English   Français

   

آخر تحديث: الجمعة 27 جمادى الآخرة 1433 هـ الموافق 18 مايو 2012م

شؤون إفريقية>> 


2011-03-02 سيناريو تفتيت وحدة ليبيا.. المحك أمام الدول الأفريقية
أ. أمل عبد الحميد

عبارة "إذا الشعب لا يحبُني فإنني لا استحق الحياة " كررها القذافي في خطاباته الأخيرة بعد اندلاع ثورة 17 فبراير في ليبيا للمطالبة بزوال حكمه ، إلا أن كل الإجراءات التي اتخذها حيال إيقاف المد الثوري للمتظاهرين أثبت بما لا يدع الشك استمرار ظلمه الغاشم ، بتصفية الشعب الليبي الأعزل عن السلاح ، وبالتالي تدويل الأزمة الليبية دوليا لتؤدي إلي انفجار الأوضاع بالمنطقة.

معمر القذافي الذي تولي دفة الحكم في ليبيا في 1969م، نجح مبكرا في التخلص من الجماعات والشخصيات التي يحتمل أن تشاركه المسؤولية في إدارة ليبيا لتصبح الساحة السياسية خالية تمام لمفكر الثورة الذي يتحكم بالسياسة الخارجية والداخلية دون وجود مساءلة ، كما نجح القذافي في تشكيل رؤية فردية انبثق محتواها من " الكتاب الأخضر " ليدير عبرها دولته لأكثر من ثلاثة عقود بالاعتماد علي اللجان الشعبية تحقيقا للديمقراطية المباشرة.

وقد تأثر القذافي بتجربة الثورة في مصر آنذاك ، ووضع مبادئ ثورته علي غرار الفكر الناصري الاشتراكي الذي ارتكز علي جلاء الاحتلال والقضاء على الفساد وعدالة توزيع الثروة النفطية ، رافضا أي توجه إسلامي لدولته وداعما خطا واضحا في تفتيت وسحق الحركة الإسلامية في ليبيا عبر اغتياله لكل من يقود توجه إسلامي . وفي ذات الوقت شرع في مساع وحدوية مكثفة مع الدول العربية لتحقيق الوحدة العربية، ومع تراجع الوهج الناصري بدأ يؤسس لنفسه زعامة خاصة أساسها الخطاب القومي، ولكن مع توسيع آفاقه ليصبح جزءا من مشروع عالمي أطلق عليه "النظرية العالمية الثالثة"، مما وفر له مظلة لتبرير تمويله للجماعات المسلحة في مختلف أنحاء العالم، ودفعه للصدام مع الدول الأخرى خاصة دول الجوار كمصر وتشاد و السودان ، وقام بإهدار ثروات شعبه على مشاريع سياسية وطموحات فردية عادت علي ليبيا بفوائد كثيرة أبرزها نفوذها المتنامي داخل أفريقيا، و تأثيرها الواضح في عدد من الملفات الإقليمية وبالذات قضيتي الصومال و دارفور. و قامت ليبيا مؤخرا بسداد مبالغ طائلة لضحايا تفجيرات لوكربي التي وقعت في الثمانينيات بأوروبا، وأعقب تلك الفترة خطوات أكثر جذرية، تمثلت في انفتاح طرابلس على المجتمع الدولي بصورة تدريجية، حيث أغُلقت الملفات الشائكة بينها وبين الغرب، وفي مقدمتها قضية تفجيرات لوكربي، والممرضات البلغاريات. وكان المقابل لانفتاح ليبيا علي دول الغرب تنازلها عن مشروع الأسلحة الكيماوية ، وقبولها تدمير كل مخزونها من أطنان الأسلحة الكيماوية التي تعتبر بمثابة الترسانة و عنصر الدعم للأمة الإسلامية في مواجهة السلاح الكيماوي والنووي الصهيوني الأمريكي، كل هذه التنازلات جاءت ضمنياً لاتقاء الغضب الأمريكي علي ليبيا بعد سقوط صدام حسين، وكان مهندس هذه السياسة سيف الإسلام أبن القذافي وساعده الأيمن وولي العهد المبشر بتولي السلطة من بعده.

وقد قبلت ليبيا التعاون الكامل مع الغرب فيما يسمى الحرب على الإرهاب، وبموجب هذا التعاون قدمت ليبيا لوائح بمن تعاونت معهم من المقاومة الفلسطينية، رغُماً عن أن القضية الفلسطينية كانت قضيته الأساسية التي اتخذ بشأنها مواقف متشددة حيال عدم القبول بالتسوية مع إسرائيل، واشتهر بتصريحاته المثيرة خلال القمم العربية التي كان يشارك فيها برفضه لمفاوضات السلام التي تمسك بخيوطها الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوربي .

ويعد مشروع إنشاء الاتحاد الأفريقي في عام 2002 م خلفاً لمنظمة الوحدة الأفريقية الذي أنفقت ليبيا عليه أموال طائلة من أهم الأحداث في فترة شهدت تحول سياسي وجذري لنظام القذافي، بانتقاده العمل العربي المشترك، و"عجز" الجامعة العربية، وتوجهت أنظاره نحو أفريقيا، فازداد تقديمه للمساعدات لدول القارة، وعزز موقعه السياسي فيها.وتأسيس الاتحاد الأفريقي فكرة قديمة دعت لقيام وحدة الدول الأفريقية وتعود إلى الستينيات من القرن الماضي ، عندما تبنى تلك الفكرة بعض زعماء إفريقيا ومنهم كوامي نكروم الزعيم الغاني الذي نادي بالوحدة الأفريقية ضد الاستعمار الغربي ، وعقب اغتيال نكروما في غانا ومنذ منتصف الستينيات ظل الرئيس الغيني الراحل أحمد سيكتوري من المؤيدين والمدافعين عن هذا الحلم، ولم ينته القرن العشرون حتى بادر معمر القذافي بالتبشير لاستمرار مشروع وحدة أفريقيا ، بعد فشله في تحقيق الوحدة العربية، وذلك أثناء قمة الجزائر، التي عُقدت في يوليو 1999،عندما وافق مجلس رؤساء الدول والحكومات على دعوته، لعقد القمة غير العادية الرابعة في مدينة سرت الليبية، في سبتمبر 1999. كان الغرض منها ، تعديل ميثاق منظمة الوحدة الأفريقية؛ لرفع كفاءة المنظمة وفاعليتها. واختتمت هذه القمة أعمالها، بإعلان سرت، الذي أعد أول مسودة للقانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي لتبدأ مسيرة الإتحاد الأفريقي من هذه المبادرة ولتتحقق كاريزما القذافي بأن يصبح ملك ملوك أفريقيا تأسيسا للزعامة الواهمة المعتمدة علي الخطاب القومي.

وفي أول رد فعل علي تطورات الأحداث الأخيرة بليبيا دفع الاتحاد الأفريقي ببيان أدان الاستخدام غير المناسب للقوة ضد المدنيين، وأكد مواصلة ، اتصاله مع السلطات الليبية وغيرها من الجهات الفاعلة، لوضع حد لسفك الدماء و ضرورة الحفاظ على وحدة أراضي ووحدة ليبيا و تطلعات شعب ليبيا للديمقراطية والإصلاح السياسي والعدالة والتنمية الاقتصادية والاجتماعية باعتبارها مطالب شرعية، يحث على احترامها ، كما قرر مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي إرسال بعثة من المجلس بصورة عاجلة إلى ليبيا لتقييم الوضع على الأرض . إلا أن الإدانة التي أطلقها الاتحاد الأفريقي لا ترقي لمستوي ما يطمح به الشعب الليبي ومن قبلها شعوب المنطقة التي بدأت تدب فيها الحياة وأشعلت نيران الاحتجاج علي أنظمتها ، وفي وقت سابق قررت أمانة جامعة الدول العربية تعليق عضوية ليبيا استناداً إلى المعلومات والتقارير التي أثبتت استخدام النظام للعنف المفرط ضد المواطنين الليبيين، وهو موقف يتسم بالضعف إزاء مايحدث في المنطقة فهذه المؤسسات سلُبت إرادتها من القوي الدولية وليس لها من الحقوق إلا حق الشجب والإدانة ، تنفيذاً للأجندة الدولية.

ومع مواصلة القذافي لاستخدام العنف غير المؤسس علي شعبه وسقوط ورقة التوت عنه توالت بيانات الاستنكار من المجتمع الدولي وعلي قمتها المنظمة الدولية " الأمم المتحدة" وهيئاتها ، ووراء كل بيان صادر منهم يكمن مأرب يستهدف تفتيت وحدة دول المنطقة ويطمع في استلاب مواردها و لازال مجلس الأمن في جلسة مغلقة تتداول إصدار قرار بشأن الأزمة في ليبيا وإدراجها تحت مسمي جرائم الحرب وليس بخافي علي الأمة الإسلامية تبعات هذا القرار وإشارته الواضحة إلي فتح الباب واسعا نحو التدخل الدولي في ليبيا ، خاصة وأن بعض المصادر الصحفية أكدت وجود ضغوط أمريكية تتعرض لها إدارة الرئيس أوباما للقيام بإنفاذ سيناريو التدخل العسكري الأمريكي العاجل ضد ليبيا، وهو مشروع تم وضع مخططاته منذ إدارة الرئيس الأمريكي السابق رونالد ريغان على خلفية أزمة خليج سرت والمواجهات العسكرية الأمريكية- الليبية، ومحاولة أسراب الطائرات الحربية الأمريكية القيام بقصف مقر القذافي و"دكه" من الجو، وتقول المصادر بأن السيناتور الديمقراطي-اليهودي الأمريكي والزعيم البارز في جماعات اللوبي الإسرائيلي جو ليبرمان والزعيم الجمهوري البارز جون ماكين المرشح الجمهوري الرئاسي، والذي أعلن استعداده والتزامه في حالة فوزه بالرئاسة شن حرب نووية شرق أوسطية من أجل حماية أمن إسرائيل، يقودان الآن حملة داخل الكونغرس الأمريكي للقيام بالضغط على الحكومة الأمريكية من أجل التدخل، إضافة إلى قيام السيناتور الديمقراطي جو بايدن بحملة تطالب الإدارة الأمريكية بإعادة فرض نظام العقوبات الأمريكية والدولية ضد ليبيا.

أما المثير الذي حرك الدهشة وأعاد للأذهان تكرار ماحدث في العراق، عقد وزراء الدفاع في حلف الناتو لاجتماع طارئ لبحث طرق التدخل في ليبيا والتي تشمل إجراءات عسكرية وبرغم أن السكرتير العام للناتو فوج راسموسن نفى بأن الحلف سيتدخل في الصراع الحالي في ليبيا، إلا أنه أشار في تصريحات صحفية أخري إلى دعوة وزراء دفاع دول الناتو إلى اجتماع لبحث سبل التدخل في الصراع الليبي الداخلي، إلا أن فنزويلا أكدت صحة المخاوف من غزو أمريكي لليبيا حين أعادت ما صرح به كاسترو من أن الولايات المتحدة تستعد لغزو ليبيا للسيطرة على النفط فيها.

بالاستناد إلي كل هذه التصريحات تكون الأزمة السياسية الليبية قد دخلت نفق التدويل، والتأكيد علي وجود عملية سرية تقوم بها أجهزة المخابرات الأمريكية والإسرائيلية والغربية لتوجيه فعاليات هذه الأحداث بما يُبقي على حلفاء محور واشنطن- تل أبيب ويضعف خصوم هذا المحور وما ينطوي عليه المزيد من التداعيات الفائقة الخطورة، ليس على النظام الليبي وحسب، وإنما بقدر أكبر على دول المنطقة ، فكل الإرهاصات تشير إلي ارتفاع احتمالات التدخل العسكري الأميركي الأوروبي في ليبيا ، الذي بدأ بإعلان بريطانيا إعداد قوة تدخّل خاصة لإجلاء رعاياها، وإعلان الولايات المتحدة عدم استبعاد أيّ خيار للتعامل مع الوضع الليبي بما فيه الخيار العسكري، بحسب الناطق باسم البيت الأبيض جاي كارني، و حديثه عن أنّ الاتصالات قائمة حالياً لبحث فرض منطقة حظر جوّي فوق ليبيا.

ولا ريب أن التدخل العسكري المتوقع ، سيجد ترحيبا من الرأي العام الدولي بسبب الإجماع الدولي على إدانة الأساليب الهمجية للقذافي بعد خطاباته الملتهبة المتوعدة ، إذ سيتم اعتباره بمثابة إنقاذ شعب من جرائم ضد الإنسانية التي يتعرض لها ، وهنا يكون المحك للدول الأفريقية بالمنطقة ، التي ستجد نفسها أمام سيناريو لإدارة الأزمة بالأزمة، سيناريو سبق وأن تكرر في الصومال ورواندا وأفغانستان وكوسوفو ولازالت آثاره باقية في العراق .



تعليق

الاسم
البريد الالكتروني
التعليق


اضافة تعليق
الاسم :
البريد الالكتروني :
التعليق :
رمز التحقق