولة أفريقية تعقد مع "إسرائيل" معاهدة صداقة وتعاون، وتزايد الاهتمام "الإسرائيلي" بأفريقيا بعد مؤتمر "باندونج1955" ومن ثم سطعت أفريقيا في دائرة الضوء في السياسة الخارجية "الإسرائيلية"، خاصة بعد أن نالت معظم الأقطار الأفريقية استقلالها وانضمت إلى الأمم المتحدة، وصارت تشكل كتلة صوتية لها وزنها فى المحافل الدولية، لذلك سعت "إسرائيل" لكسب تأييد الدول الأفريقية، وفي هذا الصدد يقول ابان ايبان وزير الخارجية "الإسرائيلي" الأسبق: " كانت إسرائيل في مسيس الحاجة إلى إنشاء علاقات مع أفريقيا؛ تضمن منح أصوات التأييد لإسرائيل في المحافل الدولية، فلم يكن يكفى أن تعتمد إسرائيل على الفيتو الأمريكي والبريطاني والفرنسي في مجلس الأمن الذي يعتبر الهيئة التنفيذية للمنظمة الدولية، فقد كنا نحتاج إلى أصوات عشرات الدول الأخرى لكي تحول دون تدهور مركزنا وعزلتنا في الجمعية العامة للأمم المتحدة"، ومن هنا بادرت "إسرائيل" بعرض المساعدات الإقتصادية والفنية والإجتماعية على الدول الأفريقية بدعوى تنميتها، وقد لاقت هذه الدعوة ترحيبا من جانب الأقطار الأفريقية، وأسهمت هذه المساعدات وما ترسله "إسرائيل" من خبراء ومستشارين تحت ستار تنمية وتحسين أوضاع في تمهيد السبيل أمام التغلغل "الإسرائيلي" في أكثر من 30 دولة أفريقية، واعتمدت "إسرائيل" في ذلك على اعتبار أن العديد من الدول العربية محاطة من أقطار أفريقية فى جنوب الصحراء يمكن في حالة تحالفها معها تهديد الأقطار العربية؛ مثل: مصر والسودان وباقي الشمال الأفريقي، وفى هذا السياق يقول الجنرال حاييم لا سكوف فى محاضرة له فى كلية القادة والأركان "الإسرائيلية" فى 2/3/1960: "إن نجاح إسرائيل فى تطوير علاقاتها مع الدول الأفريقية، خاصة المتاخمة للدول الغربية سيحقق لإسرائيل مكاسب إستراتيجية كبيرة تساعد على تلافي نقاط الضعف الاستراتيجية المتمثلة في إحاطتها بطوق عربي محكم، والوصول إلى الظهر العربي المكشوف من مكان لا يتوقعه العرب". وأعتقد أن ما يحدث منذ ثلاث سنوات في دارفور وما حدث في إثيوبيا وأرتريا، وما حدث فى الصومال وما يحدث الآن، وكذلك ماحدث بين السنغال وموريتانيا عام 1988، يكشف هذا المخطط "الاسرائيلي".
واللافت للنظر أن مخطط التسلل "الإسرائيلي" إلى أفريقيا بدأ من غرب القارة ثم امتد لوسطها وانتقل إلى شرقها ، خاصة بعد فتح خليج العقبة أمام الملاحة "الإسرائيلية" عام 1957، والذي استفادت منه "إسرائيل" في تسيير خمس خطوط ملاحية بحرية منظمة ربطت "إسرائيل" بافريقيا وآسيا، وفي هذا الصدد يقول بن جوريون: " إن أفريقيا أصبحت بعد تأمين حرية الملاحة في مضيق إيلات، تحتل الأولوية في علاقات "إسرائيل" الدولية، لأن هذه العلاقات ستحقق نتائج غاية فى الأهمية لكلا الطرفين"، بحيث امتد النشاط الصهيوني غربا مع غانا، وفى الوسط مع أوغندا، وشرقا مع إثيوبيا، وهذه كانت البدايات للتوغل والاختراق "الإسرائيلي" لأفريقيا، وفي إطار عقيدة الأمن القومي "الإسرائيلي"؛ ترى "إسرائيل" في أفريقيا مجالا مهما لإدارة الصراع في الشرق الأوسط، وميدانا لا يمكن التخلي عنه في ظل الطوق والعزلة السياسية والاقتصادية التي تفرضها الدول العربية عليها، ولهذا سارعت "إسرائيل" إلى إنشاء علاقات ودية وسياسية وعسكرية مع الدول الأفريقية، وتعمدت من خلال أرتريا افتعال المواجهة مع اليمن على جزر "حنيش"، حتى يتوفر لأرتريا الهيمنة الكاملة مع الحليف الإسرائيلي" على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر وفقا للاتفاقية بين البلدين عام 1993 والتي تحقق لهما العديد من الأهداف الاستراتيجية، وعلى رأسها تطويق مصر من خلال السيطرة على النطاق الجغرافي المحيط بها، وتأمين الملاحة في البحر الأحمر، وتأمين واردات الماس، وصادرات السلاح، وإيجاد سوق واسعة للصادرات الصناعية "الإسرائيلية"، وضمان مورد دائم للمواد الخام التي تحتاجها الصناعات "الإسرائيلية" وفتح جبهة خلفية للصراع تهدد أمن الأمة العربية، وفي هذا السياق يؤكد بن جوريون على حقيقة هذه الأهداف بقوله: "إن المساعدات الإسرائيلية للدول الأفريقية تهدف إلى كسر طوق العزلة الإقتصادية والسياسية التي تعيشها إسرائيل، وتمهد الطريق أمام توسيع أسواق التصدير للمنتجات الإسرائيلية، وتأمين فرص عمل لعدد من القوى البشرية الإسرائيلية الفائضة".
لقد تطورت العلاقات الإقتصادية بين "إسرائيل" والدول الأفريقية خاصة في التبادل التجاري بينهما؛ بحيث قامت "إسرائيل" بإنشاء شركات في أفريقيا تتركز نشاطاتها في العديد من المجالات، مثل إقامة المزارع لتربية الدواجن وتربية الماشية، وإنشاء مراكز التدريب والإرشاد الزراعي، وإقامة الصناعات الزراعية؛ مثل تعليب الفاكهة والخضر، وتعليب اللحوم، وأنشأت أيضا شركات النقل البحري؛ مثل "شركة النجمة السوداء للملاحة البحرية" في غانا، وشركة الأسطول البحري في ليبيريا، كما أنشأت شركات الطيران، مثل مطار أكرا-عاصمة غانا- الدولي، وأقامت المدارس والجامعات؛ مثل جامعة هيلاسيلاسي في إثيوبيا، والمستشفيات مثل مستشفى مصوع في أرتريا، وقد تسللت هذه الشركات إلى مختلف القطاعات الإقتصادية الا فريقية وحققت أرباحا ضخمة أسهمت فى دعم الإقتصاد "الإسرائيلي"، وفوق ذلك نجحت "إسرائيل" في إقامة الشركات المختلطة برأسمال "إسرائيلي" وأفريقي، مثل شركة "تاجى" في أرتريا، والشركة الليبيرية الوطنية للملاحة، وشركة " سكر" لبيع الثلاجات وأجهزة التكييف في غانا، كما فتحت "إسرائيل" في دول القارة مكاتب تجارية لتنشيط التبادل التجاري بينها وبين الدول الأفريقية، وأسهمت هذه الوسائل في تطوير التبادل التجاري، وفي هذا الصدد تعد جنوب أفريقيا الشريك التجاري الأول ل"إسرائيل" في أفريقيا؛ حيث أظهرت أرقام "المعهد الإسرائيلي للصادرات والتعاون الدولي" وجود أكثر من 800 شركة ومصدرا "إسرائيليا" يعملون حاليا فى جنوب افريقيا، كما امتد النشاط "الإسرائيلي" إلى قطاع المعادن لاستغلال الثروات المعدنية في أفريقيا، فقد تولت بعض الشركات "الاسرائيلية" المتخصصة فى التنقيب عن المعادن استخراج الماس فى زائير " الكونغو" وجمهورية أفريقيا الوسطى وسيراليون، واستغلال مناجم الحديد في ليبيريا وسيراليون، واستخراج القصدير في الكاميرون وسيراليون، والرصاص والزنك من الكونغو.
كما أن اعتناق معظم القيادات الأفريقية للمفاهيم الغربية ساعد إلى حد كبير في التغلغل "الإسرائيلي" في أفريقيا، فيقول بنحاس لافون: "عندما اتجهنا إلى أفريقيا لم نكتشف قارة جديدة ولم نتعامل مع أوضاع غريبة عنا؛ فقد كانت لنا علاقات حميمة مع قيادات سياسية وعمالية وثقافية في غانا والسنغال وإثيوبيا ودول أفريقية أخرى"، وكما ساهمت الجماعات اليهودية في أفريقيا في تنفيذ مخطط التغلغل "الإسرائيلي" فيها؛ فيقول الدكتور إسرائيل الداد في هذا الخصوص: "إن الجماعات اليهودية في المنفى هي حليفنا الصادق الصدوق، وهي أهم لنا من كل الحلفاء والأخيار بما فيهم واشنطن ولندن وباريس وكل عواصم لعالم الحر؛ فهي عدة إسرائيل وسندها وهي التي تضع مصالح دولة إسرائيل في محل الإهتمام الأول".
وفى الختام يمكن القول أن التغلغل "الإسرائيلي" لهذه الدرجة يمثل تهديدا للأمن والإستقرار فى القارة، التي تعاني أصلا من الحروب والمجاعات وغير ذلك، ويستوجب من المخلصين لهذه القارة أن يتحركوا لتوعية أبنائها خاصة المثقفين منهم بخطورة هذا التغلغل على مستقبل القارة.
|