English   Français

   

آخر تحديث: الساعة 01:16‏‎‎ ظهر الأربعاء 16 ربيع الأول 1433هـ الموافق 08 فبراير 2012م

شؤون إفريقية>> 


2010-08-29 منظمات العمل الإسلامي في النيجر..بين مدارات اللعبة السياسية والطموحات الشعبية
أ. مجاهد عبد الله

لقد قدمت منظمات العمل الإسلامي ما استطاعت إلى الفقراء والمساكين، الكثير أم القليل؟ يرتبط الرد على هذا السؤال بالمنظار الذي منه ننظر ونحلل وننقد. فإذا نظرنا من زاوية تغيرية، تنموية ومستدامة، وكذلك من المقابلة بما حققته المنظمات الكنسية لوجدنا أنها أعطت أقل ما يمكن أن تعطيه، بحيث إنّ الفئات الفقيرة اليوم لا يمكن أن تقبل بالتخلي عن دعم منظمات التنصير بأيّ ثمن، ولا سيّما أن القناعة غدت شبه عامة باستحالة الإستفادة البريئة من المنظمات الإسلامية، أيا كانت حاجة الإنسان إلى الإعانة والمساعدة.

أمّا إذا كانت الإجابة سياسية ومنطلقة من المجاملة لكانت إيجابية وسعيدة. فقد تطورت أهداف منظمات العمل الإسلامي على نحو موازٍ للتطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وولّدت سلوكات ومعاملات قابلتها قرارات جديدة للعمل الإسلامي.

في البداية تحركت منظمات العمل الإسلامي من أجل التصدّي للتنصير والانحلال الخلقي والشقاء الاجتماعي الفاقع الذي تتخبط فيه الجماعات الإسلامية، فحددت أولويات ومواقع ساخنة، وبنيت مساجد ومدارس قرآنية على الطرقات الرئيسة، وحفرت آبار في بعض المناطق التي لا يتجاوز العمق فيها خمسة أمتار في أغلب الأحيان. ما إن وجدت الحلول الجزئية لبعض المشاكل حتى قرعت أبواب منظمات العمل الإسلامي أهداف أخرى أقلّ نبلاً واستراتيجية: انتقائية العمل الخيري، ومبدأ التعامل المافيوزي، وضرورة الانتماء إلى اتجاه أيديولوجي معين.

وعلى العموم، لا يمكن تحليل بنية العمل الإسلامي في النيجر دون التشديد على أهمية دور المنظمات الإسلامية الخيرية في هذا المضمار. فإلى جانب مسؤولية هذه المنظمات في الدعوة والتوجيه الديني ونشر اللغة العربية والثقافة الإسلامية، تحتل الهيئات الإسلامية في النيجر مكانة خاصة في التركيبة الإغاثية افتراضاً، إذ أصبحت تجتذب جزءً كبيراً من زكوات بعض الأثرياء وصدقات بعض المحسنين في الدول العربية بشكل عام، والخليجية على وجه الخصوص.

وأضحى نمو نشاطاتها يؤدي دوراً رائداً في تحديد مسار التطورات المستقبلية للإغاثة الإسلامية والتبشير الإسلامي بوجه عام. فقد آمنت المنظمات الإسلامية منذ أواخر الثمانينات بدورها الدعوي والتربوي وبمكانتها كمراكز للخدمات الاجتماعية والصحية والثقافية في النيجر. وتميّزت النيجر عن باقي دول إفريقيا الغربية بأوضاع مختلفة كتمركز بعثات ومنظمات إسلامية دولية، وانفتاح كبير على بعض الأقطار العربية، إلى جانب الديمقراطية وحرية التعبير وحرية تأسيس الجمعيات والمنظمات والمرونة التشريعية، الأمر الذي سمح لها بتأدية دور رياديّ على صعيد منح الرخص للمنظمات الإسلامية الدولية والمحلية وتقديم تسهيلات. وقد قوت التطورات السياسية والتشريعية ونجاح الكنيسة في مجال الخدمات الإنسانية والإغاثة والتنشيط الثقافي قناعة القيادات الإسلامية وكثير من ممثلي المنظمات الإسلامية الدولية بجدوى التركيز على حقل الخدمات الإنسانية والمحافظة على تنشيط دعوي تقليدي أقرب ما يكون من حالة التنحي الكلي عن أيّ دور دعوي لمنظمات العمل الإسلامي ما عادا الجمعيات الإسلامية المحلية في التسعينات، التي حاولت العمل على الحد من الانحلال الخلقي وتفشي الفساد وبناء المدارس القرآنية ومراكز محو الأمية بالحرف العربي.

فقد ركزت المنظمات الإسلامية الدولية تدخلها بوجه عام على توفير المساجد وصالات العبادة، وبخاصة في العاصمة نيامي، مع المحافظة على سياسة دعوية موسمية ساهمت في جعل العمل الإسلامي من أضعف الأعمال الإنسانية وأقلها تأثيراً في المجتمع النيجري. كما أن السياسة الدعوية المتبعة في هذا الإطار غيبت المنظمات الإسلامية الدولية عن أمور استراتيجية من الناحيتين الثقافية والاجتماعية. وأدّى التركيز على بعض المشاريع الموسمية (الأضاحي، إفطار الصائم، قوافل دعوية وطبية متقطعة ...) في المراكز الحضرية، ونمو علاقة النخبة السياسية مع المنظمات الإسلامية إلى تناقضات إقليمية اجتماعية كبيرة وإلى تمركز إنجازات العمل الإسلامي لمصلحة رجالات الدولة.

ففي حين ركزت المنظمات الكنسية على الفئات الفقيرة في القرى والأحياء الهامشية داخل المدن، بتنسيق مع منظمات تنصيرية وكنائس محلية، يلاحظ أنّ المنظمات الإسلامية الدولية تعمل على انفراد وبتأثير من بعض الرموز السياسية والإدارية. وإذا ما اقتربنا من تجربة المنظمات الإسلامية الدولية على هذا الصعيد، نجد أنّ هذه المنظمات التي تأسست على قاعدة الدعوة إلى الله، نظرياً على الأقل، كانت لها خيارتها الخدمية منذ البدء، والتي ساهمت في تحديد وجهة العمل الإسلامي فيها وفي تفاوت الإنجازات بين المناطق الجغرافية والطوائف الدينية في النيجر. ولعل أبرز تلك الخيارات تركيزها على دور قطاع الخدمات الموسمية، وتحديداً: إفطار الصائم والأضاحي منها، فضلاً عن دور الوسيط السياسي في تحديد مواقع تنفيذ الإنجازات. ولعلّ تجربة العمل الإسلامي في العاصمة نيامي تمثل خير مثال يعبّر عن هذه الخيارات. فهي تعتبر من أبرز مظاهر تسييس العمل الإسلامي، وتدعو إلى ضرورة فك ارتباط العمل الإسلامي بالنظام السياسي وجعل قراراته حرة قائمة أساساً على تلبية احتياجات المواطنين. وسياسة بعض منظمات العمل الإسلامي في النيجر ترتكز أساساً على الحسّ السياسي وليست منفصلة عن الاعتبارات الأيديولوجية والمذهبية.

انطلاقاً من هذه الخيارات تأسست مكاتب بعض المنظمات الإسلامية في النيجر لتعزيز دور جهات سياسية ومذهبية كوسطاء وكمرجعيات ذات امتياز في الاستشارة عند وضع وتنفيذ المشروعات التي تمولها الجهات الخيرية الإسلامية، فتم بناء مساجد ومراكز صحية ومدارس قرآنية وحفر آبار تسهيلاً لثبوت بعض الرموز السياسية في مناطقهم الانتخابية.

انطلاقاً من كل هذا نعتقد أنه كان من الأحسن، ربما، أن تبقى منظمات العمل الإسلامي خارج ساحة الانحياز السياسي وأن يقتصر دورها على المساعدة والتعاون والإرشاد الإسلامي. ودون أن نكون متسرعين في نقدنا لعمل المنظمات الإسلامية لا نملك إلاّ أن نلاحظ أن تنامي المنظمات الكنسية وتفاعلها مع الفئات الشعبية يقع مباشرة ضمن الاتجاه الإستراتيجي – الإنساني الذي يطغى على مؤسسة الكنيسة منذ انعقاد المؤتمر الوطني في النيجر عام 1991م، كما سبق وأشرنا إلى ذلك في أكثر من مناسبة. كما لا يسعنا إلاّ توخي الحذر، لأن هذه الاتجاهات هي موضوع متابعة صارمة وتقييم ميداني مستمر حتى في الأوساط القروية. نقول هذا لأننا نستشف من تدخلات بعض المنظمات الإنسانية الغربية أنها تنحو أكثر إلى التنصير الشعبي، وهاجسنا أن ينفجر هذا التناقض – في عيون المسؤولين على اختلاف مراتبهم – بين عمل هذه المنظمات في تحسين ظروف المواطنين وتوفير الشغل للعاطلين والمعطلين وما تؤدي إليه طبيعة الاستقطاب المكثف الذي تقوم به هذه المنظمات من خلال برامجها الموصوفة بالإنسانية.

نسوق الشيء نفسه في موضوع منظمات العمل الإسلامي. فنشاطات هذه الأخيرة على هذا الصعيد يشوبه بعض الغموض. إنّ تسييس العمل الإسلامي وأدلجته والتوجه نحو الانتقائية والتفضيل يقدم إمكانات تشيط محدود النطاق وقليل التأثير. هذا الموقف المؤيد، الذي يبدو غير مشروط، للمذهبية والطائفية والتسييس يحمل مخاطر جمة. لأن هذا النوع من الممارسات يجعل منظمات العمل الإسلامي موضوع شكوك وانتقادات لا تقل حدّة وصرامة عن التي توجه للهيئات "الإنسانية " الغربية المنصرة.

إنّ أساليب العمل الحالية التي يعتمد ها بعض المنظمات الإسلامية الدولية، وفي أساسها المركزية والمذهبية، لن تحقق أماني الفئات الشعبية المسلمة. ويجب أن تواكب نشاطات هذه المنظمات قوانين ضابطة تقبح جماح الانتقائية وتضمن المبادرة الجماعية المنسقة بحدود تكاملية عقلانية، وتكون ساحة خصبة لتوحيد صفوف المسلمين وجمع كلمتهم في آن .

وفي غياب تمويل كاف وثاب، وفي ظل اعتماد مفرط على "تسويق" مشروعات خيرية، ثمة مخاوف حقيقية أن تركب منظمات العمل الإسلامي الدولية قطار الجمعيات الإسلامية المحلية الذي يرى كثيرون أنه ذاهب إلى سقم تدريجي: إمّا الإصلاح أو الاختفاء!

وما دامت وسيلة الردع غير موجودة، إذ إن العقوبة القصوى تكمن في نشر الاحتجاج الشعبي، فإن منظمات العمل الإسلامي لن تتقدم خطوات نوعية وسريعة. وينبغي، على ما أعتقد، أن تكون كل منظمة إنسانية مشروطة بتنفيذ بنود الاتفاقيات المبرمة مع الحكومة، وأن تكون استمرارية الوجود القانوني لها مشروطة، وربما الوجود نفسه، باحترام "قواعد حد أدنى" متعلقة بدستور جمهورية النيجر المنبثق من الاستفتاء الشعبي الذي أجري في 1999م.

إن المشاكل التي يعانيها السكان المسلمون في النيجر: تفشي البطالة والأمية، تزايد الهوة بين الفقراء والأغنياء، هذه الهوة التي تزداد أيضاً بين المدن والقرى، كل هذا يدفع إلى التفكير بضرورة توزيع أكثر عدلاً للمشاريع الإنمائية والثروات بين المواطنين، كما بين أفراد كل عائلة. هذا الإثبات نقوله لنبين أن الحكومة والمنظمات الإنسانية تكتفي أحياناً بإجراءات إحسانية وخيرية فحسب، فيما المطلوب هو جملة حلول أكثر جذرية. وقد يصفنا البعض بالمتطرفين، ونذهب إلى أن الإحسان التقطيري والمساعدة الموسمية ليس حلاًّ جزئياًّ لمشكلة الفقر، بل الحل الوحيد للإبقاء على التعاسة، وتنمية التخلف. عسى أن يعير القائمون على منظمات العمل الإنساني هذه الآراء الاهتمام الذي تستأهله.



تعليق

الاسم
البريد الالكتروني
التعليق


اضافة تعليق
الاسم :
البريد الالكتروني :
التعليق :
رمز التحقق