| تزكية وتعليم ودعوة>> |
| 2010-05-02 | نحـو مدخـل دعـوي لحـل مشكلة جنـوب السـودان | |
| ممدوح الشيخ | ||
|
تعد مشكلة جنوب السودان واحدة من أعقد المشكلات العربية وأخطرها، فبسبب الأهمية الإستراتيجية لموقع السودان على البحر الأحمر وعلى امتداد مجرى النيل وبالقرب من القرن الإفريقي متحكمة في بوابة الاتصال الجغرافي بين الوجود العربي الإسلامي في شمال أفريقيا وبين قلب أفريقيا، يعد استقرارها والحفاظ على هويتها ضماناً لأمن العالم العربي وقسم كبير من العالم الإسلامي، ومشكلة جنوب السودان من ناحية أخرى نموذج للمشكلات التي تثيرها قضايا الهوية، فالبعد الديني حاضر فيها في نشأتها ومسارها بشكل جلي• هل التعدد عبء؟ ولفهم المشكلة السودانية ثمة مداخل عديدة لعل أهمها التكوين التعددي الذي تتميز به، فالسودان دولة قارة إذ تتجاوز مساحتها 2.5 مليون كيلو متر مربع، وتضم هذه المساحة الشاسعة تركيبات تعددية كثيرة، فمن الناحية القبلية هناك أكثر من ستمئة قبيلة، كذلك هناك التنوع العرقي: ـ النيلية• ـ الحامية• ـ الزنجية• والتنوع اللغوي: ـ العربية• ـ الإنكليزية• ـ اللهجات القبلية• حيث يوجد أكثر من 110 أنواع بين لغة ولهجة محلية، وفي الجنوب وحده 35 لغة ولهجة• أما من ناحية التنوع الديني: فيتركز المسلمون في الشمال، وهم يمثلون 70% من إجمالي السكان، أما في الجنوب فإن: 17% من السكان مسلمون• و17% من السكان نصارى• و65% من السكان وثنيون ولا دينيون• وقد استغلت جهات عديدة حال عدم الاستقرار وتدني كفاءة الدولة التي سادت خلال نصف القرن الماضي للعب على وتر الاختلافات وعمدت حركة التمرد لأسباب عديدة لإضفاء صبغة دينية مسيحية على خطابها لتعزز إحساس المواطنين في الجنوب بالاختلاف عن الشماليين، وسهل هذا لها الحصول على دعم مؤسسات كنسية غربية تملك قدرات كبيرة على التأثير دولياً• وحدث هذا في غياب الجهود الدعوية الإسلامية التي كان يمكن أن تسهم في تغيير الحقائق بشكل يساعد على تقليل فرص انفصال الجنوب، صحيح أن هذا العامل لم يكن قادراً وحده على الحسم لكنه كان قادراً على تضييق الثغرة على نحو ملموس• وعندما قام جون جارانج بقيادة الفرقة 115 معلناً تمرده، كان ذلك في أبريل العام 1983م، أي قبل أن يعلن النميري تطبيق الشريعة الإسلامية في السودان بسبعة أشهر، وبعد سنوات من الدعم السياسي والكنسي السخي قام بابا الفاتيكان بزيارة رسمية للسودان في فبراير من العام 1993م، وكان أهم ما أعلنه قوله: بصفتي خليفة القديس بطرس الذي جعله السيد المسيح رأساً على كنيسته، فمن اللازم أن أشجع وأثبت الإيمان في إخوتي وأخواتي أينما كانوا، ولا سيما عندما يقتضي الإيمان شجاعة كبيرة وقوة للصمود، وعندما يكون الشعب ضعيفاً وفقيراً ولا حامي له، يجب أن أرفع صوتي لأتكلم باسمه• وفي تلك الزيارة استمع البابا إلى رئيس الأساقفة غبريال زبير واكو الذي قال: إننا لا نريد أن نتعمق في المتاعب والمشاق التي مررنا بها خلال السنوات الأخيرة، فهؤلاء الرجال والنساء وخاصة الكهنة والرهبان والراهبات والمبشرين، وقد تحملوا حقيقة حرارة اليوم، ويقفون في احتياج للتشجيع، لقد مرت فترة شعرنا فيها بانعدام الأمل، وفقدان القدرة، إن هذا البلد لا يعرف المسيح جيداً، هؤلاء الكهنة والرهبان والراهبات قد حملوا صليبهم مع المسيح بشجاعة لا متناهية وثبات عجيب، وإن المبشرين يستحقون تقديراً خاصاً منَّا، إنهم الصفوف الأمامية من الرجال والنساء للإنجيل، إنهم الناس الذين يجهزون الأرض للزرع.• حرب الهوية
ولتحقيق الأغراض السياسية تلجأ النخب السياسية غالباً عند إدارتها صراعات الهوية لتأكيد الاختلاف والإلحاح عليه وصناعته إن لم يكن موجوداً، لبلورة هوية وطنية أو قومية مختلفة تكون مرتكزاً للانفصال عن المحيط الذي توجد فيه، وقد لفت نظر المحللين عند انفصال تيمور الشرقية عن إندونيسيا أنها على المستوى الاقتصادي لا تملك مؤهلات الدولة، ورغم ذلك فإن ما شغل النخبة السياسية التي تحمل لقب أفقر دولة في العالم لم تتجه لامتلاك مؤهلات الاستقلال الاقتصادي، بل أولت اهتمامها الأكبر لبناء الهوية، كما أن المشابهة بينها وبين مشكلة جنوب السودان كبيرة، حيث لعبت الكنيسة الكاثوليكية المحلية والفاتيكان معاً دوراً كبيراً في انفصال تيمور الشرقية حتى وصف الصراع عليها بأنه صراع الجنرالات والقساوسة، ولعب التبشير دوراً كبيراً في خلق الأرضية السكانية المناسبة لقبول فكرة الانفصال والارتباط بالغرب واستثارة المشاعر الدينية للسكان•
وبعد أن لعب الدين دوراً في بناء حواجز بين سكان تيمور الشرقية وبين إندونيسيا، بدأت ما تسمى نخبة التحرر الوطني التيمورية تغذي مفهوم الاختلاف بقوة، ففي مايو 2002م، اختارت تيمور الشرقية ـ ضمن مساعيها لخلق هوية خاصة بها تميزها عن إندونيسيا ـ اللغة البرتغالية لكي تكون لغة التعليم في المدارس والجامعات، ولكي تعطي للأمر مسحة من القداسية سمتها لغة الثورة• وتعكس مثل هذه القرارات اندفاعاً عاطفياً غالباً تكون له آثار مدمرة فالمفاضلة بين البدائل المتاحة لم تأخذ شكلاً موضوعياً، بل استندت لمبررات عاطفية متشنجة، فللبرتغالية عند قادة الثورة التيمورية الوليدة وهو تعبير فيه تجاوز شديد مغزى آخر، فقد كان المتمردون التيموريون يتحدثون البرتغالية لتجنب الجواسيس!! أما قائدهم الذي أصبح أول رئيس لأفقر دولة في العالم بعد نجاح تمرده زانانا غوسماو وهو شاعر أيضاً ـ فهو مولع بالبرتغالية!! وبعيداً عن الاعتبارات العملية التي لم يؤخذ أي منها في الاعتبار، فإن هجر اللغة الإندونيسية بوصفها لغة المستعمر لم يكن ليبرر فرض البرتغالية بقرار فوقي لأنها هي الأخرى لغة مستعمر أقدم!!•
وفي الإطار نفسه قرر الرئيس الإريتيري أسياس أفورقي أخيراً فك ارتباط الكنيسة الأرثوذكسية في إيتيريا عن مرجعيتها البابوية في إثيوبيا التي ارتبطت بها منذ عشرات السنين، وقرر إلحاقها بالكنيسة الأرثوذكسية في الإسكندرية الأمر الذي ساعد في تزايد المعارضة في صفوف نصارى إريتيريا إثر تضرر مصالحهم بعد فك ارتباط الكنيسة الإريتيرية عن مرجعيتها في إثيوبيا وإلحاقها بالكنيسة الأرثوذكسية بالإسكندرية، ورغم أن الكنيستين يتبعان مذهباً واحداً إلا أن القرار واحد من تجليات حرب الهوية التي تجعل بعض النخب تعتقد أن دورها هو تعزيز الإحساس لدى مواطنيهم بالاختلاف عن الآخرين وهو دور خطير وينطوي في الملف السوداني على تفاصيل أخطر•
صناعة الصور النمطية ومن هذه التفاصيل أن هناك صورة نمطية يتم تسويقها إعلامياً وسياسياً للمواطن السوداني الجنوبي باعتباره ضحية أبدية، ولا جدال في أنه تعرض لظلم وإهمال فكان ضحية مظلومة أيام تجارة الرقيق، وكان ضحية للتنمية غير المتوازنة، وهو الآن ضحية للعنف، لكن الأخطر هو أن المثقفين الذين يرفعون شعار إنصاف الجنوبيين< والتخلص مما يسمى الهيمنة الشمالية ليسوا مفاتيح تحرر حقيقي، بل يهدفون في واقع الأمر إلى استبدال هيمنة بأخرى على النسق التيموري، بحيث يظل المواطنون البسطاء ضحايا مسلوبي الهوية حتى عندما يتصورون أنهم انتصروا.• فمع الإقرار بوجود استثناءات نادرة ـ والشهادة هي للكاتب السوداني الدكتور منصور خالد ـ فإن القادة الجنوبيين هم من الذين احتضنهم المبشرون الدهاة، بل انتزعوهم قسراً من أسرهم في حالة أبناء زعماء القبائل والأسر ذات النفوذ، وأزالوا هويتهم الإفريقية الأصيلة حتى صاروا يخجلون من لغاتهم الثرية ويفضلون عليها الإنجليزية، ويخجلون من أديان وتقاليد آبائهم وأجدادهم لئلا يتهموا بأن إيمانهم المسيحي المكتسب ناقص أو سطحي، وهكذا فإن ما يربطهم فعلياً بهوية المواطن الجنوبي البسيط ليس أكثر من خيط واه فدينهم غير دينه ولغتهم غير لغته وقيمهم ـ بالتالي ـ تختلف إلى حد كبير عن قيمه، ولو آلت إليهم الأمور، فالاحتمال الراجح أن يستبدلوا ما يعتبرونه >طغيان اللغة العربية بسيادة للغة الإنجليزية على حساب اللغات المحلية.• واللعبة قديمة عمرها من عمر الاستعمار البريطاني الذي تدثر بدثار مسيحي كثيف وتعمد عزل الجنوب عن الشمال وحظر الهجرات والتلاقح حتى بلغ به الأمر منع لبس الجلباب الشمالي في الجنوب، كما أنه أغلق الباب أمام التعليم الرسمي في الجنوب وفتحه للمبشرين من كل نحلة فأنشأوا المدارس، وبلغ الشطط بالمبشرين أنهم كانوا يشترطون على الجنوبي أن يغير اسمه إلى اسم مسيحي قبل أن يلج باب المدرسة، وهو نفسه الدور الذي تلعبه نخبة التمرد لتكريس الإحساس بالاختلاف، ولا مدرسة غير مدرسة المبشِّر، والجنوبي إنسان راغب في التعلم شأنه في ذلك شأن الجميع•
الثقافة قبل السياسة ورغم الحملات الضخمة التي تستهدف العروبة والإسلام في السودان، فإن العروبة فيه ممتدة وتفاخر بأنها لم تدخل غازية حتى أن أفراد قبائل الجنوب الكثيرة ذات اللغات غير المكتوبة لا يتخاطبون إلا بلغة مشتركة واحدة هي هجين عربي ـ أفريقي اسمه عربي جوبا، هذه لغة الغالبية غير المتعلمة، أما الأقلية الضئيلة المتعلمة فتتحادث بالإنكليزية• هناك مجال ومتسع للدور العربي الذي ينبغي أن يكون في المقام الأول دوراً ثقافياً ودعوياً فلا يمكن أبداً قبول واقع أن تكون الحركات التنصيرية أكثر عدداً وأكثر نشاطاً بين الجنوبيين، وبينهم 56% وثنيون، ووحدة السودان تتعزز أولاً بقبول التعددية والعمل الجاد على زيادة نسبة المسلمين بين سكان الجنوب، من المؤكد أن منح البعثات التنصيرية حق العمل في الجنوب يعني في المقابل حرية النشاط الدعوي الإسلامي، وكل زيادة في نسبة مسلمي الجنوب هي بالضرورة رصيد لانتماء السودان لعالمها العربي الإسلامي، فإذا كانت الجهود السياسية الرسمية قد أعاقتها تقاطعات المصالح، فإن العمل الدعوي يظل فرضاً شرعياً ويبقى السودان فرصة ممتازة ينبغي اغتنامها قبل أن يتمزق ويقطع شريان تاريخي للتواصل بين المسلمين في شمال القارة وجنوبها• ـــــــــــــــــــــــــــ
المراجع
1 ـ قضايا حساسة في مفاوضات السلام السودانية >الحلقة السادسة<، المعاطف أفريقية والخناجر غربية والمدافعون عن العروبة أيتام على مائدة اللئام ـ مقال ـ نزار ضو النعيم (31/8/2002م) جريدة الحياة اللندنية• 2 ـ الوجود النصراني في السودان ـ دراسة ميدانية ـ إعداد: محمود صالح ـ مجلة البيان ـ لندن ـ العدد 155 ـ رجب 1421هـ ـ أكتوبر 2000م• 3 ـ السودانيون الجنوبيون••• والانتفاضة الفلسطينية ـ مقال ـ د•خالد المبارك ـ جريدة الرأي العام السوداني ـ 8/4/2002م• مجلة الوعي الإسلامي ـ العدد رقم: 530 نوفمبر 2009م |
||
|
تعليق |
|
| الاسم | |
| البريد الالكتروني | |
| التعليق | |
