| ثقافة وأدب>> |
| 2010-05-03 | الحاجة ماتني (قصة قصيرة) | |
| آدم بمبا | ||
|
كانت شمس الضحى في الأفق قد بدأت تتوهج .. وخطرات نسيم الصبا أصبحت تتلاشى شيئاً فشيئاً، و الأطيار تغرد على أغصان شجرة المانجو الوارفة الظلال و سط الدار، و الرياح العليلة تهب حيناً فحينا، فتتمايل أغصان الأشجار على سطوح المنازل مثل أم تحنو على ابنها وتضمه إلى صدرها. كانت كل هذه الأصوات المتناغمة و حركات الأغصان كأنها تحاكي تكبيرات الحاجة "ماتني" و حركاتها و هي قائمة ساجدة لله تؤدي سنة الضحى في الزاوية المخصصة من بهو غرفتها.. و الديكة في فناء الدار كانت بين الفينة و الأخرى تضرب بجناحيها، و تمد عنقها بالصياح كأنها تشارك في هذا الموكب التسبيحي لله الواحد القهار، ثم تتابع البحث- متفائلة- عن رزقها في الأرض. في ذلك الحين كان إمام المدينة يخطو خطوات متثاقلة نحو بيت الحاجة "ماتني" و مسبحته الطويلة تتدلي من يديه فوق خصره، و هو مطرق إلى الأرض كأنه يعد كل حصاة في مواطئ قدميه.. يرافقه غلام يافع يحمل فوق رأسه حقيبة لا تبدو ثقيلة، يمشي بجوار الإمام ثلاثة آخرون من بينهم السيد بكاري (أبوبكر) الابن البكر للحاجة ماتني. دخل الرجال الدار وكانت الآنسة "ماتني الصغيرة" تغسل الآواني بالقرب من المطبخ في الجهة الأخرى من فناء الدار، و الآنسة ماتني الصغيرة هي حفيدة الحاجة "ماتني" وسَمِيَتها، و قد تولت الحاجة تربيتها منذ أن فقدت أمها في الثانية من عمرها، و كانت أمها البنت الوحيدة للحاجة ماتني. عندما رأت الآنسة القادمين اعتدلت قائمة، و زبد الصابون يتساقط من اسفنجة التنظيف في يدها، و قبل أن ينبس أحدهم بسلام، بادرت هي خالها بكاري ساخرة: - هيه.. خالي بكاري! أين اختفيت هذه الأيام؟ إن من له أم فانية مثل أمك لايغيب لمدة نصف يوم.. ألم تعلم "أن الرحالة قلما يشهد جنازة أمه؟!"([1]) نظر إليها خالها نظرة شاردة، فيها أسى و أشفاق، و تابع الخطا نحو غرفة أمه يتبعه الآخرون . أدركت البنت أن أمراً محزناً قد حدث؛ إذ كان خالها في مثل هذا الموقف يكيل لها السخريات و اللمزات بأشد منها، وربما تدخلت الحاجة ماتني في المزاح قائلة: - أيه بكاري لا تأبه لهذه الغبية؛ ألم تجد لها بعد أغبي رجل في المدينة فنزوجه إياها دون مهر؛ حتى نستريح؟.. و كانت الآنسة تقاطع جدتها قائلة: "لكن زوجي مهما بلغ من الغباوة، فإنه لن يحمل معه ساعة منضدة و يحوم بها في الطرقات".. و كان الجميع ينفجر من الضحك؛ إذ أن هذه الكلمة الأخيرة من الآنسة إيماءة إلي المرحوم الحاج "صونكالو" زوج الحاجة، و قصته أن ابنه بكاري لما كان طالباً في باريس، أرسل إلي والده "ساعة منضدة" منبهة، يتعرف بها على أوقات الصلوات حتى يبادر إلي الآذان في المسجد؛ فكان الشيخ لفرط إعجابه بتلك الساعة يحملها معه في كل مكان، ويعد دقاتها المتكررة بعد الساعة الراهنة. و بما أن سمع الشيخ كان ضعيفاً؛ فإن دقات الساعة كانت تختلط عليه أحياناً فيؤذن للصلاة في غير وقتها. على بعد خطوات من غرفة الحاجة ماتني رفع الإمام- كعادته- صوته بالسلام: - "أسَّلامو أليكوم" و قبل أن يغادر الحرف الأخير فم الإمام كان الابن بكاري قد نبهه إلي أن الحاجة في الصلاة، وأمرهم بالدخول، وبعد أن أخذ الإمام مكانه، أومأ إلي الإمام بوضع الحقيبة في زاوية من الغرفة كأنه يريد إخفاءها عن الأنظار.. طال الانتظار قرابة ربع ساعة، كان الصمت خلاله هو الذي يحي المكان، و لم يجرح هذا الصمت إلا صوت تساقط حبات مسبحة الإمام بعضها على بعض بشكل متقطع، و كان الجالسون يحاولون الانشغال بشيء يعزز غيابه عن المكان، غير ان الأنظار كانت تتابع تكبيرات الحاجة ماتني حيناً، وتتصادم حينا آخرً على صورة مكبرة على الجدار لحفيدها "مادو" (محمد)، شقيق الآنسة ماتني الصغيرة، و الذي سافر إلى البلاد العربية منذ سنين للتفقه في الدين .. كانت الأنظار تتصادم على هذه الصورة المبتسمة ذات الشباب الربيعي، لكن سرعان ما يخطف الناظرون أبصارهم عن الصورة مطرقين إلى الأرض. بعد أن أتمت الحاجة صلاتها، قامت إلى الجالسين، و حيت الإمام بالسلام، و استفسرت عن أحواله، و أحوال زوجاته الثلاث، وأطفاله و سلمت على الباقين، غير أن الجميع كان يجيب إجابة قصيرة جدأً على أسئلة الحاجة ماتني. توجهت الحاجة إلى الغلام، سألته عن أبويه و عن جدته، فلم يزد عن الإيماءة بالرأس.. مازحته قائلة: - أيه زوجي الصغير! هل منعتك جدتك ضرتي عن مكالمتي؟ إن هذه العجوز قد أفسدتك عليَّ! وابتسمت.. نظرت ألى الحاضرين حتى يشاركوها ابتسامة النكتة، لكن أحداً لم يبادلها ابتسامتها.. شعرت الحاجة أن هذا الوفد جاء لأمر مهم، لكن وجود ابنها مع الوفد كان يطمئنها قليلا؛ إذ كانت قلقلة عليه بعد أن غاب أسبوعاً كاملاً دون أن يزورها مرة كل يومين كالعادة. و قبل أن تستقر العجوز في مجلسها أسرعت إلى الثلاجة معتذرة للزوارعن عدم تنبه حفيدتها لتقديم الماء لهم، غير أن الإمام نبهها إلى أن الوقت صباح، و أن اليوم يوم خميس، فمعظم الحاضرين صائمون.. وهكذا دار كوب الماء على الحاضرين ولم يشرب منه إلا الغلام! بعد أن أخذت العجوز مجلسها خاطبت إبنها حسب عادة الإستقبال، و قالت: - بكاري.. قل للإمام أن يزودنا بما عنده من الأخبار[2]. بكاري : أيها المعلم.... لم يطق إكمال كلامه، و لم يكن الإمام بحاجة إلى مزيد.. اعتدل الإمام في مجلسه، وجمع مسبحته و وضعها في جيب جبته، ثم عدل العقال على رأسه، [3] وبدأ ينشغل مرة أخرى بالرداء على كتفيه.. غير أن هذا كله لم يؤثر في نظرات الحاجة بل كانت بكامل صبرها و أناتها.. بدأ الإمام.. وصلى على النبي وحمد الله. و تلا آية.. ثم مسح على وجهه و أمّن.. وحاكاه الآخرون .. تظاهر مرة أخرى بالسعال، فكأنه ليس هو ذلك الخطيب المفلق،.. لكنه أخيراً لم يجد بداً من المتابعة قال: - ابني بكاري، أبلغ أمك الحاجة أن لا شر..([4]) إن ما قدره الله لا يستطيع عبد صرفه.. و ما من مصيبة تصيب العبد إلا و قد أصاب عبدأً مثلها أو أشد منها، و هل هناك مصيبة أشد من رجوع "سيدنا" إلى المعاد!([5]) و قبل أن يتابع الأمام كلامه كان قد أومأ للغلام بتقريب الحقيبة، و لم تكن الحاجة بعد قد تنبهت إلى وجود هذه الحقيبة التي أتى بها القادمون.. و قعت عيناها على الحقيبة.. اقتربت من الحقيبة.. تلمستها بيدها.. تأملتها مليّاً كأنها تقرأ الخط العربي العريض عليها، وإن لم تكن العجوز تقرأ حرفاً في العربية فإنها قد عرفت القصة بتمامها.. و أدركت الكلام المباح الذي سكت عنه الإمام هذا الصباح... و عند ذلك، ارتفع صوتها.. - "إنَّا لله و إنًّا إليهي راجعونا... لا إله إلا اللهُ. محمدو رسولو الله.. الحمد لله رب العالمينا" رفعت نظرها إلى صورة حفيدها داخل الزجاج ذي الإطار المذهَّب، أطالت النظر في الصورة كأنها تقف عليها لأول مرة في حياتها، أو تريد أن تبوح لهذا الوجه المبتسم بسر هذا الطلسم المكتوب على الحقيبة.. كانت الصورة تزداد ابتسامة و نضارة.. و بصوت كأنه أتى من نائم تحت تأثير تنويم مغنطيسي قالت: يا إمام صدقت .. فإن المرحوم جده يوم حمله إلى مدرستك القرآنية، و هو ابن خمس سنين، قال لك إنه قد وهبه لله. و يوم ودعته أنا في مطار "أبيدجان"، و سمحت له بالسفر وحيداً إلى ما وراء البحر([6]) استودعته الله و وهبته له، أفأجزع إن تقبله الله مني؟! تنهدت..و قالت: - أرجو يا إمام إذا ما كان غداً الجمعة أن تخبر جموع المصلين بالخبر؛ حتى يدعو له ويترحموا عليه! دخلت الآنسة ماتني الصغيرة الصالة و بيدها الأواني المغسولة.. نظرت إلي جدتها و إلى إطراق الحاضرين و صمتهم.. رأت الحقيبة وسطهم.. سمعت نحيب خالها المتقطع.. رفعت نظرها إلى صورة شقيقها.. صاحت "أخي مادو؟!" و سقطت على الأرض. --------- ([1] في العرف الأفريقي أن يمازح المرء أخواله و أجداده بلا كلفة و لا حرج. [2] ترجمة حرفية لما يوجهه صاحب البيت للزوار حتى يباشروا في موضوع الزيارة. [3] العقال الذي يلبسه أهالي الخليج خاص في المجتمع الإفريقي للذين أدوا فريضة الحج. [4] أي: لم نأت لشر. و يقال هذا حتى قبل الأخبار المحزنة، حفاظاً على طمأنة المزور. [5] يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم، و يتحرج كثير من المسلمين الأفارقة من التصريح باسم الرسول إكراماً له. بل يرى بعضهم ذلك خروجاً عن الأدب. [6] يطلق في إفريقيا على كل البلاد البعيدة اسم بلاد ما وراء البحر --------------------------------- نشرت القصة بمجلة الأدب الإسلامي- الصادرة عن رابطة الأدب الإسلامي العالمية |
||
|
تعليق |
|
| الاسم | |
| البريد الالكتروني | |
| التعليق | |
