|
التربية الحضارية في القرآن الكريم
د.أحمد بن معمّر شرشال
سورة «لقمان» نموذجًا تمثيليًّا
يقصد بالتربية الحضارية تلك الإجراءات والتدابير المتخذة من أجل بناء شخصية الإنسان العاقل المنفتح على الذات والعالم والثقافة بشكل حضاري ناضج، يرتقي على نحو متكامل بجوانبه الخلقية والوجدانية والعقلية والجسمانية، ويحرره من سيطرة الشهوات والطبيعة والانفعالات السلبية الهائجة، من أجل تمكينه من أداء دوره الريادي المنشود منه حيال مجتمعه، والعمل الواعي للارتقاء به نحو حياة أفضل تحقق إنسانية الإنسان ورقيه الوجداني والروحي والحياتي معا، باعتبار أن الإنسان - وفق هذا التصور- هو منطلق الحضارة وغايتها في آن واحد.
ويعد هذا النمط الحديث من التربية أهم الأنماط التربوية التي دارت حولها النظريات والفلسفات التربوية المعاصرة، وباتت أهميته على جانب كبير من الحساسية والخطورة في الحقل التربوي المعاصر للمجتمعات الإنسانية التي قطعت شوطا كبيرا في الرقي الحضاري والمعرفي، ذلك لأن هذا النمط يتأسس على جانبين متكاملين متداخلين يشكلان معا أساسا لا غنى عنه في بناء الشخصية الحضارية المنشودة للأبناء، تتمع بالتأصيل الأخلاقي والمعرفي والاجتماعي، بالإضافة إلى التوجه العقلاني العلمي المنتج، وهذان الجانبان هما:
1- الجانب الروحاني المعرفي، بما يشمله من جملة القيم الأخلاقية والوجدانية ومنظومة المعارف العقلية والمبادئ الفكرية التي تحرك الشخصية الإنسانية ضمن محيطها الحيوي تحريكا فعالا قائما على النفع المتبادل، وتضمن دوام التلاؤم الإيجابي مع الطبيعة المتجددة والمتغيرة للحضارة الإنسانية.
2- الجانب السلوكي، بما يشمله من جملة السلوكات والتصرفات التي تحكم أسلوب الأداء الفاعل والمنتج للشخصية الإنسانية في محيطها الحيوي، ويحدد مجموعة الطرائق والأساليب العملية التي تضمن حسن التعامل مع الذات والعالم من منظور حضاري قائم على الغنى والنفع والسمو.
التربية الحضارية في القرآن الكريم
إن الإنسان العاقل الناضج في تفكيره وآليات سلوكه، يشكل محور الخطاب القرآني الشريف من حيث الرقي بمنظومته الفكرية، وقيمه الخلقية، والسمو بجوانبه الروحانية والوجدانية، وضبط جملة الانفعالات والسلوكات التي تحكمه في محيطة الحيوي والحياتي معا، بما يحقق له التطور والتعايش النافع والبناء مع بني جنسه وسائر مخلوقات الله تعالى، وصولا لتحقيق ذاته العارفة العابدة بأبعادها الخلقية والروحية والاجتماعية والحياتية كلها، كأساس لابد منه للوصول إلى معرفة الله سبحانه وتعالى وعبادته وتوحيده وتنزيهه عن الشك والشرك.
وإذا كان هذا هو جوهر التربية الحضارية المعاصرة، فإن هذا الجوهر لم يكن بعيدا عن محور القرآن الكريم في خطابه الشريف، بل لقد كانت التربية الحضارية ذاتها حقيقة تسكن جوهر الخطاب القرآني الشريف وتختزن مقولاتها الأخلاقية والمعرفية والإنسانية السامية لأن الخطاب القرآني الشريف كان يهدف في جملة ما يهدف إلى بناء الإنسان الراقي في خلقه ومعرفته وتصرفاته، وحسن علاقته بالإنسان والمجتمع والثقافة، من أجل إنتاج الحضارة الإنسانية المتجددة المنشودة، التي تضمن إنسانية الإنسان الآمن المنتج الناضج في وعيه وعلاقاته بالأشياء.
والحقيقة أن نظرة علمية متأنية نسلطها على الخطاب الشريف بعد تمثل المقولات الفكرية والتربوية والفلسفية للتربية الحضارية وأسلوب تعاطيها مع تربية الأبناء تجلو لنا بوضوح لا لبس فيه حقيقة مفادها أن التربية الحضارية تتبدى على نحو واسع في الخطاب القرآني كله من خلال مجموعة من الحوارات والقصص التي تتوزع في رحاب الذكر الشريف، ولعلنا نستطيع أن نتخذ من سورة لقمان الحكيم (عليه السلام) نموذجا تمثيليا يبين صحة ما نقول، ولا سيما الجزء الذي يخاطب فيه لقمان الحكيم (عليه السلام) ابنه واعظا.
في الحقيقة إننا نستطيع- على حد كبير- أن نعتبر سورة «لقمان» سورة تربوية بامتياز، قبل أن تكون شيئا آخر، ذلك لأنها تصدت لتربية الإنسان الواعي المؤمن المنفتح على الذات والعالم والثقافة والمجتمع والحضارة والإله من منظور حضاري رائد للمعاني الحضارية الراقية التي تضمها هذه السورة الشريفة.
والواقع أن نظرة متأنية نسلطها على الخطاب الفكري والثقافي والتربوي الذي تجسده هذه السورة، لاسيما المشهد الحواري الذي يجمع سيدنا لقمان عليه السلام مع ابنه وهو يعظه، تمكننا من أن نتمثل المنظور الحضاري التربوي في القرآن الكريم من خلال سباقات معرفية وجوانب توعوية تمتزج فيها الأبعاد الوجدانية والمعرفية والأخلاقية والنفسية والمهارية امتزاجا حضاريا لافتا للنظر، ولعل أبرز هذه السياقات:
1- تربية العلاقة الحضارية الناضجة التي تربط الإنسان بالخالق على أساس من الوعي والمعرفة:
ينفتح المشهد القرآني الحواري على شخصيتين رئيستين هما «لقمان الحكيم» وابنه، ونظرا لأن شخصية لقمان الحكيم تمثل الشخصية الرئيسة في هذا الحوار، والتي تنطلق منها العملية التربوية الحضارية فإن القرآن الكريم قد أحسن بناءها من كل الجوانب الخلقية والفكرية والتربوية والإيمانية، وذلك من خلال ربطها بـ «الحكمة الإلهية» المقبلة من الله سبحانه وتعالى، يقول عز وجل: {ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد} (لقمان:12)، وهذا معناه أن شخصية «لقمان الحكيم» تختزن المعرفة الصافية القادمة من الله سبحانه وتعالى، فلا يكدرها الشك ولا الخطأ المعرفي، وبالتالي تنطوي على الفلسفة التربوية الحضارية التي ترتقي بالإنسان نحو مستويات سامية من الرقي المعرفي والأخلاقي، وهي بذلك تمثل النموذج المحتذى في الأداء التربوي المنشود.
ولعل بناء شخصية «لقمان الحكيم» على هذا النحو من الرقي المعرفي القائم على «الحكمة الإلهية» القادمة من الله سبحانه وتعالى، يشكل الأساس الموضوعي لكل مقولات التربية الحضارية القائمة على الوعي الحضاري الراقي بكل أبعاده، ومن الملاحظ أن توعية الجيل المتلقي (يمثله ابن لقمان هنا) بأهمية العلاقة الحضارية الناضجة التي تربط الإنسان بالخالق على أساس من الوعي والمعرفة تمثل أهم مقولات التربية الحضارية في القرآن الكريم، لذلك تقع في المقام الأول في بداية المشهد الحواري، وتقوم أساسا على حسن العبادة المتمثل في الشكر، فالشكر ينطوي على اعتقاد التوحيد والإيمان {وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم} (لقمان:13)، فالعلاقة القائمة بين الخالق (الله) والمخلوق (الإنسان) تقضي أن يشكر المخلوق الخالق لأنه خلقه ولم يكن شيئا، وخلق له سبل الحياة الكريمة، وجعل بين يديه النعم التي لا تعد ولا تحصى، بعد ذلك يقر له بالتوحيد وعدم الشرك، وبهذا ترتقي العلاقة إلى درجات عليا من النضج والسمو الذي ينعكس تلقائىا في جملة السلوكات والتصرفات التي تحكم السلوك الإنساني المنشود للمخلوق، على اعتبار أن «رأس الحكمة مخافة الله»، وهكذا يتحول التوحيد الواعي، إلى أرضية صلبة للفلسفة التربوية الحضارية الراقية، تقوم عليها كل المبادئ والأخلاقيات الإنسانية السامية، فالجيل التربوي هنا يرتقي بسلوكه وفكره لأنه يشعر بالقوة الغيبية الخيرة المطلقة (الله) ترقبه، وعليه أن يسعى في سبيل الإقرار لها بالتوحيد والعمل التلقائي لتجسيد الشكر والإيمان.
إذن فالعلاقة الحضارية الناضجة التي تجمع المخلوق بالخالق تسمو بجوانب الشخصية الإنسانية كلها للمخلوق، نحو مزيد من الوعي والمعرفة من جهة، ومن جهة أخرى تعمل على حفر ملكات الإبداع بكل جوانبه الحياتية والحضارية كلها، وهنا لابد من التذكير بتأكيد الباحثين النفسيين علي أن النسبة الكبرى من المنحرفين سلوكيا واجتماعيا ودينيا إنما ينتمون إلى الفئة التي تعاني فراغا روحيا قاتلا، وما توجه مجموعة من الشباب نحو عبادة الشيطان إلا تعبيرا نفسيا ووجدانيا عن هذا الفراغ، وهم أنفسهم يشكلون طاقة إنسانية مهدرة مفرغة من دورها المنشود في بناء الحضارة الحديثة والسعي لمواكبة تطلعاتها، إذن فإحساس الجيل التربوي بالخالق ووجوده في الذات الإنسانية والوجدان المعرفي هو بالضبط الذي يخلق الشعور بالأمن النفسي والاجتماعي، ويحفز ملكات الإبداع في الذات الإنسانية، وهذا أس الأسس في التربية الإنسانية على الإطلاق.
ويعد ربط الآثار الإيجابية للشكر بالنفع الذاتي قيمة تربوية عظيمة، فهي من جانب تؤكد تفرد الله عز وجل وتنزهه عن الانتفاع من الآخر، فهو الغني الحميد الذي لا تنفعه عبادة العابدين شيئا، ولا يضره جحود الجاحدين شيئا، ويخلق في النفس الإنسانية هاجس الجد والنشاط الذاتي البناء، لأن النفس الانسانية مفطورة على محبة الذات والعمل على تطورها ورقيها، فهو يشحذ كل القدرات والامكانات نحو التطور المتنامي مع الحياة المتطورة المتجددة، وعندما يدرك الإنسان من الجيل التربوي أن نتيجة سعيه الخاص تصب في صالحه الخاص سوف يستغل كل الطاقات المادية والمعنوية في سبيل بناء حضارته ومجده، وهذا يتلاءم من حيث المبدأ مع التأكيد على أهمية العنصر الذاتي والمبادرة الفردية في حفز النشاط الإنساني في التربية الحضارية المعاصرة، فما يجد الإنسان في تحصيله يحصد نتيجته رقيا في نفسه هو، واغناء لنفسه هو، دون غيره من سائر الأشياء.
والحقيقة أن ربط هذا المبدأ التربوي الحضاري (ربط الآثار الإيجابية للتحصيل بالبعد الذاتي الشخصي) بالمشروع المعرفي والتوعوي ينطوي على أهمية كبرى لأنه يفتح المجال واسعا أمام القدرات والإمكانات العقلية والوجدانية والانفعالية والجسمية للتحرك والإبداع النشط، لاسيما وأن هذه الأجيال تعيش الحضارة المعاصرة المفتوحة بكل وسائطها وتقنياتها.
2- تربية العلاقة الحضارية الناضجة التي تربط الإنسان بأسرته على أساس التآلف:
بعد أن وضع الذكر القرآني الأرضية الصلبة لانطلاق فلسفة التربية الحضارية، يقوم بتوسيع دائرة الرؤية، فيقدم النموذج الأمثل لتربية العلاقة الحضارية الناضجة التي تجمع الإنسان بأسرته، على اعتبار أن الأسرة هي الخلية الأساسية الأولى في المجتمع، وصلاح المجتمع مقرون بصلاحها، وكلما كان المنظور التربوي للعلاقة التي تجمع الإنسان بأسرته حضاريا ناضجا انعكس بالرقي الحياتي والاجتماعي والانتاجي على المجتمع ككل.
وإذا كان الوالدان يشكلان الأصل الذي تتفرع عنه الأسرة الإنسانية، فإن الذكر القرآني يدرك على جانب راق أهمية أن يتربى الجيل المنشود على علاقة حضارية أصيلة تجمعه مع هذا الأصل، لذلك يرسم المشهد القرآني ملامح هذه العلاقة الناضجة من خلال إلقاء مفهوم الوصية الإلهية على الجيل التربوي، والتي توصي بحسن العلاقة ورقيها مع الوالدين {ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير. وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إليّ ثم إليّ مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون} (لقمان :14-15).
من الواضح ان الخطاب القرآني يربي العلاقة الحضارية التي تجمع الإنسان مع أسرته من خلال التركيز على المحاور الأساسية التالية:
أ- إن إقامة حياة راقية ناضجة مع الوالدين، قائمة على دوام شكرهما والثناء عليهما ومصاحبتهما بالإحسان والمعروف تمثل وصية إلهية أساسية لا يمكن للأسرة الإنسانية السليمة أن تتجاوزها أبدا، كما لا يمكن لأي منظور تربوي حديث أن يتغافل عن لزوم الانطلاق منها في سبيل الحصول على علاقات أسرية تتصف بالاحترام والهدوء الفاعل، والإنتاج المثمر، ولذلك يعزو كثير من الباحثين المعاصرين الصراع الأسري السلبي، والفشل الهدام في العلاقات الأسرية، الى غياب هذا النوع من العلاقة في أذهان الأبناء، وفقدانه في سلوكاتهم اليومية مع ذويهم، مما يؤدي إلى سقوط الأبناء في مهاوي العقوق والرذيلة، والبعد عن السلوك الحضاري النافع والمثمر.
ب- فصل مبدأ «إقامة العلاقة الإنسانية الراقية مع الوالدين» عن قضية الاختلافات المتعددة التي يمكن أن تحصل بين الأجيال، فهذا المبدأ يشكل وصية إلهية كما ذكرنا، لا يمكن تجاوزها، والخطاب القرآني يلزم الإنسان بها مهما بلغت درجة اختلافاته مع والديه، بل لو كان الوالدان على النقيض الفكري والعقدي، فالإنسان مدعو- وفق التربية الحضارية للقرآن- إلى عدم مجاراتهما فيما يخص الإخلال بأركان العقيدة، وذلك بأسلوب راقٍ، فهو يرفض بأدب- دعوتهما له إلى الشرك مثلا، كما هو مدعو إلى تجاوز الاختلاف العقديّ والفكري، وشكرهما والثناء عليهما ومصاحبتهما بالإحسان والمعروف، وهذا يجسد بحد ذاته أرقى أنواع العلاقات الأسرية، لأنه ينزع فتيل الصراع الأسري السلبي الهدام، ويقر بوجود الاختلاف وحريته، على مبدأ رباني حكيم يجسده الخطاب القرآني {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء} (القصص:56)، {ولا تزرُ وازرةٌ وزرَ أخرى} (الانعام:164).
ج - جعل الحكم الإلهي هو المعيار الرباني العادل الثابت، الذي يحكم بين الناس فيما كانوا فيه يختلفون، فغياب المعيار المناسب العادل الذي يتوافق عليه الناس في اختلافاتهم، يشكل أحد أهم المشكلات التي تواجه الجنس البشري على مر العصور، ووجود مثل هذا المعيار ضمن منظومة التفكير الأسري إنما يمثل صونًا للعلاقات الأسرية من الصراع السلبي الهدام، ويحكم عليها بالنضج والغنى والإنتاج، ويؤمن الجو النفسي والفكري للتربية السليمة، فالفرد من الأسرة يتصرف-في حال الاختلافات الأسرية- بوحي من فكره وقناعته التي شكلها عبر مسيرته الحياتية، في جو من الاطمئنان النفسي والوجداني والفكري نظرا لأن مرجعه إلى الحكم الرباني موضع الأمن والأمان والعدل، والحكم المنشود السديد الذي لا يمكن أن يقربه أي نوع من أنواع الخطأ، وهو العارف والخبير بالسرائر وما تنطوي عليه القلوب والعقول {ثم إلى مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعلمون} (لقمان: 15).
ولكي يزيد الخطاب القرآني النفوس أمنا واطمئنانا حيال المرجع الإلهي، يضيء «لقمان الحكيم» في حواره مع ابنه جوانب القدرة المطلقة التي يمتلكها المرجع الإلهي، وهي قدرة تكفل له التأثير النافذ في جوانب السموات والأرض، ونفاذ مشيئته إلى كل ذرة من ذرات الوجود الكوني بحيث يستحيل مع ذلك أن تخفى عليه خافية في السموات والأرض مهما صغرت ومهما قل شأنها، وهذا يفسد على الناس إمكانية اللجوء إلى الخداع أو النفاق {يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير} (لقمان:16).
3- تربية العلاقة الحضارية الناضجة التي تربط الإنسان بالمجتمع:
إن المجتمع الإنساني الذي يعيش حياة الرقي والنضج الانفعالي والوجداني والفكري والسلوكي يقوم أساسا على مقتضيات الحياة الأخلاقية السامية وما تفرضه من جملة السلوكات الحسنة التي تراعي في أبسط الأحوال الآداب العامة والقواعد المرعية الجانب، ولعل هذه الحقيقة تعد بديهة انطلق منها الخطاب القرآني في تربية العلاقة الحضارية الناضجة التي تربط الإنسان - أي إنسان - بالمجتمع الذي يحيا فيه، بكل أطيافه الثقافية والفكرية والعرقية والاجتماعية، وتتمثل التربية الحضارية في هذه الآيات التي يخاطب بها لقمان ابنه {يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المُنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور. ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحًا إن الله لا يحب كل مختال فخور. واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير } (لقمان: 17-19).
فمن الملاحظ أن لقمان الحكيم يدعو ابنه في هذه الآيات إلى تأصيل العلاقة التي تربط الإنسان بالمجتمع الحيوي المحيط ربطا سليما قائما على اسس اخلاقية اجتماعية سليمة ترقى بالفرد الي مستويات عليا من النضج السلوكي والمعرفي، ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن هذه العلاقة تمثل بيت القصيد في البناء التربوي كله، نظرا لضرورتها الملحة في إقامة المجتمع الإنساني الناضج المنشود على أسس أخلاقية تربوية سليمة، ويمكن أن نلاحظ تأكيد «لقمان الحكيم» هنا على جانبين متكاملين متداخلين هما:
1- إقامة العبادات بصورتها الإنسانية السمحة لترتقي بالمجتمع، نظرا لما تختزنه هذه العبادات من جملة الحدود الوجدانية الراقية التي تقف حائلا أمام فوران الشهوات السلبية في النفس البشرية، فتأكيد إقامة الصلاة في سلوك الجيل التربوي، والميل التلقائي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتحلي بقيم الصبر في الشدائد التي تخرج على الإنسان من حين لآخر لها دور ريادي في تشكيل اللاوعي الجمعي القائم على مجموعة من الكوابح الإيمانية المنغرسة في السلوك التربوي العميق للجيل، فالصلاة مثلا مطلوبة في سلوك الجيل الإنساني داخل الأسرة والمجتمع، ليس فقط لأنها تقرب العبد (الإنسان) من المعبود (الله)، بل إنها تحفظ الشخصية الإنسانية للجيل التربوي من الوقوع في الرذائل والفواحش، ومن هنا يمكننا أن نفهم المعنى الحقيقي البعيد للخطاب القرآني {أَقِم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} (العنكبوت: 45)، وهذا معناه بالضرورة أن «العبادات مدار منافع العباد» وهي أشبه ما تكون بـ «فيزا حافظة» تحفط الأبناء والجيل التربوي من أي تطورات ذات تأثيرات سلبية على الشخصية التربوية للحضارة الحديثة المعاصرة.
2- الالتزام بالآداب العامة في التعاطي مع المجتمع المحيط بما يرتقي بالسلوك التربوي الناضج: فمما لا شك فيه أن المجتمع الإنساني الناضج قائم على جملة من الآداب الأخلاقية والاجتماعية الراقية التي تنزع فتيل الصراعات السلبية الهدامة بين أبنائه، وتيسر سبيل الناس في السعي نحو العيش الكريم، ويبدو أن لقمان الحكيم يدرك بحكمته هذا الجانب لذلك يدعو ابنه (الجيل التربوي) إلى هذا الالتزام التلقائي الذي يربط الآداب العامة للمجتمع الإنساني بالعلاقة الراقية بين المخلوق والخالق، فإذا كان الإنسان الذي يسعى للنضج والسمو يدرك أن يتوجه بحاجته إلى الخالق عزّ وجل لأنه يملك أمره وبيده الأمر، فإنه يشعر بالعزة والأنفة مما يمنعه من سلوك سبل الذل والصغار مع الناس، ولكن هذه العزة ذات مستوى إنساني ناقص يجب أن تلتزمه فلا تتعداه إلى المباهاة والغرور، (السير بغرور والتحدث بصوت عالٍ خالٍ من اللياقة كالحمير!) لأن الخالق حكر على نفسه الكبرياء وزرع في نفس المخلوقين الأسوياء النفور من التكبر والغرور والتكلم مع الآخرين بصوت عالٍ، لأن ذلك ينطوي على إثارة الغرائز السلبية إلى حيز الوجود الإنساني وإشعال الصراعات السلبية الهدامة بين أبنائه، مما يقوض الحركة النافعة في المجتمع الإنساني ويودي به إلى مهاوي التناحر والسقوط، بدلا من التعاون والتآزر والتنمية المستدامة التي تشكل هاجس التربية الإنسانية المتكاملة في الخطاب القرآني.
إذا إن الدعوة التي يوجهها لقمان الحكيم لابنه إلى إقامة العبادات بصورة إنسانية وجدانية سمحة والتزام الآداب العامة في التعاطي الراقي مع المجتمع المحيط تشكل ركنا اساسيا في التربية الحضارية الإنسانية المنشودة، لأنها تعمل على الكبح التلقائي لجماح الصراعات السلبية الهدامة وتنقية السلوك التربوي للأبناء من كل الشوائب التي تسعر نيران الصراعات الاجتماعية وتحرف العلاقات الإنسانية الناضجة عن مسارها التنموي المتجدد، وكأن لقمان الحكيم أدرك أهمية هذين الجانبين في تكاملهما وتداخلهما في نزع فتيل العلاقات المجتمعية الهدامة وتأصيل العلاقات الإنسانية الناضجة التي تحفز قيم التعاضد والتعاون في سبيل نهضة مجتمعية منشودة ترتقي بالعلاقات الوجدانية السامية للإنسان مع الخالق والعلاقة المجتمعية الناضجة مع المخلوقين في الأسرة (المجتمع الأصغر) والمحيط الحيوي (المجتمع الأكبر).
ولعل اللافت للنظر هنا الحوار الهادئ والمتزن المليء بالحكمة والموعظة الحسنة الذي يعتمده «لقمان الحكيم» في إرسال الرسالة التربوية الحضارية إلى ذهن ابنه ووعيه وإدراكه السلوكي والفكري والتربوي أيضا، وهذا له أهميته القصوى في التأثير النافذ الذي يمكن أن تتركه الرسالة التربوية في وعي الابن (الجيل التربوي) وادراكه العاطفي والوجداني والفكري كله، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على الأهمية الكبرى التي يجب أن يوليها الآباء لوضع آليات الحوار الوجداني الهادئ المتزن القائم على مقولات النصيحة والحضارة والرقي في التعامل مع المنظور التربوي للأبناء وفق مقولات التربية الحضارية، بعيدا عن سياسة النفي السلبي الهدام الذي تتسم به علاقات الشريحة الأوسع من الآباء في مجتمعاتنا التقليدية، فغالبا ما يؤدي حضور الأب إلى نفي الحضور الوجودي والوجداني الهادئ والمتزن للأبناء، وهذا يترك تأثيرا سلبيا هداما على إيصال فحوى الرسالة التربوية المنشودة.
على هذا النحو تتبدى لنا جليا بعض ملامح التربية الحضارية للأبناء في القرآن الكريم، ممثلة بالرسالة التربوية الراقية التي يقدمها «لقمان الحكيم» ولنا فيها عبرة تنتظر المزيد من التأمل والبحث والتقصي لاكتشاف الكنوز الحقيقية التي نحن في أمس حاجة لها في تعاطينا مع جوانب الحضارة الحديثة ومفرزاتها من خلال منظور إنساني حضاري راقٍ يعمل على البناء النوعي للشخصية الإنسانية وفق منحيين متكاملين متداخلين (المنحى الروحاني المعرفي، والمنحى الأدائي السلوكي) وهذا في حد ذاته هو غاية ما تطلبه النظريات التربوية المعاصرة.
نشر بمجلة الوعي الإسلامي الكويتية ـ العدد 530
نوفمبر 2009
|