English   Français

   

آخر تحديث: الجمعة 27 جمادى الآخرة 1433 هـ الموافق 18 مايو 2012م

تزكية وتعليم ودعوة>> 


2010-07-01 الدعوة السودانية.. التحديات والمستقبل

الدعوة السودانية.. التحديات والمستقبل

ياسر محمود

النقص الحاد في الطاقات الدعوية المتخصصة والمدربة.. عدم مواكبة التطور العلمي والثورات التقنية الحديثة.. غياب المساجد والخلاوى النموذجية.. الفرقة وعدم توحد الصف والأهداف بين المنظمات والمؤسسات والجماعات الدعوية.. ضعف التمويل المالي للبرامج والأنشطة الدعوية.. تحديات وإشكاليات الخطاب الدعوي.. حركات التنصير...

هذه بعض التحديات التي يواجهها العمل الدعوي بالسودان، والتي أثيرت ضمن موضوعات الندوة العالمية المتخصصة حول "قضايا الدعوة الإسلامية في السودان" التي عقدت بالخرطوم خلال الفترة من 13 إلى 15 من فبراير 2008 برعاية وزارة الإرشاد والأوقاف السودانية.

الخطاب الدعوي

يشير الباحث السوداني محمد سيد حاج -في ورقته المقدمة للندوة- إلى ما يعانيه الخطاب الدعوي في السودان من تحديات وإشكاليات ينبغي الوقوف عليها والعمل على تطويرها، ومن هذه التحديات التي أشار إليها:

* العولمة.. فمن أكبر التحديات التي تواجه الخطاب الدعوي هي العولمة وإسقاطاتها، بدءا من الفكر ومرورا بالسلوك والإعلام والسياسية، فحقيقة العولمة أنها استعمار بغير مخالب، حيث يراد بها تنميط المجتمعات وفق أسس وثقافة معينة وتعميم هذا النموذج على كل العالم، وما يترتب على ذلك من آثار سلبية في العقيدة والأخلاق والسلوك الاجتماعي وقضايا الأمة.

* التحدي الاجتماعي.. ويعد من أخطر التحديات التي تواجه الخطاب الدعوي في السودان، وذلك لتنامي التيار القبلي على حساب النسيج الاجتماعي وما يمثله ذلك من أزمات خطيرة على المجتمع السوداني.

* عدم وضوح المرجعية الشرعية وغياب التأصيل.. وهذا يترتب عليه عدد من النتائج، مثل:

- غياب ترتيب الأولويات.

- وجود خلل في تنزيل الأحكام وعدم مراعاة اختلاف الزمان والمكان.

- عدم الصبر على المجتمعات وتبني التكفير الجزافي.

- خلل في سياق الخطاب، حيث يقدم النهي عن الأمر رغم أن الأولى هو تقديم الأمر على النهي.

* عدم وضوح الأهداف لدى الدعاة.. فعندما تكون الأهداف غائبة أو غير واضحة بالنسبة لهم إما بغيابها بالكلية أو بسيطرة بعض الأهداف المرحلية على الأهداف الكلية، فإنه ينتج عن ذلك غياب التخطيط السليم والارتجال والتعامل بردود الأفعال واختزال الخطاب في أهداف جزئية أو مرحلية مع انعدام وسائل تقويم الخطاب بطريقة عملية.

* اعتماد الخطاب الدعوي على العاطفة والحماسة.. فرغم أهمية الحماسة والعاطفة في الخطاب الدعوي فإنه لا بد أن يتسم بالعمق ومخاطبة العقل والفكر، وأن يكون متزنا بين الاثنين.

* شيوع الرتابة والتقليدية وانعدام القدرة على التأثير.. فالناظر لأول وهلة يلاحظ عظم الجهد المبذول والبرامج المنفذة، لكنه يلاحظ أيضا قلة العائد.

* ضعف الاستفادة من العلوم والوسائل الحديثة.. خاصة الإنترنت والفضائيات.

* محدودية الخطاب.. وذلك في مادته، وفي جمهوره، وفي المناطق التي يمارس فيها، وفي الدعاة القائمين به.

* سطحية الخطاب في تناول مشكلات المجتمع.. فالخطاب الدعوي خال من التحليل الصحيح للوقائع والأحداث، وقاصر في ربط الظواهر السالبة في المجتمع السوداني بجذورها، ولذلك تكون المعالجات هشة وضعيفة.

حركات التنصير

ومن التحديات التي يواجهها العمل الدعوي في السودان هو التنصير، كما ينبه إلى ذلك الدكتور عبد الرحمن إسماعيل في ورقته المقدمة للندوة بعنوان "التنصير والدور المطلوب"، حيث يؤكد أن السودان واحد من الأهداف الكبيرة للمنصرين، فهم يعملون فيه مستفيدين من الظروف المعيشية الصعبة والتي هي أثر من آثار الحروب والجفاف، ومستفيدين من ضيق فرص العمل وضعف الدخل اليومي الذي لا يتناسب مع المتطلبات المعيشية اليومية.

وتنتظم حركة التنصير كل السودان بمختلف ولاياته وقبائله بطرق مختلفة، منها ما هو مباشر عبر المنظمات والجمعيات الأجنبية، ومنها ما يأتي عبر وسائل الإعلام المختلفة لإضعاف روح التدين في المسلم.

ويضع دكتور عبد الرحمن بعض المقترحات لمواجهة هذا التحدي، منها:

* الاهتمام بالمراكز الاجتماعية وتعزيز دورها الوقائي، وذلك على النحو التالي:

- الاهتمام بأندية الشباب.

- توفير سكنى الطلاب مع توفير البرامج التربوية والثقافية المصاحبة.

- إنشاء المكتبات الإسلامية وتهيئتها للقراء والباحثين، وجعلها دورا لإثراء الفكر الإسلامي ورفع مستوى الوعي لدى المثقفين.

* تنظيم المراكز الصيفية لاستيعاب طلاب المدارس خلال العطلات المدرسية، وتعميم هذه الفكرة لتسع تلاميذ القرى.

* إنشاء إذاعات متخصصة وتوجيه الإذاعات القائمة.

* إحياء الدروس الشرعية في البيوت.

* طباعة العلوم الإسلامية بلغات ولهجات متنوعة.

* تعميم فكرة دور المؤمنات، خاصة في القرى والأرياف البعيدة، وتطويرها لتعمل على تفريخ مصلحات يقمن بعمليات الإصلاح والإرشاد.

* إنشاء وتطوير المعاهد الدينية لتغطي العلوم الدينية والمدنية مع التركيز على اللغات، خاصة اللغة العربية والإنجليزية والفرنسية.

* الاهتمام برياض الأطفال كمؤسسات تربوية.

* الاهتمام بحفظ القرآن من خلال نشر مراكز تحفيظ القرآن.

* إنشاء وحدات لمتابعة العمل الكنسي.

التمويل الدعوي

ومن جانبه رصد الباحث السوداني محيي الدين علي -في ورقته المقدمة إلى ندوة "قضايا الإسلام في السودان" بعنوان "مشكلات التمويل الدعوي"- بعض المشكلات المالية التي يعاني منها العمل الدعوي في السودان، خاصة بعد أحداث سبتمبر 2001، والتي لخصها في النقاط التالية:

* عرقلة التحويلات المالية، وتعدد أشكال ذلك إما بالمحاصرة المالية أو إعاقة توصيل التحويلات المالية إلى مشاريع العمل في الخارج.

* تجميد الأرصدة بدعوى تجفيف المنابع المالية للإرهاب.

* فرض تشريعات وإقرار لوائح مقيدة لحركة العمل الدعوي في بعض الدول لمنع إيصال المساعدات إلى السودان بفعل الضغوط الخارجية.

* مصادرة بعض قنوات جمع المال، ووضع قيود شديدة على آليات جمع التبرعات كجزء من سيناريو الحملة ضد العمل الخيري.

ثم وضع محيي الدين بعض الآليات التي يمكن من خلالها مواجهة هذا التحدي، ومنها:

* تفعيل الوقف الجماهيري لصالح الدعوة.

* وضع سياسة علمية لنشر ثقافة الوقف والإنفاق خاصة في مجال الدعوة إلى الله.

* عقد المزيد من الاتفاقيات التمويلية مع المؤسسات الاقتصادية العالمية.

* إنشاء صندوق وقفي قومي لتمويل النشاط الدعوي.

* التنسيق بين المؤسسات الدعوية في الأنشطة والبرامج حتى يتجنب التكرار، وبالتالي تقل التكلفة.

تحديات وعوائق

ويجمل الباحث السوداني محيي الدين علي التحديات والعوائق التي تواجه العمل الدعوي بشكل عام في السودان في:

* النقص الحاد في الطاقات الدعوية المتخصصة والمتدربة والمؤهلة، والتي تجمع بين المعرفة الشرعية والعلم، وبين المعرفة واللغات الأجنبية.

* الفرقة وعدم توحد الصف والأهداف بين المنظمات والمؤسسات والجماعات الدعوية.

* عدم مواكبة التطور العلمي والثورات التقنية الحديثة، فالغرب يحارب الدعوة الإسلامية بأسلحته وأساليبه وهو جالس في بلده.

* عدم وجود كليات ومراكز أو أقسام في الكليات والجامعات الإسلامية لدراسة علوم أهل الكتاب "النصرانية واليهودية" والتعرف عليها.

* انتشار الفتاوى والقنوات الإسلامية المتضاربة باختلاف مذاهبها الدينية.

* قلة وجود المساجد والخلاوى النموذجية، والتي ينبغي أن يتعدى دورها أداء الفرائض وتعليم القرآن الكريم، إلى صياغة الشخصية المسلمة وربطها بعلوم العصر الحديثة.

* نشر الدعوة في مناطق الضعف الديني في السودان "الجنوب، جبال النوبة، جبال الإنقسا"، وما يجده الدعاة في هذه المناطق من تيار شرس مضاد يمثل النصرانية والعلمانية بجبروتها وإمكانياتها الضخمة.

* مناطق الصراعات والنزاعات المسلحة حديثا "دارفور الكبرى".

* محو الأمية الدينية وسط المجتمع المسلم على امتداد القطر.

* التصدي للشبهات حول الإسلام.

* تراجع أداء الجامعات الشرعية كجامعة أم درمان الإسلامية، حيث ألحقت بها كليات للعلوم التطبيقية مما أثر سلبا على رسالتها وصرف الاهتمام عنها كواحدة من أهم روافد تأهيل الدعاة ليس على نطاق القطر فحسب، بل على نطاق العالم.

معالم المستقبل

وبدوره يرسم الدكتور أزهري التجاني وزير الإرشاد والأوقاف السوداني -في ورقته المقدمة للندوة بعنوان "الأفق المستقبلي للدعوة الإسلامية في السودان"- الملامح المستقبلية للعمل الدعوي في السودان لتجاوز هذه التحديات، ويمكن إجمال هذه الملامح في:

البناء المعرفي والتكوين الداخلي:

لا بد لنهضة الدعوة الإسلامية في دورة جديدة من أن يكون رائدها الأول هو اجتهاد معرفي كثيف، وجهد يصوب نحو التكوين الداخلي وبناء النظم والأطر البشرية.

ومن أجل الاجتهاد المعرفي والتكوين الداخلي يمكن طرح الخطوط التالية:

أولا: استلهام التراث وإعادة كتابة علوم الدعوة وفقهها في إطار تحديات العصر وعلوم العصر ولغته.

ثانيا: إجراء مراجعات في الفكر الإسلامي والثقافة الإسلامية تبرز رسالة الإسلام الأصلية كما جاء بها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وهي إعمار الحياة الدنيا وربطها بالآخرة.

ثالثا: لا بد من تجويد اللغة العربية وتجديد معاهدها ومراكزها وتطوير بحوثها، والعمل على إنشاء المؤسسات المتخصصة في نشرها وتقديمها للشباب في قوالب محببة وجاذبة.

رابعا: الأدب والشعر والفنون بشتى ضروبها هي أدوات ممتازة لا بد لأفق الدعوة المستقبلي أن يخطط لتوظيفها في خدمة الدعوة.

خامسا: العناية ببناء القدرات البشرية والمادية والمؤسسية.

سادسا: إصلاح وتطوير النظم التعليمية.

سابعا: مخاطبة التخلف المعرفي والجهل والأمية.

ثامنا: العناية بالنشر والمطبوعات والنشر الإلكتروني.

تاسعا: يحتاج أفق الدعوة إلى جهد جماعي في تأسيس المؤسسات الإعلامية التي تتكامل فيها الجهود المعرفية وتتناصر الإمكانات المادية والبشرية، وتتميز برسالة جيدة التصميم والعرض والقدرة على النفاذ والتأثير.

تأسيس النهضة الاقتصادية والاجتماعية على مبادئ الإسلام:

الدعوة الإسلامية مشروع تنموي نهضوي بكل ما تحمل هذه المضامين من معان، فالقرآن حافل بالنصوص التي تنظم المعاملات المالية والاقتصادية وقواعد التجارة والزراعة وقواعد الحكم والسياسة ومبادئ الدولة والجيش والحرب والسلم، والقرآن حافل كذلك بالنصوص التي تعنى بحركة المجتمع ومعاشه وقيمه في التزاوج والسكن والجوار والدين والتقاضي، والعدالة الاجتماعية، وإذا تتبعنا القرآن وجدنا قواعد لبنية اجتماعية واقتصادية مكتملة.

وأبرز قضايا هذه الناحية من الخطاب الدعوي النهضوي:

أولا: التصدي لقضية التخلف الاجتماعي في المجتمعات الإسلامية.

ثانيا: معالجة الفقر وتقليل حدة وقعه على الناس، من خلال وضع الإستراتيجيات وتدريب الأطر البشرية وإنشاء المنظمات والبرامج، ومخاطبة أصحاب الأموال من المسلمين.

ثالثا: لا بد أن يتسع أفق الدعوة الإسلامية المستقبلي في السودان إلى العناية بقضية الاقتصاد والتنمية الاقتصادية الشاملة.

رابعا: الخطاب الدعوي من خلال تقديم الخدمة الاجتماعية المتكاملة.

الخطاب الدعوي المستقبلي والإصلاح السياسي:

الخطاب الدعوي في أفقه المستقبلي لا يستطيع أن يتجاهل هذا الجانب الحيوي، ومن أبرز ما يحتاج الأفق المستقبلي للدعوة الإسلامية إلى بلورته في هذا الجانب هو:

أولا: يحتاج الخطاب الدعوي الإسلامي إلى أن يقدم أنموذج الدولة المسلمة المدنية القادرة على الاستجابة لاحتياجات مجتمع داخلي متعدد الأديان والمشارب الثقافية، والقادرة على العيش في مجتمع دولي متعدد المذاهب.

ثانيا: لا بد للخطاب الدعوي الإسلامي أن يبلور رؤية واضحة ومفهوما موجبا في التعاطي مع قضية الحرية، بما يؤهل ويدفع المجتمع المسلم نحو النهضة والثراء الفكري والقيمي.

ثالثا: ينبغي أن يبلور الخطاب الدعوي في أفق المستقبل الفكر الذي يعزز قيمة العدل.

رابعا: تتجاور مع مفهوم الحرية مفاهيم الشورى والديمقراطية، والخطاب الدعوي للمستقبل لا بد له من بلورة فكر دعوي تربوي يغذي قيمة الشورى في النشء والمجتمع، ويضغط بقوة لضبط الممارسة في المؤسسات السياسية والاجتماعية ويلزمها بالشورى.

________________________________________

محرر صفحة الاستشارات الدعوية بشبكة إسلام أون لاين. نت.

نشر بموقع اسلام اون لاين



تعليق

الاسم
البريد الالكتروني
التعليق


اضافة تعليق
الاسم :
البريد الالكتروني :
التعليق :
رمز التحقق