English   Français

   

آخر تحديث: الجمعة 27 جمادى الآخرة 1433 هـ الموافق 18 مايو 2012م

تزكية وتعليم ودعوة>> 


2010-06-29 الحوار في حياة الرسول (ص)

الحوار في حياة الرسول (ص)

المستقبل لهذا الدين

د. يوسف حمد الأطرش *

كيف لا يكون المستقبل لهذا الدين وبه عبادة روحية ذات خصوصية يتكفل الله سبحانه وتعالى بمكافأة أصحابها كما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث قدسي (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجز به) متفق عليه،

وهي أن الصوم حفيظ لصاحبه من الضلال في الدنيا، ومن عذاب النار في الآخرة، وأنه عبادة خاصة بالله تعالى لم يعبد غيره بها، ومطيب لرائحة الفم عندالله ومفرح لصاحبه في الدنيا والآخرة، ورافع لذكره على رؤوس الإشهاد ومصحح للجسم من الأسقام ومعظم للأجر ومقرب من الله تعالى، وفي الحديث: (أعطيت أمتي في شهر رمضان خمساً لم يعطهن نبي قبلي، أما واحدة فأنه إذا كان أول ليلة من شهر رمضان ينظر الله عز وجل إليهم، ومن نظر الله إليه لم يعذبه أبداً، وأما الثانية فإن خلوف أفواههم حين يمسون أطيب عندالله من ريح المسك، وأما الثالثة فإن الملائكة تستغفر لهم في كل يوم وليلة، وأما الرابعة فإن الله عز وجل يأمر جنته فيقول لها استعدى وتزيني لعبادي، أوشك أن يستريحوا من تعب الدنيا إلى داري وكرامتي، وأما الخامسة فإنه إذا كان آخر ليلة غفر الله لهم جميعاً فقال رجل من القوم أهي ليلة القدر يا رسول الله؟ قال: لا ألم تر إلى العمال يعملون فإذا فرغوا من أعمالهم وفوا أجورهم رواه البيهقي وأحمد والبزار.

فالله تعالى يقول: كل عمل ابن آدم له، أي لنفسه حظ منه يتعجله في دنياه كالجاه والتعظيم وثناء الناس عليه لاطلاعهم على أعماله إلا الصيام فإنه خالص لي من الريا، وسد بيني وبين عبدي لخفائه وأنا أجازي عليه جزاءً عظيماً يليق بمقام الإله العظيم أو المراد إلا الصيام فإنه لي، أي لا يعبد به إلا الله تعالى أو المراد أنا المنفرد بعلم ثوابه.

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: نهينا أن نسأل رسول الله صلى عليه وسلم عن شيء فكان يعجبنا أن يجيء الرجل العاقل من أهل البادية فيسأله ونحن نسمع فجاء رجل من أهل البادية فقال: يا محمد أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك قال: صدق قال: فمن خلق السماء؟ قال: الله قال فمن خلق الأرض؟ قال: الله قال: فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل؟ قال: الله قال: فبالذي خلق السماء وخلق الأرض ونصب هذه الجبال آلله أرسلك؟ قال: نعم قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا قال صدق، قال: فبالذي أرسلت الله أمرك بهذا؟ قال نعم قال: وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا قال: صدق قال: فبالذي أرسلك الله أمرك بهذا؟ قال: نعم وزعم رسولك أن علينا صوم شهر رمضان في سنتنا قال: صدق قال فبالذي أرسلت الله امرك بهذا؟ قال نعم قال وزعيم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلا قال صدق، قال ثم ولى، قال والذي بعثك بالحق لا أريد عليهن ولا انقص منهن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم، لان صدق ليدخلن الجنة وزاد في رواية، فقال الرجل آمنت بما جئت به وأنا رسول من وراى من قومي وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر رواه الخمسة إلا أبو داؤود.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال اتاكم رمضان شهر مبارك فرض الله عز وجل عليكم صيامه تفتح فيه أبواب السماء وتغلق فيه أبواب الجحيم وتغل فهي مردة الشياطين لله فيه ليلة خير من الف شهر من حرم خيرها فقد جرم، رواه النسائي والبيهقي.

وللطبراني والبيهقي الأعمال عندالله عز وجل سبع عملان موجبان وعملان بأمثالهما وعمل بعشر أمثاله وعمل بسبعمائة وعمل لا يعلم ثواب عامله إلا الله عز وجل، فأما الموجبات فمن لقي الله يعبده مخلصاً لا يشرك به شيئاً وجبت له الجنة ومن لقى الله قد اشرك به وجبت له النار، ومن عمل سيئة جزى بها، ومن أراد أن يعمل حسنة فلم يعملها جزى مثلها ومن عمل حسنة جزى عشراً، ومن انفق ماله في سبيل الله فضعفت له نفقته الدرهم سبعمائة والدينار سبعمائة والصيام لله عز وجل لا يعلم ثواب عامله إلا الله تعالى، وللإمام أحمد والطبراني الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة فيقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشهوة فشفعني فيه ويقول القرآن منعته النوم بالليل فشفعني فيه قال: فيشفعان وللطبراني اغزوا تغنموا وصوموا تصحوا وسافروا تستغنوا ولأبي يعلى والطبراني لو أن رجلاً صام يوماً تطوعاً ثم اعطى ملء الأرض ذهباً لم يستوف ثوابه دون يوم الحساب، ولابن ماجة لكل شيء زكاة، وزكاة الجسد الصوم والصيام نصف الصبر، ولأحمد ثلاثة لا ترد دعوتهم، الصائم حيث يفطر، والإمام العادل ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام، ويفتح لها أبواب السماء ويقول الرب: وعزتي وجلالي لانصرنكم ولو بعد حين.

إن رمضان هو شهر الفرح والسكينة والتوازن ومراجعة الحسابات وتدارك الأخطاء، شهر الأمن النفسي والاجتماعي شهر لكسر حاجز الروتين الزمني والاجتماعي والوظيفي والنفسي، شهر للتجديد والتغيير وممارسة نظام يوم جديد، تتبدل فيه جل المواصفات، والمفردات ففي رمضان تجاوز لتقليد الوجبات الثلاثية وتحرر من إلزامها وتوابعها من المنبهات كالشاي والقهوة ففيه وجبتان تحملان مذاقاً خاصاً وأجواء سعيدة في الفطور والسحور وكذلك الفترات الزمنية الطويلة للتواصل مع كتاب الله سبحانه وتعالى.

وفيه ليلة القدر التي قيل عنها: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، رواه الخمسة.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى أعمار الناس قبله أو ما شاء الله من ذلك فكأنه تقاصر أعمار أمته ألا يبلغوا من العمل ما بلغ غيرهم في طول العمر فأعطاه الله ليلة القدر خير من ألف شهر. وقيل أن الرسول صلى الله عليه وسلم ذكر يوماً أربعة من أنبياء بني إسرائيل وهم أيوب وزكريا وحزقيل ويوشع بن نون عليهم الصلاة والسلام عبدوا الله ثمانين سنة لم يعصوه طرفة عيني، فعجب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك فأتاه جبريل فقال عجبت أمتك من هذا، إن الله تعالى لي أنزل عليكم خيراً من ذلك فقرأ عليه إنا أنزلناه في ليلة القدر وقال هذا أفضل مما عجبت منه أمتك فسر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم والناس معه.

وللبيهقي وابن حاتم أن النبي صلى الله علية وسلم ذكر رجلاً من بني إسرائيل حمل السلاح في سبيل الله ألف شهر فعجب المسلمون من ذلك فانزل الله ليلة القدر وهي خير من ألف شهر تعويضاً لهم من قصر أعمارهم فيبلغون السابقين.

فدين مثل هذا الليلة فيه تعادل ألف شهر أو ثمانين عاماً الا يكون المستقبل له؟

نماذج من حواراته (ص)

كانت حياة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم سلسلة من الحوار المتصل، مع ذاته ونفسه في غار حراء، ومع الملك جبريل عليه السلام، بعد ذلك، ومع الملأ الأعلى، ومع زوجاته وبناته ومع أصحابه ومع المجتمع المعاكس وما به من أهل كتاب (يهود ونصارى) ومنافقين ومشركين ومع الحكام وقادة الجيوش.

واشتهرت مواقف حوارية بعينها من حوارات الرسول المتصلة, ومنها ما كان في بدء الدعوة مرحلة الصدوع والجلوة بعد الخلوة والكتمان، مرحلة سعي المجتمع المعاكس في مكة لإجهاض مشروع الدعوة، عن طريق صفقة مع الداعية، لأن العقل الملكي الجاهلي المتكاثر، كان أسلوب حياته يقوم على التجارة والصفقات والمبادلات وتقديم التنازلات في إطار العقل التكاثري. ولكن العقل التكاثري يصدم بالعقل التكوثري في حوار مايزال يشكل العقل المسلم، ويعيد تشكيله ليتعلم أصول الحوار وما ينبغي أن يكون خاضعاً للتفاوض والنقاش والتنازلات وما لا ينبغي أن يصبح عرضة للمتغيرات والمساومات والتنازلات. ولعل هذا الحوار وقع في السنة الخامسة للبعثة النبوية حينما اكتشف المجتمع الجاهلي أنه أصبح حاملاً بمشروع جديد، وان الرحم المكي بدأ يتسع لهذا المشروع ولذلك اجتهدوا في سبل إجهاض الحمل ووأد المشروع، بصرف صاحب المشروع عن مشروعه وجره عن طريق اللجاج والمحاجة ليصبح شريكاً في إجهاض المشروع، حيث اجتمع عليه من أشراف قريش، وجلس إليهم الرسول صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد قد بعثنا إليك لنعذر فيك وإنّا والله لا نعلم رجلاً من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك. لقد شتمت الآباء وعبت الدين، وسفهت الأحلام, وشتمت الآلهة وفرقت الجماعة وما بقي من قبيح إلا وقد جئته فيما بيننا وبينك فإن كنت إنما جئت تطلب الشرف فينا سودناك علينا وإن كنت تريد ملكاً ملكناك علينا،وإن كان هذا الذي يأتيك رئياً (أي جاناً) تراه قد غلب عليك، بذلنا أموالنا في طلب الطب، حتى نبرئك منه أو نعذر فيك.

وكان هذا الكلام كافياً لأن يخرجه صلى الله عليه وسلم من طوره ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم الذي فطر على السماحة وقبول الآخر والصبر على الآخر حتى يكسبه ولو بعد حين أجاب ما بي ما تقولون، ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم، والشرف فيكم ولا الملك عليكم ولكن الله بعثني إليكم رسولاً وأنزل علىّ كتاباً وأمرني أن أكون لكم بشيراً ونذيراً فبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم من الدنيا والآخرة وإن تردوه عليّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم.

وتوالت المحاولات والوساطات، والضغوط حتى استعانوا عليه بعمه أبي طالب حاميه وناصره، فقال قولته المشهورة يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن اترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته) ومع أنه لم يهجهم أو يتهجم عليهم أو يرميهم بما رموه به، وإنما لزم أدب الحوار من جانبه ولكن مع ذلك لم يقدم أي تنازلات في أمر الدعوة واتسمت لهجته هذه المرة بالصرامة، لأنهم أرادوا الضغط لا الحوار، بإدخال عمه وجعلهم أداة ضغط واستخدام الوسائل العاطفية والنفسية، فأراد أن يدفعهم عن ذلك، كما أراد أن يوجه رسالة قوية لعمه والمجتمع الجاهلي أن لا يخلطوا الأمور حتى لا يختلط الأمر وتضييع الحقيقة حينما يصبح الحوار مطية للابتزاز وممارسة الضغوط، حتى طار صواب أشراف قريش، بينما ظل هو مستجمعاً لكيانه وقدراته، قادراً على إلحاق الهزيمة بهم، وأصعب الهزائم الهزيمة العقلية والفكرية التي أداتها الحجة، فبينما كان يخاطب العقل (أي عقولهم) كانوا هم مشغولين بنتائج عمله على الأرض قائلين: فرقت جماعتنا وشتت أمرنا وعبت ديننا وفضحتنا في العرب.

والفارق بين منهج الرسول الكريم ومنهج خصومه من أشراف مكة أنهم ينطلقون من مصالح دنيوية وعقائد جاهلية بينما هو ينطلق من (أدبني ربي فأحسن تأديبي) رواه العسكري في الأمثال.

أو كما ورد في أدب الخطاب في القرآن الكريم (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم) فصلت: 34

استشعار أن الآخر المخاصم هو ولي حميم لا يكون إلا من صاحب خلق عظيم وصاحب رسالة ارتكز في عقله ووجدانه أن الدعاء إلى الدين أعظم الطاعات وأجل الواجبات ولا تستوي الأعمال الحسنة ومن بينها أدب الحوار ولا الأعمال القبيحة التي منها التعصب والجهل والغلظة، لذا المطلوب دفع الباطل بالحق، والجهل بالحلم والإساءة بالعفو، لذا من صفات المتدين كظم الغيظ واحتمال المكروه، ومد حبال الصبر للآخر المحاور، مهما خرج على قواعد الحوار، حيث المتدين لا ينتهي إلى تصفية الحسابات بالثأر أو الإساءة أو تحقيق انتصارات لإفشاء غريزة الغلبة، إذ المتدين ينبغي أن يكون صاحب النصيب الوافر من الرأي والعقل.

الرائد

5/9/2009



تعليق

الاسم
البريد الالكتروني
التعليق


اضافة تعليق
الاسم :
البريد الالكتروني :
التعليق :
رمز التحقق