English   Français

   

آخر تحديث: الجمعة 27 جمادى الآخرة 1433 هـ الموافق 18 مايو 2012م

ثقافة وأدب>> 


2010-05-03 حدث في ذات ليل غير عادي(قصة)
أ. أحمد إسماعيل

ما أكثر ما تخلف الحياة غبارها على الأشياء.. وتقذف ما يتطاير من وقع الأقدام في مسيرتها التي لم تنقطع.. أحجار وأشياء أخرى كثيرة..

لقد كانت تلك الشجرة العتيدة - قرب دارنا التي افترشت ذلك الفضاء الجميل الرحب - واحدة من الحراس الذين وقفوا يراقبون خطوات المارش المتواصلة عبر السنين في رحلة الزمن.. كنا نلتقي تحت ظلها نحن الأطفال؛ فنلعب ونلهو ما يحلو لنا أن نلعب.. ويتقابل عندها العشاق؛ فيتسامرون ما يحلو لهم.. وينفرد عندها الأدباء والرسامون.. يتسلق جذعها وفروعها أحياناً المجانين.. وخلق آخرون كثيرون ممن ألقت بهم رحم الحياة في هذه القرية الصغيرة الوادعة التي لا تبتعد عن مجرى النهر سوى بضع مئات من الأمتار.

يكبر الأطفال ويشبون ويلتحون.. يتزوج العشاق وينجبون، أويفترقون.. يمضي المجانين إلى جهات أخرى أو يموتون.. تفعل الحياة فعلها في بالأدباء والرسامين وغيرهم من الرواد الآخرين.. ولكن الشجرة تظل واقفة كما هي؛ يختزن جذعها الشائخ آلافاً من الوقائع والأحداث والقصص والصور.

***

في صباح ذي غيم هادئ؛ عندما كنا نلعب ونلهو عند الشجرة لمحت ذلك الرجل العجوز يأتي صوبنا من بعيد.. لقد كان مسافراً غريباً لم تألف وجهه ذاكرة الحياة الصغيرة في قريتنا.. فوق الستين بقليل على ما يبدو.. متوسط القامة، لكنه كان سيكون أطول بقليل لولا هذه الانحناءة الخفيفة على ظهره.. عيناه غائرتان في محجريهما، على جبينه بضعة خطوط رسمتها العقود الستة التي مضت من عمره، كما خلفت ذلك البياض على شعر رأسه ولحيته الصغيرة.. ومع الإرهاق البادي عليه، والرثاثة التي خلفها أثر السفر في جبته وسرواله وعمامته إلا أنه كان يبدو وقورا، وابتسامته اللامعة كانت أخاذة بشكل غريب!!.. لاحظت ذلك عندما ابتسم لنا وهو يرفع يده ليحيينا، ثم يسألنا عن صاحب تلك الدار التي أمامنا؛ أين يجده؟!..

اتجهت كل أنظار الصبية إليَّ؛ إنني أنا المطلوب.. نفضت يدي من التراب ومضيت نحوه..

- قلت: إنه منزلنا!!..

- إذن أين والدك؟!.. هل يمكن أن تناديه؟!.

- قلت له: تفضل إلى الدار واسترح.. أبي سوف يحضر بعد قليل..

* لم أزد على ذلك، ومضيت أمامه؛ فتبعني بصمت.

على مائدة الطعام كنا نجلس أنا ووالدي وأخواي الصغيران، والضيف الغريب، وكنت أتفرس في ملامح هذا الرجل حينما خاطبه والدي قائلاً:

- مرحباً بك يا رجل في دارنا، ولكن من أين الأخ؟، وإلى أين يقصد؟!.

- قال الرجل وهو يزدرد لقمة: الحقيقة أنا من الحاج (أبشر) أعمل عشابا، من كردفان، ولكني جبت كل إفريقيا، من دار مالي إلى دار فاس، دار برنو ودار هوسا، أهوى الأسفار والترحال.. وهناك في دار مالي يتحدث الناس عن بئر في دار (صباح)، قريبة من منطقتكم هذه حسب ما وصفوا لي.. المهم أن حولها تنبت الكثير من الأعشاب الطبية النادرة جداً، والغريبة للغاية.. تصوّر! فيها أعشاب تشفي كل السموم، وتداوي العلل المستعصية؛ الأهالي هناك يقولون عن البئر: إن مدينة تسكنها قبيلة من الجن المسلم، ويقولون: إنها غنية بالكنوز النفيسة والأحجار الكريمة.. والحقيقة أنا لا أكترث لذلك؛ وإنما تهمني الأعشاب الطبية؛ فهي الكنز الحقيقي بالنسبة لي.. وإذا تكرمتم باستضافتي هذا اليوم حتى أرتاح قليلاً من عناء السفر، ثم أواصل سفري من الغد أكون شاكراً لكم جداً.

* حك أبي لحيته بارتياب!!.. يبدو أن الرواية لم تقنعه؛ لما فيها من السذاجة الواضحة!!.. ولكنه قال له: حسناً.. الدار دارك يا شيخ.. أبشر.. مرحباً بك على الدوام.

* أما بالنسبة لرأسي الصغير فإن رواية مثل هذه أصابتني بالفزع، والذهول، والتلهف، والشغف في وقت واحد، وأثارت اهتمامي إلى أقصى مدى!!.. في الليل وأنا مستلق على فراشي ظللت أفكر في بئر الجن، والأعشاب المسحورة، والأحجار الكريمة، والذهب!!.. لقد بدا لي ذلك أشبه بقصص سندباد وعلي بابا!!.. ماذا لو كان بإمكاني أن آخذ من اليواقيت والذهب؟!.. إنني حتماً سأصبح ثرياً، وسوف أبني لوالدي قصراً منيفاً!!.. ليس هناك خوف؛ فالرجل يقول: إن الجن مسلم؛ إذًا فهو لن يؤذيني.. أما الرجل فهو لا يكترث لغير أعشابه الطبية؛ فلو أنني ساعدته في جمع ما يريد من الأعشاب في مقابل أن يساعدني في الحصول على الجواهر واليواقيت فأعتقد أنه لن يمانع.. إن الوحيد الذي سيعترض على ذلك هو أبي، ولكنه إذا رآني قد عدت ومعي هذه الثروة فلا شك أن لسانه سينعقد.. إذًا فعليَّ أن أهرب سراً؛ لأرافق الشيخ؛ ولا أخبر والدي.

* ظللت أفكر على هذا النحو قرابة الساعتين؛ حتى اختمرت الفكرة في رأسي تماماً.. أهرب الليلة، ثم أقابل الشيخ العجوز في مكان ما من هذا الطريق؛ حيث نواصل السير معاً.. لم أضع وقتاً.. نهضت من فراشي، وفتحت دولاب الملابس، وأخرجت بعض الثياب القليلة، ووضعتها في حقيبتي الصغيرة، وحملتها على كتفي، ثم اتجهت بخطوات وئيدة نحو الباب، وبهدوء شديد فتحته؛ حتى لا يحدث صريراً.. في تلك اللحظة يخيل إليَّ أن الأرض بأسرها قد تحولت أذناً كبيرة تتنصت على ما يصدر عن حركاتي من أصوات - وقع أقدامي، تصاعد أنفاسي، دقات قلبي التي صارت تنبض بشدة - مسحت العرق المتصبب من جبيني بكفي، وبذات الهدوء خرجت من الغرفة إلى الصالة، ثم إلى فناء الدار..

***

* كان القمر في أدواره الأولى ولم يكمل نصف دائرة بعد؛ ولذلك كان يرسل ضوءاً خافتاً لا تكاد تتبدى معه ملامح الأشياء.. الجميع كانوا هجوعاً، ولكن النسيم كان صحواً بما يكفي لبث النشاط في النفس، وطرد الخوف في وقت معاً.. أخذت نفساً عميقاً ثم قلت في نفسي: الخطوة التالية هي (المطبخ).. تقدمت نحو باب المطبخ بخطى ثابتة، وعالجت المزلاج ثم دفعت الباب.. أحدث صريراً خافتاً ولكنه كان طويلاً ومخيفاًَ.. تلفَّت يمنة ويسرة، ونظرت على السماء؛ فقد خُيِّل إليَّ - للحظة - أن نجوم السماء هي آلاف الأعين تراقب حركاتي.. دلفت إلى الداخل بسرعة.. كان الظلام في المطبخ دامساً تتعذر معه الرؤية؛ فأخرجت علبة ثقاب من حقيبتي وأشعلت منها عوداً فأضاء المكان بما يكفي لأتبيَّن هدفي.. ذلك الجردل البلاستيكي الكبير؛ حيث تضع والدتي (الخبز).. كم تستغرق الرحلة؟!.. يومان على الأكثر ربما.. فتحت الجردل وأخذت خمسة أرغفة كبيرة، ووضعتها في كيس بلاستيكي كان في حقيبتي.. انطفأ عود الثقاب؛ فأشعلت عوداً آخر.. وفي بضع ثواني كنت قد وضعت بعض الأشياء المساعدة في الكيس - ملح، شطة، زجاجة زيت صغيرة كانت قرب جردل الخبز - مرة أخرى انطفأ عود الثقاب، ولكني كنت قد انتهيت؛ فعادرت المطبخ..

* ماذا تبقى؟!.. ليس إلا (قفص الدجاج)!!.. إنه المرحلة الحرجة!!.. وضعت أشيائي على الأرض، وفتحت باب القفص، ودخلت أحبو على أربع!!.. كان الدجاج نائماً على الأعواد وعلى الأرض.. وكان الظلام دامساً، ولكني أعرف أين أجد البيض.. مددت يدي هنا وهناك.. أخذت بيضة.. بيضتين.. مددت يدي للمرة الثالثة.. مسَّت يدي دجاجة كانت نائمة على الأرض.. صاحت الدجاجة؛ فصحى كل الدجاج، وأخذ يتصايح معها.. للحظة شعرت وكأن جميع صفارات إنذار العالم تدوي على رأسي.. خرجت من القفص بسرعة واختبأت خلف برميل قديم.. وسمعت باب الصالة ينفتح.. إنها أمي.. وقفت تنظر، ثم قالت لأبي:

- يبدو أن هناك ثعلبا في قفص الدجاج!..

* يأبى الموقف إلا أن يزداد تأزماً؛ فها هو والدي يخرج حاملاً بندقيته.. إذا وصل إلى القفص فإنه سيلمحني حتماً، وسيفشل كل شيء.. ولكن لا.. ليس بعد كل العناء، سأجازف وليكن ما يكون.. وفي سرعة الفهد قفزت إلى الحائط، وعندها رنَّت قرب أذني رصاصة رهيبة أطلقها أبي وهو يقول:

- إنه ثعلب بشري.. إنه لص!.

* أصابتني القشعريرة وأنا أركض خارج الدار وخلفي صرخات أمي (الحرامي).. (الحرامي).. كانت تدوي في الفضاء؛ فيتردد صداها في أذني مفزعاً رهيباً..

* وفي لحظات كانت كل القرية قد خرجت في أثر اللص.. يا إلهي! هذا مأزق حقيقي!!.. هاهم مقبلون نحوي من كل جانب.. ركضت ناحية شجيرات العشر الكثيفة، واختبأت تحتها وأنا أكتم أنفاسي!!.. شاهدت أقدام القوم وهي تمر قرب رأسي مسرعة!!.. يا لها من لحظات!!.. وعندما أتأمل ذلك الكم الهائل من العصي في أيديهم، وأتخيلها تهبط على رأسي يصيبني الدوار والصداع!!.. تبا لك أيها الشيخ المشعوذ؛ ما لي ولجواهرك، وشياطينك، وعفاريتك؟!.. اذهب أنت وهي إلى الجحيم!!.. هدأ الوضع قليلاً عندما ابتعد المطاردون يبحثون في ناحية أخرى، أصوات ضجيجهم ما زالت تصل إلى أذني.. يجب أن أتصرف بسرعة قبل أن يعودوا.. تذكرت أن هذه التي أختبئ تحتها هي تحت نافذة غرفتي مباشرة.. ولحسن حظي، ومحاسن الصدف كانت النافذة مفتوحة، وكذلك الشيش.. وبسرعة قفزت عبر النافذة إلى داخل غرفتي.. جذبت نفساً عميقاً، ومسحت العرق المتصبب من جبيني، أحسست أن جسدي سيتداعى من شدة الإرهاق والتعب.. اتجهت نحو فراشي.. قلت في نفسي: (والآن كأن شيئاً لم يحدث، سأستلقي على فراشي وأغط في سبات عميق).. ولكن في اللحظة التي وضعت فيها جسدي على السرير وجذبت العظاء على جسدي انفتح باب الغرفة، ودخلت أمي..

- هيه!!.. أما زلت نائماً؟!.. كل هذه الضجة لم توقظك!!.. الدنيا في الخارج مقلوبة.

* قلت متظاهراً بالتثاؤب:

- آآآوهم.. ماذا هناك؟!.. ماذا يجري؟!.

- يبدو أنك قد أكثرت من اللعب بالنهار، وأرهقت نفسك كثيراً.. القرية كلها مقلوبة رأساً على عقب في أثر اللص الذي زارنا هذه الليلة.

- لص؟!.. هل تقولين (لص)؟!.

* قالت أمي وهي تتجه إلى النافذة وتطل منها إلى الخارج:

- نعم (لص)!!.. ولكن يبدو أنهم قد أمسكوا به.. إني أرى عباس وعبد الجليل يجرَّانه.

* قبضوا عليه؟!.. يجرَّانه؟!.. قبضوا على من؟!.. وكيف؟!..

* كدت أصرخ من هول الدهشة، واندفعت نحو النافذة.. أنهم بالفعل يجرون رجلاً!.. ويحيطون به من كل جانب!!.. ولكن كيف يقبضون على اللص، واللص يقف على رجليه الآن في هذه الغرفة؟!.. رأسي سينفجر!!.. ليس هناك وقت!!.. لقد بدت لي المسافة من الغرفة حتى باب الشارع بعيدة جداً؛ ولهذا قفزت عبر النافذة، وركضت مسرعاً صوب الجمهرة!!..

* وعندما وصلت!!.. يا للمفاجأة!!.. وفقت مذهولاً من هول ما رأيت!!.. أتفرس في وجه هذا الشخص المقبوض عليه في ثيابه التي تلطخت بالبيض المكسور على رأسه وأكتافه ووجهه، وقد اختلطت لزوجة البيض بلون الدم الذي خلفته ضربات العصي في كل مكان من جسمه.. تفرست في وجهه علَّ عيناي تكذبان ما أرى!!.. ولكن ذات العينين الغائرتين في محجريهما، ذات الجبين المتجعد، ذات الشعر واللحية الشائبتين.. عظام الخدين الناتئين.. نفس الملامح والقسمات.. حوَّلت بصري إلى المسروقات التي كان يمسك بها عبد الواحد: بعض ثياب والدي، وملاءات المنزل.. الراديو الترانزستور.. شمعدان الزينة الفضي القديم الذي كان في الصالون.. وهذا البيض الذي كسروه على رأسه.. ترى هل كان جائعاً فاقتحم المطبخ؟!.

* كان أبي يشي بجواره مصوباً بندقيته على رأسه مباشرة.. قال لي ممازحاً:

- أرأيت ماذا فعل ضيفك.. لقد حذرتك ألف مرة أن تصاحب اللصوص.

نظرت إلى وجه اللص.. يا للشيخ الدجال.. تذكرت حكاياته السخيفة، ومغامرتي الأشد منها سخفاً.. وقف شعر رأسي حين تذكرت الرصاصة التي مرت تحت أذني وكادت تلقي بي من فوق الحائط جثة هامدة.. في هذه اللحظة فقط أدركت خطورة ما وقع لي.. بحركة آلية تماما امتدت أصابعي إلى الأرض، وقبضت أصابعي الصغيرة حجراً بحجم كفي الصغير.. وقبل أن ينتبه الجميع إلى ما أفعل كان الحجر يندفع في الهواء ليرتطم بجبينه المرهق.. صاح من شدة الألم.. واندفع الدم يسيل في خطين مثل شراك النعل من أعلى وجهه وحتى لحيته البيضاء فيصبغها باللون الأحمر.



تعليق

الاسم
البريد الالكتروني
التعليق


اضافة تعليق
الاسم :
البريد الالكتروني :
التعليق :
رمز التحقق