|
الكاتب : د. عبداللطيف سعيد - استاذ الأدب والنقد بكلية الآداب
جامعة إفريقيا العالمية
------------------------------------------------------------------------
المقدمة :
منذ بداية القرن الميلادي العشرين يكاد الرافعي أن يكون هو القلم المفرد الذي تولي وحده مهمة الدفاع عن الإسلام والعروبة ، بعد أن انقضي دور الافغاني وتلميذه الإمام محمد عبده الفعلي بعد أن طواهما الموت وقبل ان يبرز للوجود الإمام حسن البنا وتنظيم الاخوان المسلمين كان الرافعي بمفرده كالجماعة او الحزب أو المؤسسة ومع أنه لم يكون ايا من ذلك وعمل بمفرده لكنه قام بما قامت به كل تلك مجتمعة ، ذلك مع كونه شخص معوق ، إذ قد كان أصم لايتفاهم معه إلا من خلال قصاصات الورق .
برز الرافعي في الوسط الأدبي في بداية امره شاعرا وطبع ديوانا ، ثم انحرف عن الشعر ورأي انه لايعبر تعبيرا كاملا عن كل مايجيش بخاطره فاخترع قنطرة أدبية مابين الشعر والنثر سماها الشعر المنثور او النثر المشعور لتكون وعاءً أوسع لتحتوي أفكاره الكبيرة ، جاء الرافعي وقد ماجت مصر في بداية القرن العشرين بأفكار المستشرقين الناقدة للإسلام وأفكار احلال العامية مكان الفصحي وأفكار النأي بمصر عن العالم العربي والإسلامي وضمها إلي منظومة دول البحر الأبيض المتوسط ومن ثم إلي أوروبا ، بعد أن نشطت أقلام كثيره ظلت تنهش في التراث العربي والإسلامي بغية هزيمته ودحره ، وبغية استبداله بالعلمانية الأوربية الزاحفة.
تصدي الرافعي لكل هذه التيارات وحده ومن عجب أنه هزمها كلها مع أن أدواته كانت متواضعة جدا ، فهو لم يزد في تعليمه علي الابتدائية ولم يزد في وظيفته علي كونه كاتبا في محكمة شرعية يتقاضي راتبا متواضعا لايكاد يكفي حاجاته الضرورية وهو إلي ذلك غريب وأصم . يذكر مصطفي صادق الرافعي فيذكر الاديب الكامل والشاعر ، والناثر والناقد ، والمفكر، والقاصي والمنشيء وصاحب الرسالة ويذكر فتذكر معه معاركه الأدبية ومعاركه الفكرية التي خاضها والتي جعلت له في كل بلد من بلاد العروبة والإسلام قلوبا تنبض بحبه وعقولا تتثقف بكتاباته وعيونا ترمق نجمه الثاقب فمن هو مصطفي صادق الرافعي وماهي منطلقاته؟
منطلقات الرافعي
تمهيد
لا اعني بهذا ، أن يكون هذا المقال ، مقالا متصلا بعلم النفس ، حتي نفسر به الأسباب النفسية التي جعلت الرافعي يفعل ، أولا يفعل شيئا ما ، ولا قصدنا به كذلك أن يكون مقالا فلسفيا عميقا فيه توهم الفلاسفة وافتراضاتهم، وتهافتهم ، ومجادلتهم .
لكني عنيت بهذا المقال أن يكون تحليلا ، وصفيا ، واقعيا ، لما دفع بالرافعي من الأسباب الملموسة أمامنا ، والمقروءة ، والمعروفة من سيرته الأسباب التي دفعت به وانطلق منها حتي صاربها ماصار في مجال الأدب ، والكتابة ، والنقد ، والشعر، والفكر.
وحتي أسهل الأمر علي نفسي، وأجعل من يدرس هذا المقال يفقه قولي ، دون أن يحجبه عن ذلك حاجب من عدم وضوح في هدفي ، فإني قد قسمت الكلام فيه علي خمسة أنحاء:
أولا –منطلقات ذاتية .
ثانيا : منطلقات وطنية
ثالثا – منطلقات قومية.
رابعا – منطلقات إسلامية
خامسا – منطلقات مهنية
المنطلقات الذاتية :
هو مصطفي صادق الرافعي – سوري الأصل – مصري المولد وهو ابن الشيخ عبدالرازق الرافعي ، كبير القضاة الشرعيين في مصر ، حفيد الإمام عبدالقادر الرافعي المتوفي سنة 1230 هـ الذي وفد من طرابلس الشام ، وأسس الاسرة الرافعية بمصر ، ويعود نسبه إلي عمر بن الخطاب رضي الله عنه .
أ- إذن فإن مصطفي صادق الرافعي من أسرة ذات وزن خاص بها وهي أسرة " مشيخة" كما وصفها عباس محمود العقاد([1] ) . جاء الخديوي بها من سورية إلي مصر لتقوم بشأن القضاء ، حتي بلغ من ولي منها القضاء سبعين رجلا ([2] ) . فهذه أسرة عالية الثقافة الدينية وأسرة خبيرة استجلبت من خارج مصر لتقوم بعمل فني لم يوجد له من يقوم به في مصر ، ثم هي بعد ذلك منتمية إلي أمير المؤمنين ، عمر بن الخطاب ، فأي رجل يخرج من هذه الأسرة سيشعر بشكل طبيعي أن عليه أن يفقه وان يتعلم وأن تكون له مسئولية إذ هو منبعث من أسرة ماجدة وتتمثل هذه المسئولية في الثقافة الإسلامية القرآنية الرصينة .
ب- هذا مع مالابد أن يكون قد مر بهذه الأسرة من جدل حول كونهم غرباء ، فالناس لايحبون عادة الغريب يتبوأ المناصب العالية ويستمر متقلدا لها لهذه المدد المتطاولة ، والأزهر علي مرمي حجر والمصريون يتأهلون دائما ويتطلعون للحصول علي هذه المناصب التي استجلب لها " الغرباء " فالرجل – الرافعي – سيستصحب في مسيرته هذين الأمرين شاء أم أبي أنه ( رافعي وأنه شامي ).
وقد وجدنا فيما بعد أن الرافعي لما ناكف وعارك وشرس علي منافسيه وغالبهم قال له عباس محمود العقاد أنه من أسرة " مشيخية" وقال له سلامة موسي أنه إنما يهاجم مصر لأنه غريب ([3] ) .
وقد أثر هذان الأمران علي سير حياة هذا الأديب ، فهو لم يعين في المحكمة براتب كبير قدره ( أربعة جنيهات ) عام 1897 وعمره حوالي التسع عشرة سنة إلا لأن لأسرته يد في القضاء وأن والده هو الشيخ عبدالرازق كبير القضاة .
ثم إن صديقه محمد سعيد العريان كان يقول إن الرافعي لم تكن له علاقات اجتماعية مع المصريين ، وإنما كان يحصر زيارته الاجتماعية غالبا علي بيوت الشوام ، وأن اصدقاءه كانوا معظمهم من الشوام ، الذين كانوا في معظمهم نصاري وأن أول من نشر له حينما بدأ الانتاج الشعري هم الشوام ، وأن أول من سمع منه أدبه وهو يدرج في مراقيه قليلاً هم أصدقاؤه من الشوام الذين كانوا يجتمعون في صيدلية لهم سماها ([4] ) . وحتي حينما أحب ونعرف أنه أحب حبا جارفا عميقا مرتين كانت الحبيبتان واحدة لبنانية ، والثانية سورية وهما صاحبتا حديث القمر ، ورسائل الأحزان ، والسحاب الأحمر وأوراق الورد ، فهل كان هوي الرجل هوي شاميا ؟ لكنه كما نعلم تزوج من مصرية من اسرة البرقرقي أخت صديقه عبدالرحمن البرقرقي .
وهل لما اهتم ابراهيم البازجي وهو العلامة الكبير بديوان الرافعي وبمقدمته خاصة ، هل كان هذا الاهتمام اهتماما خالصا لوجه الأدب أم أن الرجل كان يعلم ان الرافعي منتم عرقيا إلي ماينتمي هو إليه ، ولــو أنه لم يره ولم يعرفه وإنما عرفه به صديق شامي آخر([5] ) .
وقد روي عن الرافعي أنه كان يتحدث لهجة أشبه باللهجة الشامية منها إلي اللهجة المصرية ([6] ) .
والد كان الذي كان لأخيه سعيد في طنطا والذي كان منتدي من منتديات الشوام كان يبيع الفواكه الشامية المجففة ، وكان الرافعي يلاقي فيه صديقه الزبال([7] ) .
جـ - إلي ذلك أصيب الرافعي بعلة مبكرة في أحباله الصوتية تطورت شيئا فشيئا حتي انتهت به إلي الصمم التام . نرجع في ذلك إلي ما أورده عنه العلامة الزركلي: " أصيب بصمم فكان يكتب له مايراد مخاطبته به ([8] ) .
وقد أدت هذه العلة بالرافعي إلي أن يترك المدرسة في مرحلة مبكرة إذ لم يحصل إلا علي الشهادة الابتدائية من مدرسة دمنهور وهو في سن العاشرة ، وكانت كل حظه من الشهادات ، فنحن هنا أمام أمرين مهمين وهما :
أولا : علة الصمم
ثانيا : محدودية التعليم النظامي
والناس عادة في استجابتهم للعلل أنماط : نمط يستسلم لها ونمط تصيبه علته بعلل نفسية أخري تبغض إليه الحياة ، ونمط يدرج مع العلة دروجا " عاديا " فيكون بها عاديا يعيش ليومه ومايلقاه ونمط آخر تستفزه العلة نحو مرافي المجد .
وأظن أن الرافعي قد كان من النمط الاخير ، إذ أن العلة وإن أقعدته عن الدراسة فإنها لم تقعده عن الدرس ، فجعل يقرأ ويقرأ ، حتي صارت القراءة حياته ، لايستطيع أن ينفك عنها إلي درجة أنه لم يكن لطيفا مع زواره إذ مايلبث الزائر أن يجلس معه قليلا حتي يقول له الرافعي " تعال نقرأ " وهي ليست معناها ( نقرأ ) كما فسرها محمد سعيد العريان بل معناها تعال ( أقرأ لك وتستمع ) فيظل الرافعي يقرأ والزائر يستمع حتي إذا أحس الرافعي في وجه ضيفه شيئا ليس من القراءة أمسك ودخل في موضوع آخر ([9] ) .
فجمع الرجل القرآن وهو في سن العاشرة وقرأ الحديث والفقه والفرائض والسير وعيون كتب الأدب ، وانطلق كالمنشار يلتهم ويقرأ كل ماتقع عينه عليه ، وما أحدّ عين الاصم !
وطمح إلي أن يكون أفضل من حافظ لما لقي حافظا واول مقال كتبه بعد أن نشر ديوانه " ديوان الرافعي " أول مقال كتبه كان في مجلة الثريا ، قال فيه إنه هو والكاظمي، والبارودي ، وحافظ أحسن شعراء مصر وأنهم الطبقة الأولي ! وأن شوقي الذي كان قد لقب ( بأمير الشعراء ) ليــس في الحقيقة أميرا للشعراء بل هو ثاني الطبقة الثانية منهم([10] ) .
أرأيت مثل هذا الطموح الأصم ؟
وبعض النقم نعم ، إذ أنه وهو أصم " قد فارق الجماعة ، كما يقول المثل .. استراح من بعض شرور الجماعة ، فكان لايفهم كثيرا من الشئون الاجتماعية وكان في غالب أمره إما في عمله أو بيته أو في مكان يرفه فيه عن نفسه إذا رغب ، مما جعله يتحكم في وقته فيستثمره فيما ينفعه , وتبعد عنه العلة كثيرا من الأمغاص التي ( يسمعها ) السامعون ، فعاش من ذلك في نعمة .
د – وذكرنا كذلك أن قلة تعليمه النظامي جعلته يشعر أن أمامه هوّةً تفصله عن آماله ومراميه الكبار وأنه إذا أراد أن يصل إلي أهدافه تلك ينبغي عليه أن يردم هذه الهوة ، وقد فعل بأكثر مما يفعل الاصحاء ، فكانت ثقافته الإسلامية ثقافته رصينة عميقة أخذها من جذورها ومن مظانها الأصلية ورواياتها ، حتي إنه كان ينعي علي أهل التجديد أنهم إنما هربوا للتجديد لأنهم لم يجودوا القديم ولم يجودوا الرواية وأنهم لضعفهم في القديم هاجموا القديم ، ولم يتوقف عن ذلك بل قرأ كثيرا من الآداب الأوربية مترجمة ، ذلك أنه لم تسعفه لغة أوربية واحدة ، وأظن أن العلة هنا هي التي منعته من تعلم لغة أخري لأن تعليم اللغة يقوم علي السماع وتقليد الأصوات والرجل لايسمع ولايعي الأصوات ، ولو أنه كان سامعا ربما تعلمها ، ولكن لله حكمه في هذا وفي ذلك .
هـ - وبعد ذلك فإن الرجل كان كاتبا في محكمة ، وقد كانت تلك الوظيفة مكسبا له في أول الأمر ، لأنه دخلها بهذا المستوي المتواضع من التعليم النظامي ، وكما ذكرنا فإنه ما كان يمكن أن تتاح له لولا جاه والده واسرته في مجال القضاء ، لكنها ظلت هي الوظيفة الوحيدة التي تقلدها ولم يتحول عنها إلي نهاية حياته .
واستمرت هي مصدر رزقه الحكومي ( إذ صح التعبير ! ) وقد كان إلي ذلك حريصا عليها ولكنها فيما بعد اصبحت تمثل عائقا كبيرا نحو انطلاقة في ميدان التأليف الأدبي ، لأن الوظيفة هي الوظيفة بمواعيدها وقيودها ورؤسائها ومطلوباتها وشرورها التي يعرفها كل أحد .
وعلي الرغم من أن الرافعي كان قد اعطي نفسه حرية كبيرة في الحضور والإنصراف من المكتب في المحكمة وعمل مايريد ان يعمل وترك مايريد أن يترك([11] ) .. لكن ذلك كان ينطوي علي تحد لرؤسائه وعلي تقصير في ( واجبه ) ثم هل كان بامكانه عمل ذلك دائما وفي كل وقت ومع كل رئيس ؟ وهل حتي بهذا التحدي يكون الموظف مرتاح البال ، مثل مالو كان حرا أو محررا يتفرغ إذ أن التحدي في مدافعة ومنازعة وشد وجذب ومكائد لن تكون كلها في صالح الموظف المتفلت ، هذا لو علمنا سطوة الحكومة علي الموظفين في مصر في بداية القرن العشرين الميلادي ، وقد كتب الرافعي مرة إلي أبي ريه صديقه يقول له إنه قد اضطر إلي سحب مقاله من الجريدة لأن فيه رأيا سياسيا والحكومة لاترغب في أن يبدي موظفوها أي آراء سياسية([12] ) .
هذا ثم إن وظيفته كاتبا في المحكمة لم يكن فيها أي جاه ، او قيمة اجتماعية ، أو كفاية مادية ، وإنما هي إذا قورنت به صاعدا في سلّم الادب وهي منحدرة به في سلم المجتمع ، كأنّ الرافعي مربوط إلي حصانين كل يجري في اتجاه يمزقانه تمزيقا .
2- المنطلقات الوطنية
اعني بالمنطلق الوطني ، انتماء الرافعي إلي الوطنية المصرية ، فهل كان الرافعي يشعر بأنه مصري ، إذ قد شكك منتقدوه في أنه لم يكن وطنيا وأنه كان غريبا في مصر .
لكن الرافعي نفسه كان يستمع إلي مايقولونه عنه في ذلك مغيظا حينا ، وساخرا حينا آخر، إذ قد قال : افتراهم يتهمونني في مصريتي ، لأنني في زعمهم غير مصري ، وفي مصر مولدي وفي أرضها رفات أبي وأمي وجدي ، أم كل عيبي عندهم في الوطنية أنني صريح النسب ؟والا فمن أبوفلان وفلان ؟ ومن أين مقدمه؟ ومتي أستوطن هذا "الوطن " ([13] ) .
لاحظ أن الرافعي ، لاينسي مطلقا أنه " صريح النسب " والرافعي قد تغني بمجد مصر ويكفي دليلا علي ذلك قصائده الوطنية التي كانت علي كل لسان في مصر وخاصة قصيدتاه:
بلادي هواها في فؤادي وفي دمي يمجدها قلبي ويدعو لها فمي
التي ذاعت كما يقول العريان علي ألسنة تلاميذ المدارس ، يحملهم المعلمون علي استظهارها في دروس المحفوظات إلي يومنا هذا ([14] ) ونشيد إسلمي يامصر والذي كان قد أنشأه من أجل سعد زغلول إذ يقول في خطابه في جبل طارق :
" ما أردت باظهار نشيدك إلا أن تظهر في كل فرد من الأمة علي قدر استعداده، ويبقي اسمك الجليل مع كل مصري علي الدهر ، ليكون مصدرا من مصادر إمداده ، ويقولون إنه نشيد يقربك من الأجيال التالية ، وأنا أقول إنهم يتقربون به إليك ، ويجدون به الوسيلة لتقبيل أسمك المحبوب ، إذ لايستطيعون مثلنا تقبيل يدك ، ويجدون في كل زمن ، من شرح هذا الاسم الكبير ، أنه الرجل الذي خط قلم الأزل بيده ، كتاب نهضته الكريمة، واختاره ! الله للأمة كما اختار الأنبياء ، إلا إنه نبي الفكر والعزيمة([15] ) , وقد رد سعد التحية بأحسن منها لما كتب في وجه كتاب الرافعي وحي القلم : "كأنه تنزيل من التنزيل أو قبس من الذكر الحكيم "
ولقد صار نشيد " اسلمي يامصر " هو نشيد مصرالقومي من سنة 1923 -1936 ثم إن لحن اسلمي يامصر الذي عمله الموسيقي صفر والذي أصبح شعار الكشافة المصرية إلي اليوم مع هذين النشيدين أناشيد " للعلا للعلا " وبنت النيل و " الفلاحة المصرية ([16] ) .
وقد رأينا موقفه وغيرته علي الجامعة المصرية لما افتتحت عام 1907م وكيف كان حريصا علي أن تكون دروس الأدب فيها رصينة راقية تليق بمقام الجامعة المصرية، مما انتهي به إلي تاليف كتاب تاريخ آداب العرب " وهو من أفضل كتبه ، ما دعاه لذلك إلا حبه لوطنه مصر .
ثم هو بعد ذلك كله الذي ألف أناشيد الأطفال للمدارس المصرية ، وأجري علي السنة أطفال مصر حب الوطن وبث فيهم معاني المرؤة والإيمان وحسن الخلق .
ثم أنه اختير ليكون " شاعر القصر " وهو شرف كان يتمناه كل شاعر مصري ، والقصر مظهر من مظاهر السيادة المصرية وسيكون من البعيد جدا أن يختار للقصر شاعر غير مصري أو مشكوك في ولائه لوطنه ليعبر عن رمز سيادة الوطن .
وحتي في عمله في المحكمة ، علي قلة قيمته في سلم الوظائف هو عمل في مرفق سيادي فالمحاكم لايعمل فيها إلا مواطنو البلد انفسهم لأن القضاء معدود في السلطات الوطنية العليا .
وأخيرا فإن آخر مهمة أدبية ووطنية قام بها هي كتابته في الرسالة ، وهي التي ربطته بالشعب ، وجعلته يكتب مقالات أشبه بما نسميه بعمود اليوميات الذي يتطرق فيه الرافعي غالبا إلي شأن من شئون الشعب يعالجه بطريقته الأدبية المتفردة .
وقبل ذلك كله هو الذي اقام قيامة القصر والبرلمان والنيابة والازهر والشارع علي طه حسين لما شكك في الإسلام في كتابه " من الشعر الجاهلي ".
فهل يعقل أن يعمل اديب كل الذي عمله الرافعي ثم يقال له بعد ذلك يبساطة أنه وافد وأنه أجنبي وأنه غير مصري .
نعم إن تاريخ اسرته يقول إنها اسرة وافدة من الشام ولكنها استقرت في مصر وأصبحت اسرة مصرية وليس المهم هو مايقوله الناس في هذا الشأن ولكن الأهم هو شعور الرافعي نفسه ، وقد رأيناه لايري له وطنا غير مصر .
(3- منطلقه القومي )
كان الرافعي شديد الاعتداد بعروبته: نسبه ولسانه ودينه ، ولكن هل كان الرافعي ممن يدعون إلي ( القومية العربية ) هذه الكلمة ( القومية العربية ) قد تطورت بعد وفاة الرافعي وخاصة بعد مجيء الثورة المصرية عام 1952م ثم بعد بروز شخصية جمال عبدالناصر قائدا عربيا شعبيا ، تطورت هذه الكلمة إلي مصطلح سياسي ما سمع به الرافعي إلي أن مات ، ولهذا فسيكون من التهويل أن نقول إن الرجل كان يدعو إلي ( القومية العربية ) .
ولكن حتي قبل تطور الكلمة إلي مصطلح سياسي فهل كان الرافعي يدعو إلي العروبة بحسبانها كيانا جامعا للعرب ؟ هل كان يدعو إلي جامعة عربية ؟ خاصة وأنه بعد الحرب العالمية الأولي 1914 – 1918 قامت جامعات علي أساس العناصر كالجامعة السلافية ، والجامعة الصربية ، والجامعة الإفريقية ( بان أفريكانيزم)Pan Africansim ويقيني أن الرافعي مافهم العروبة علي هذا النحو أبدا ، بل كان يري العروبة والعربية مما يتوسل به إلي ماهو أهم منه وهو الإسلام.
وعند جهينة الخبر اليقين :
"وهو في وطنيته ( مسلم ) لايعرف له أرضا من أرض الإسلام ، ينتسب إليها حين يقول وطني ، فالكل عنده وطنه ، ووطن كل مسلم ، فأنت لم تكن تسمعه يقول : الوطنية المصرية أو الوطنية السورية أو الوطنية العراقية إلا كما تسمع أحد يقول : هذه داري من هذه البلد ، أوهذه مدينتي من هذا الوطن الكبير ، الذي يضم اشتاتا من البلاد والمدائن وإنما الوطن فيما كان يراه لنفسه ولكل مسلم هو كل أرض يخفق فيها لواء الإسلام والعربية ومامصر ، والعراق ، والشام ، والمغرب وغيرها ، إلا أجزاء صغيرة من هذا الوطن الإسلامي الأكبر ، ينتظمها كلها كما تنتظم الدولة ، شتي الاقاليم وعديدا من البلاد([17]) ".
4- منطلقاته الإسلامية
لايذكر الرافعي إلا ويقال الكاتب الإسلامي ، ولايذكر إلا وتذكر معه اسهاماته في مجال الدعوة القوية إلي الإسلام والذود العنيف عن حماه .
فهو مؤلف كتاب " اعجاز القرآن " وهو مؤلف كتاب " تحت راية القرآن" وهو مؤلف " تاريخ آداب العرب " ودواوينه وأشعاره ونثره وشعره المنثور كلها تحض علي التمسك بالإسلام وتبين مناقب الدين وتظهر مافيه من الخير المحض وتحبب فيه القراء وتجذبهم نحوه وتصد في إقتدار اي كيد يراد بالدين وقد عرفه العالم العربي والإسلامي كله صائلا جائلا يلبس لأمه الحرب ، لايفتر قلمه سيالا بكل تلك المعاني .
وفي النص الذي اوردناه في الصفحة الماضية محكيا عن محمد سعيد العريان([18] ) ، مايكفي للدلالة علي أن نظرة الرجل إلي العالم الإسلامي هي نظرته إلي أنه موطنه وأنه موئل فؤاده وأنه محط هواه ، وأن أمة الإسلام أمة واحدة .
فإذا كان الرافعي يؤمن بالأمة الإسلامية التي تجمع مختلف أوطان المسلمين تحت لواء واحد ، فما كان موقعه من الخلافة الإسلامية ؟ هل كان معها؟ أم ضدها ؟
ونحن نقول مستريحين أنه كان معها ففي الباب الثاني من ديوانه يمدح الخليفة عبدالحميد ، يقدم لهذا المدح بهذه الكلمات :
" قال يمدح أمير المؤمنين ، وخليفة الرسول الأمين ، ويهنئه بعيد جلوسه الميمون لسنة 1901م ويذكر حادثة الأرصفة التي كانت يومــئذ وتهديد فرنسا للدولة العلية ، حرسها الله([19] ) .
فهو يسمي السلطان عبدالحميد بأمير المؤمنين ، فهو أمير علي كل المؤمنين ، ثم إنه خليفة الرسول الأمين ، وهذه مهمة جدا أي أن الخلافة التركية عند الرافعي هي امتداد للخلافة الإسلامية التي بدات من لدن سيدنا أبي بكر الصديق ، خلافة لرسول الله صلي الله عليه وسلم ويسمي الخلافة التركية بالدولة العلية ، ويدعو الله تعالي لها بالحراسة والصون ولنأخذ ابياتا نستأنس بها في هذا الأمر :
وأصبحت الدنيا تضاحك أهلها وتبسم فيهم بشرها وبشيرها
تتيه بأعياد الملوك وكيف لا وعيد ( أمير المؤمنين) أميرها
أعاد به روح الخلافة ربها وجاء لها بالنصر فيه نصيرها
فراعت صنايد الملوك وماسوي مليك البرايا قد اقل سريرها
وجار عليها الدهر شعثا خطوبه فهب لها عبدالحميد يجيرها
وقد قرأت له نقدا لأحدي المجلات مرة فقـال إنه غير مستريح لها لأنها "انقرية" أتاتوركية([20] ) .
وذلك دليل آخر علي أن الرجل لم يكن راضيا عن انقلاب تركيا الفتاة الذي جاء بمصطفي كمال أتاتورك الذي صفي الخلافة فيما بعد وأرسي لتركيا العلمانية المتابعة للغرب الاوربي إلي يوم الناس هذا ، وقد كتب الرافعي مقالته الموجعة بعنوان ( كفر الذبابة)يعني بها أتاتورك .
إذن فإن الرافعي قد كان مع حكومة واحدة جامعة للعالم الإسلامي وأن هذه الحكومة لما كانت قائمة في تركيا كان يؤيدها ويشد من أزرها ويدعو لها.
لكننا قد نجد من يقول ولكنه كذلك مدح الخديو المصري وكان شاعر قصره ، والخديوي مستقل عن الخلافة العثمانية ، ونحن نقول إن الخديوي علي استقلاله الجزئي من الخلافة العثمانية لكنه لم يعلن ابدا أنه قد نفض يده عنها وأنه نزع يده من طاعتها ، وإنما كان دائما يقول إنه تابع للخليفة ، لايهمنا أكان ذلك التبع تبعا أسميا أم حقيقيا .
ثم إننا نجد الرافعي الأديب قد وقف كثيرا من أدبه المبين وبلاغته المؤثرة علي جمع القلوب الإسلامية نحو معاونة الفلسطينيين وهم يعانون الأمرين من ظلم اليهود في فلسطين ، هذا إذا علمنا أن الرافعي قد قال ماقال قبل عام 1948م عام اعلان دولة اليهود فنحن نعلم أن الرجل قد توفي عام 1937 لكنك واجده كما هو دائما كأنما ينظر بنور الله إلي ماسيكون وقد رأيناه في نداء عاطفي كتبه في الرسالة يحث الناس للتبرع لفلسطين فيقول: "إن كل قرش يذهب إلي فلسطين اليوم ، لايقول أنا قرش فلان ولكنه يقول " أنا إيمان فلان([21] ) " ثم يعدد الاهداف اليهودية في فلسطين فإذا قرأت ما قال قبل ستين سنة وماهو حادث اليوم تجده هو هو كأنه ملهم يوحي إليه .
وقضية فلسطين هي قضية المسلمين كلهم ولم يفهمها الرافعي إلا في هذا الإطار.. فلم يقل في نداءاته القوية ابدا " ايها العرب " بل كان دائما يقول " أيها المسلمون " ثم لنا بعد ذلك أن نسأل سؤالا مهما جدا وهو : إذا كان الرافعي هو كما وصفنا فإنه قائد من قواد الفكر الإسلامي فإلي أي مدي مضي بقيادته الفكرية هذه ؟ هل كون جماعة لتنطق بآرائه؟ هل انتمي لجماعة ؟ هل ايد جماعة ؟ وقبل ذلك كله هل كان يؤمن بالعمل في جماعة ؟ يقول صديقه وترجماته محمد سعيد العريان :
" لم يكن الرافعي عضوا في جماعة من الجماعات ، ولا منتسبا إلي حزب من الأحزاب، أو طائفة من الطوائف ، إذ كان يؤثر الوحدة والاستقلال في الراي ، وكان من التعصب لرايه والاعتداد بنفسه ، بحيث يابي ان ينزل عن رأي يراه ، مجاملة لصديق ، أو خضوعا لرأي جماعة ينتسب إليها ، وكان له من علته سبب آخر([22] ) .
ثم إن الرافعي لم يكن رجلا اجتماعيا ، يلتزم ما تعرض عليه الجماعة من تقاليد ، ويتخذ أسلوب الناس فيما يليق ، ومالايليق ، فهو لايتعبر إلا رأيه ، أوحاجته ، أو مصلحته ، فيما يكون بينه وبين الناس من صلات ، ولم يكن يعرف هذا النفاق الاجتماعي ، الذي يسميه الناس التقاليد ، أو الادب اللائق ، فهو بذلك كان عالما منفردا ، يسير في نهجه علي الهدف المؤمل ، علي وحي الفطرة او هدي الإيمان .
علي أن ذلك لم يمنع أن يكون هواه مع جماعة من الجماعات أو حزب من الأحزاب في وقت ما لسبب ما ولم يمنعه ذلك أن يكون عضوا في بعض الجماعات.
إذ أن الرافعي وهو في العشرين من عمره ألف جماعة تدعو للإصلاح الديني وكان معه عبدالفتاح المرقي متخذين مسجد (البهي) في طنطا مكانا لاجتماعاهم ، فعاداهما طلبة الجامع الاحمدي وهو نظير الأزهر في طنطا ، ولم تستمر تلك الجماعة طويلا.
ثم إنني (العريان يعني نفسه) وجماعة كونا (جمعية الثقافةالإسلامية) لإحياء الشعور بمعني القومية الإسلامية العربية ، فدعونا الرافعي فلبي الدعوة بعد تمنع ، ثم خطب في ذلك الاجتماع خطبة نارية لما تخلف الأزهريون عن حضوراجتماعنا لما دعوناهم إليه إلاّ ثلاثة منهم خطب قائلا :
" إن أديبا كبيرا من وزراء الدولة ، قد قالها مرة منذ ثلاثين سنة : لو قعد حماري في الأزهر خمس عشرة سنة لخرج عالما ، ومانحب أن يقولها اليوم أحد ، ليلحد في كفاية طائفة من أهل العلم ، والدين هم أكرم علينا ".
وأولت كلمة الرافعي ،" لو قعد حماري في الازهر بضع سنين لخرج أعلم من شيخ الأزهر([23] ) " ، وسعت طائفة من الأزهريين في وفد إلي مدير المديرية ، ليقمع الفتنة الرافعية .
ولكن شيخ الجامع الإحمدي وشيخ الأزهر ، آثرا التصالح مع الرافعي لعلمهما سلفا أنه في النهاية في صفهما ، ثم إن تلك الجماعة انحلت ، واسترضي شيخ الجامع الأحمدي الرافعي قائلا له: إن اعجاز القرآن الذي الفته يارافعي هو زادي " ثم أخرج ورقة فيها شعر ألفه شيخ الجامع الأحمدي فـي مدح المليك وقال للرافعي أن يصلحه لأنه هو للشعر والبيان([24] ) .
هل ايد جماعة ؟ في ذهني جماعة الإخوان المسلمين وهي جماعة مؤثرة ، بل هي الجماعة المؤثرة ، والتي كانت تنتظم في صفوفها جماهير عريضة من الشعب المصري ، والتي لولا بعض الأخطاء ، وبعض سوء التقدير ، وبعض الثقة الزائدة في بعض القيادات العسكرية لثوار عام 1952م وخاصة جمال عبدالناصر ، ثم لولا العامل الخارجي للسياسة الدولية ، لكانت قد حكمت مصر منذ حوالي خمسين سنة الآن .
وفي كل مطالعاتي في إنتاج الرافعي لم اجد سوي مرة واحدة إشارة واضحة لجماعة الأخوان المسلمين ، وذلك في مقالة له يصف فيها مسجدا ، وفيما قال في ذلك المقال ان شابا صغيرا متحمسا من ( جماعة الأخوان ) تكلم بعد الإمام وحث الناس علي التبرع لفلسطين وكان يحمل معه صندوقا للتبرعات ، فلما انتهي من ( هديره ) نزل من المنبر وقصد جماعة من كبار السن من العلماء ، فجلس إليهم باحترام وسلم عليهم ، والعلماء الكبار لم يعطوه أي شيء ليضعه في صندوق فلسطين بل إن كل واحد منهم أدخل يده في جيبه ثم لم يخرج شيئا واحد أخرج منديله وبصق فيه ، وثان اخرج ساعة ونظر فيها وثالث أخرج مسبحة ([25] ) .
وفهمت من كلامه أنه يود لو أنه شبان الاخوان المسلمين قد علموا أنفسهم أكثر فيما يتعلق بالدين وزانوا بذلك العلم حماسهم للإسلام واندفاعهم واخلاصهم له .
ونعي علي العلماء أنهم علي علمهم ، لايقدمون للدين شيئا فكأنه تمني لو أن الجهدين جهد الشباب والعلماء قد تكامل لمصلحة الإسلام . وكذلك لم أجد أية إشارة إلي علاقة له من قريب أو بعيد بالامام حسن البنا ، هل لم يلتقيا ابدا ؟ هل كان حسن البنا اصغر بكثير في سنه من الرافعي .. ربما أو ربما أن الرافعي لما كان أديبا كبيرا ذا صيت ذائع لم يكن حسن البنا يُعَدّ شيئا مذكورا .
ولقد وجدت فيما درست من الرافعي أنه كان له علاقة حميمة بالإمام محمد عبده ، فلقد ذكر محمد عبده واثبت ثناء استاذه الأفغاني عليه حين قال الأفغاني يخاطب محمد عبده " قل لي أبن أي ملك أنت ؟ ([26] ) ثم وصف الرافعي محمد عبده علي لسان احد الباشوات الذي جاءه علماء ظن بهم خيرا فإذا هم يتسولون بالشعر قال الرافعي علي لسان الباشا واصفا محمد عبده ، لقد كان كالسحابة مطوية علي صاعقة ([27] ) .
وثبتت علاقته المباشرة بالإمام محمد عبده ، وأن الإمام محمد عبده قد كتب له تقريظا مثبتا في كتابه " المساكين" يقول له فيه " احلك الله في الآخرين محل حسان في الاولين "([28] )
فالرافعي كانت له علاقة بصناع فكرة البعث الحضاري الإسلامي محمد عبده والإفغاني ولكني بكل أسف لم اعثر له علي أية صلة بحسن البنا ويبدو لي أن الرافعي كانت اسهاماته الاساسية من منطلقه الإسلامي تتمثل في ثلاثة أشياء :
أولا : ما كتبه من الكتب الكثيرة والمقالات الجزيلة .
فالرافعي في المقام الأول اسهم اعظم وأعمق أسهام بما كتب .. فدوره الأساسي والأكبر في المجال الإسلامي هو انتاجه المنشور في ذلك الشأن وخاصة وقوفه في وجه تيارات العلمنة التي قادها طه حسين وسلامة موسي وغيرهما .
ثانيا : اثره القوي والمباشر علي ثلاثة كتاب اسلاميين ذوي انتاج جزيل واثر محمود في تثبيت فكرة البعث الإسلامي وهم : محمد سعيد العريان ومحمود محمد شاكر ثم محمود أبورية .
وهؤلاء وإن لم يكونوا معه( جماعة) ( سياسية ) ذات نفوذ فإنهم قد كونوا معه تياراً ثقافيا قويا نافعا في اتجاه تقوية النظرة الإسلامية نحو العلم والثقافة والحياة .
ثالثا : ِحلْفه المتأخر غير المكتوب الذي تمثل في ارتباطه بمجلة الرسالة وصاحبها أحمد حسن الزيات، فالزيات قد كان يمثل الثقافة العربية الإسلامية العميقة الرصينة الهادفة الفنانة الوقورة ، ولقد كانت نعمة عظيمة جدا علي العالم الإسلامي وإضافة غاية في النفاسة للثقافة الإسلامية أن تفتح (الرسالة) أبوابها علي مصراعيها لمصطفي صادق الرافعي حتي يكتب فيها ما كتب .
وقد يتفرع عن هذه النقطة وإن لم يكن منها أنه صنع علاقة أخري حميمة مع شخصية سياسية كبيرة هي في محصلتها النهائية شخصية قومية وطنية علي الرغم من كونها قد تكون ذات اتجاهات علمانية في السياسة وتاتي الأمور الوطنية – وهي شخصية سعد زغلول والاتصال بمثل هذه الشخصية ذات الجاه العريض مفيدة للأديب ولإدبه ولحياته فهي تعطيه وتعطي مايدعو إليه نوعا من الحمايةغير المباشرة .
والمسلم المفكر الكيس ذو العقل وذو الهدف يعلم أنه لابد له من علاقة من هذا القبيل علي كل حال .
وعلي الرغم من أن الرافعي لم يغادر مصادر إلا مرة واحدة في حياته ، إلي لبنان لكننا قد وجدنا له علاقات مهمة مع بعض البلاد الإسلامية ، مما يدل علي أنه كان ينظر إلي العالم الإسلامي علي أنه عالمه .
1- تلقي علي يد البلاغ كتابا من كابول عاصمة افغانستان يطلب منه وضع نشيد باللغة العربية لجلالة الملك نادر شاه ، وكذلك وضع نشيد وطني لطلبة المدارس الأفغانية ، وقد وضع الأستاذ نشيد جلالة الملك من البحر الجديد ، الذي استخرجه وسماه ( قرع الحرب) ولم ينظم فيه أحد قبله ، وهو وزن حماسي قوي يكاد يشعر من يهتف به أنه في المعركة لافي الحياة العادية .
يحيا الاسد الأفغاني منتصرا بسيوف الله
يحيا ملك الأوطان يحيا ملكي نادر شاه
في يده سلمت يده سيف يقظ لم ينم
نصر الله يؤيده ودم الشعب المعتزم ([29] )
ولما توفي الأميرعبدالرحمن أميرافغانستان رثاه رثاء أثبته في ديوانه ([30] ) .
2- سعي إلي تأسيس جريدة كبري للعالم الإسلامي ، فقد كتب إلي ابي ريه يقول :
" والعالم الإسلامي مخذول في هذا العصر ، بدليل أنه ليس له ولاجريدة واحدة من الجرائد الكبري وكنت اقترحت علي المرحوم تيمور باشا ، أن يختم أعماله بالسعي في إنشاء هذه الجريدة ، وجمع رأس مالها أسهما من أغنياء المسلمين ، وفتح اكتتاب عام لها في الشعب ، ولو بقرش وقرشين ونصف قرش ، يجود كل مسلم بمايستطيع ، كمشروع القرش الذي انبعث الآن ، وأن يتولي هو رئاسة التحرير ، ويجمع فيها الأقلام الإسلامية ، من أقطار الأرض ، وتكون سياستها إسلامية محضة ، لتتساقط بجانبها كل صحف التدجيل الموجودة الآن ، ولتخفت اصوات عندها مثل أصوات .. وتموت البدع التي يعملون بها .. ألخ فأكبر الرجل لهذا ولكنه كان مصابا بمرض القلب ، فعجز عنه وهو رجل كان يستطيع أن يتبرع لهذا الفحل بعشرة آلاف ، بل كان المظنون ان يخرج من كل أمواله([31] ) .
وعلق علي مقالة له كتبها في احدي الصحف عن ( وحي الهجرة ) قائلا : والحقيقة إن الشباب الإسلامي الجديد في حاجة شديدة إلي كتابة من هذا النوع([32] ) .
وهذا يدل علي ان الرافعي يفكر في شباب إسلامي جديد علي نطاق مصر وربما خارج نطاق مصر .
3- كانت تاتيه طلبات من جمعيات إسلامية في العراق ولبنان وسورية ، ليكتب لها مقالات في مناسبات كالهجرة والمولد في مجلاتها وذلك يدل علي أن المسلمين في الخارج كانوا يعدونه كاتب الإسلام .
4- بعض كتبه درست خارج مصر في المدارس الاهلية الإسلامية كما حدث في حماة بسورية . إذ يقول الرافعي في رسالة لصديقه أبي ريه :
" جاءنا كتاب من حماة الشام بأن مدرسة دار العلوم الشرعية ، قررت تدريس اعجاز القرآن للفصل السادس فيها ، وقررت للفصل الخامس كتاب المساكين للمطالعة ، وحديث القمر للفصل الرابع وهذا بمسعي استاذ بها هو في الحقيقة ابورية الحموي ([33] ) .
واختم قولي في منطلقات الرافعي الإسلامية إلي أنني قد اسفت أشد الاسف غلي أن علاقة الرافعي ( بسيد قطب ) قد كانت علاقة عدوانية تشبه علاقته باستاذ سيد قطب آنذاك عباس محمود العقاد ، إذ لم يتفقا علي رأي واحد في الأدب ، وكنت دائما أدير في ذهني السؤال التالي : تري لوأن سيد قطب قد ألتقي بالرافعي في الستينيات قبل استشهاده أكان سينظر إليه بتلك النظرة نفسها أم أنه سيكون له كانه ولي حميم .
5- منطلقاته المهنية
أعني بمنطلقاته المهنية ، منطلقاته من حيث هو كاتب أديب ، وسيكون تحليلي لمنطلقاته المهنية في شكل أجوبة علي أسئلة سالتها نفسي :
أولا : كيف كان ينظر لنفسه بحسبانه كاتبا :
بسطنا في تاريخ حياة الأديب في غير هذا الموضع أنه بدأ حياته الأدبية شاعرا ، يود أن يتفوق علي الشعراء وأن يسودهم ، لكنه لم يكتف بالشعر فدخل في مجال النثر المشعور ليوسع مواعين وقوالب انتاجه وافكاره ، وبعد ذلك دخل في معارك أدبية شرسة جعلته يستيقظ لقيمته كاتبا إسلاميا يدافع عن الإسلام ، ولما شعر كان يحسب نفسه في الطبقة الأولي من الشعراء ، ولما نثر الشعر كان يتوق إلي مقام كبار الشعراء العالميين كهوجو حينما كتب المساكين إذ أن هوجو كان كتب البؤساء ، وكان يطمح إلي مقام برجسون ..إذ يقول لأبي رية في رسالة له ساخطا علي مصر " ألا يجوز للإنسان أنه يلعن هذه البقعة وأهلها ، بعد أن يري كلامه أرقي من كلام برجسون ، ثم لايري لنفسه شيئامن البرجسة ولارائحتها ولايستطيع أن يفرغ للأدب"([34] ) .
ولما انفتل يدافع عن الإسلام ويقمع خصومه كان المفرد العلم في ذلك ويكفي للدلالة علي ذلك أنه استغاث به ليرد علي مهاجمي الإسلام كاتبان في مستوي : شكيب ارسلان ، ومحمود محمد شاكر ([35] )
فهو قد كان في نظر نفسه أديب مصر الاول بلا منازع وقد راينا كيف انه ما كان يعد العقاد ولا طه حسين شيئا يؤبه له في الأدب ، ولم يكن ذلك من باب الانتفاخ الخيالي الذي لاجذور له فقد رأينا في دراستنا لانتاجه الأدبي والشعري والفكري مايجعله في مكان مكين في الصف الاول من أدباء عصره .
مامدي إخلاصه لهذه المهنة ؟
يتضح إخلاصه لمهنة الأدب أنه وجه لها كل همه وقد كان همه هما عاليا ، وكل جهده وقد كان جهده جهدا جبارا ، وكل وقته الذي كان يبتسره ابتسارا من الوظيفة التي اقلقت عليه ليله ونهاره .
هذا إذا علمنا أن الرجل كان مريضا ، ليس بالصمم وحسب بل إنه كان دائما يشكو من أمراض أخري ، إذ يقول خليل الهنداوي : وليت الأمر وقف به عند الصمم ، فقد تحالفت عليه أمراض كثيرة ، هدت جسده وأضعفت مقاومته، وصرعت دماغه ، فكان يعمل ويستريح .. ولو أنه تمادي في العمل لهدم نفسه هدما لايرحم([36] ) .
وهذا الرجل المريض كان يكتب الشعر ، والمقالة ، والقصة ، والنقيضة ، وتكون كتابته في شكل كتب مطبوعة ، ومقالات يومية واسبوعية وشهرية ، ولايقف عند ذلك الحد بل يحقق الكتب الكبيرة الضخمة يعكف عليها الليالي الطوال يعطيها جهد جسمه المريض وفؤاده الحديد وعزمه الذي لايميد ، ثم هو بعد كل ذلك لايكتفي بالكتابة الادبية علي تعدد انحائها التي ذكرنا ولكنه يؤلف التآليف العلمية الشاقة الصعبة ، فيؤلف ( تاريخ أداب العرب ) ثم يؤلف ( اعجاز القرآن )
ماهو انتاجه الأدبي : وهذه هي الإجابة :
1- ديوان الرافعي : ثلاثة أجزاء – صدرت بين سنتي 1903 – 1906
2- ديوان النظرات 1906 – 1908
3- ملكة الإنشاء – لم يبق منه إلا النماذج المنشورة في ديوان النظرات
4- تاريخ آداب العرب – صدر سنة 1911م ويراه أكثر الأدباء كتاب الرافعي الذي لايعرفونه إلا به .
5- اعجاز القرآن – وهو الجزء الثاني من تاريخ آداب العرب ، طبع ثلاث مرات آخرها علي نفقة المغفور له الملك فؤاد – وطبع بعد ذلك
6- حديث القمر سنة 1912م
7- المساكين سنة 1917م
8- نشيد سعد باشا زغلول أسلمي يامصر سنة 1923م
9- النشيد الوطني إلي العلا – لحن منصور عوض
10- رسائل الاحزان سنة 1924م
11- السحاب الأحمر – الجزء الثاني من ( رسائل الأحزان ) صدر بعده بأشهر ( الطور الثاني من حب فلانه )
12- المعركة تحت رأية القرآن سنة 1926م
13- علي السفود – ليس فيه اسم ، نشرته العصور علي ايام اسماعيل مظهر باسم ( امام من آئمة الأدب العربي )
14- اوراق الورد – الجزء الأخير من قصة حبه
15- رسالة الحج ، أنشاه في صيف 1935م استجابة لرأي صديق المرحوم حافظ عامر وإليه ينسب .
16- وحي القلم – مجموع مقالات في الرسالة بين سنتي 34- 1937 – إلي مقالات أخري – طبع منه جزءان في حياته ثم أعيد طبعه مع الجزء الثالث أكثر من مرة بعد موته ([37] ) .
كتب لم تطبع
1- الجزء الثالث من تاريخ آداب العرب ، لكن هذا طبع عام 1940م
2- اسرار الاعجاز
3- ديوان الشعب وهو ديوان شعر ( جعل فيه لكل جماعة أو طائفة من طوائف الشعب نشيدا أو أغنية عربية تنطق بخواطرها .
4- الجزء الثالث من وحي القلم طبع سنة 1942م
5- الجزء الأخير من الديوان: مجموعة كبيرة من شعره بين سنتي 1908- 1937 بما فيه من شعر الحب والمدائح الملكية
6- هذا إلي شتيت من المقالات والرسائل الأدبية ([38] ) .
ثم مقالات منحولة([39] )
1- تقريظ أحمد زكي باشا لكتاب الرافعي تاريخ آداب العرب ، وقع أحمد زكي وكتب الرافعي المقالة بنفسه سنة 1911م
2- وكذلك تقريظ أحمد زكي باشا لنشيد أسلمي يامصر
3- احمد زكي نوي اعداد معجم لغوي كبير قبيل وفاته ، الف الرافعي فيه فصولاً تمامها واعدها للإمضاء ولكن المنية اعجلت الباشا .
4- نحل اخاه المرحوم محمد كامل الرافعي شرح ديوانه الذي أصدر منه ثلاثة أجزاء سنة 1903- 1905 وكان الشارح هو الرافعي نفسه .
5- استرحام في قضية عجوز قتلها زوجها الشاب العابث لينال ثروتها ، فاتهم زوج اختها واختها ، ولبلاهتهما لبسهما الجرم ، فسجنا سجنا مؤبدا ، ولم يبق سوي الاسترحام ، وطلبت أسرة الحبيسين من المحامي حافظ عامر أن يعمله من أجلهما ، فطلب حافظ عامر ذلك من صديقه الرافعي ، فاستجاب الرافعي وكتب استرحاما في أربعين صفحة ، وكان آية من آيات البيان ونجح الاسترحام ، فافرج عن السجينين واعطي الرافعي سبع عشرة جنيها واستبقي المحامي لنفسه ثلاثا وثمانين جنيها من أصل المائة المدفوعة .
6- كتب بناء علي طلب صديقه جورج إبراهيم كلمة عن المسيح لتلقيها فتاة مسيحية ن في حفلة مدرسية في ليلة عيد الميلاد ، فكتب الرافعي كلمة مسلمة في تمجيد المسيح وألقتها الفتاة في حفل حاشد من المسيحيين المثقفين ، فخلبت ألبابهم واستحقت منهم أبلغ اعجاب ونشرت في( المقتطف ) منسوبة للفتاة ، وكانت عند أكثر القراء المسيحيين انجيلامن الأنجيل ( يقول محمد سعيد العريان ، وتحت يدي الآن النسخة الأصلية من هذه الكلمة مكتوبة بخط الرافعي ، وفي أخر يتفكه مع صديقه جورج إبراهيم قائلا : وعلي الارض السلام ن وفي الناس المسرة والمضرة والمعرة ياعم جورجي ).
7- حديث مصنوع لمجلس من مجالس الشيخ الامام محمد عبده مع تلميذه عبدالرحمن النجومي صهر الرافعي وصديقه ليصدر به الأول من مجلة البيان في منافسة مع تلميذ الامام الآخر رشيد رضا وماكتب ذلك سوي الرافعي .
والعجيب ان رشيد رضا علق علي هذا الكلام المنحول قائلا : لقد كنت حاضرا مجلس الشيخ وسمعت منه هذا الحديث ولكني لم اجد له من القيمة الادبية مايحملني علي روايته .
8- مقدمة شرح ديوان المتنبيء الذي نشره البرقوقي ، كانت من تأليف الرافعي .
9- ومن ذلك مقالات كان الرافعي يكتبها باسماء طائفة من ناشئة الأدب والمتادبين ، ليدفع عن نفسه في معركة ، أو يدعو لنفسه لمغنم ، أو ليعين صاحبا علي عيش ، أو ليوحي إلي ( صاحب الإمضاء ) ايحاء يدفعه إلي الاستمرار في الادب ، والأمل أن يكون غدا من الكتاب المشهورين([40] )
فما عسي الإجابة تكون علي سؤالنا عن اخلاصه لمهنته وهو علي ماذكرنا من مرضه وتعويقه وقد ألف نيفا واربعين مؤلفا .
سؤال أخر مهم وهو :
لماذا عارك الادباء كل هذا العراك ؟
اقول باختصار شديد بعد أن اطلب إلي من يتوق إلي معلومات مفصلة اكثر الرجوع إلي فصل المعارك الأدبية ، أقول إن الرافعي قد عارك عراكا عنيفا في مجمله لاسباب يمكن ان نختصر فيما يلي :
1- أحيانا من أجل اثبات الذات وأن يجعل المجتمع الادبي يلتفت له ، كما في مقالتي الثريا عام 1905م عـندما صنف الأدباء ووضع نفسه في طبقتهم الأولي وآخر شوقي .
2- من أجل إظهار قوة العارضة والتمكن والصولة والجولة وقد وضح ذلك جليا في معاركه مع العقاد.
3- الصيال من أجل الإسلام ذلك قد كان بلا شك في معركتين واحدة صغيرة وأخري كبيرة :
أ- أما الصغيرة ففي رده علي حسن القاياني لما فضل القياني كلمة العرب " القتل انفي للقتل علي آية للقرآن الكريم ( ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب ) ([41] ) .
ب- أما الكبيرة بل الكبري بل أم معاركه كلها فهي معركته مع طه حسين حين نشر طه كتاب " في الشعر الجاهلي " والتي طبع مقالاتها كلها فيما بعد في كتابه ( المركة : تحت راية القرآن )
3-معارك من أجل اللغة العربية : وقد كان ذلك متمثلا في ذوده عن الأسلوب العربي الاصيل مدافعا في ذلك دعوات تمصير اللغة والدعوة إلي العامية وتحديد الأسلوب وفي ذلك تصدي حميدا محمودا لسلامة موسي واضرابه .
4- معارك ذات طابع شخصي كمعركته مع عبدالله عفيفي .
ويلام الرافعي احيانا في أنه في بعض معاركه مع الأدباء كان عنيفا اكثر مما يلزم وأنه احيانا كان يتجاوز كل الحدود وقد ذهب النقاد في ذلك مذاهب عديدة .
ولكني أعزو تلك الشدة في غالبها إلي طبيعته الوعرة ، وصممه وانغلاقه عن المجتمع ثم إلي هذه السخرية الأليمة التي كانت جزءا من تكوينه النفسي واخيرا ربما لشعوره ان الآخرين يستطيلون عليه لعلته البدنية ولكونه غير مصري ثم لتواضع منصبه الوظيفي.
بقي لنا سؤال اخير وهو :
ماهو اسهامه الذي انفرد به في الادب .. أي ماهو الشيء الذي يشار إليه في الانتاج الأدبي للرافعي ثم يقال : لولا الرافعي لما كان هذا ؟
هذا السؤال ربما يجاب عنه بتفصيل كما يلي :
أ- في شعره : كان يفخر بأنه " شاعر الحسن" وشعراء الحسن غيره كثيرون ولن يكون بذلك قد أنفرد بشيء ، ويقول بعض النقاد إنه انفرد بالنشيد ، ولكني اري أن أناشيد شوقي في الجزء الثالث من ديوانه التي كتبها علي السنة الحيوانات ربما تفوق في عددها كل شعر الرافعي ، وحتي شعر التهذيب قد سبقه إليه كثيرون ، ولا أري له إضافة قد انفرد بها في الشعر ، مع إنني إري أنه شاعر كبير ومجيد ، بل ومن كبار شعراء مصر في عصره ، لكنني لا أعني ذلك حين أرد علي هذا السؤال وإنما أعني الإنفراد بشيء كأن تقول انفرد شوقي بالشعر المسرحي مثلا ، وعموما فإنني أري أن الرافعي بانسحابه من ميدان الشعر قد أحسن صنعا إذ اتجه إلي ميادين اخري أظهر فيها تفردا.
ب- النثر المشعور او الشعر المنثور : أولاً:
هذا ميدان من ميادين تفرد الرافعي واول شيء في هذا الميدان أنفرد به هو أنه " سمي نوعا من النثر شعرا " وهذه إضافة نوعية ، واصطلاح له مابعده ، قامت علي قواعده مدرسة شعرية كاملة رضي مؤسسوها بذلك أم أبوا وهي مدرسة الشعر الحديث ، واراني اقول بكل ثقة إن الرافعي حتي – بوعي او بغير وعي – قد مهد لهذه المدرسة .
ثانيا : إنه قد ألف بهذا الشعر المنثور كتبا ذات قيمة عالية وفنية فارهة وشفافية خارقة وكتبه النثرية المشعورة هي :
1- حديث القمر
2- المساكين
3- رسائل الأحزان
4- السحاب الأحمر
5- أوراق الورد
لكني أري قيمة خاصة جدا لكتابيه ( المساكين ) و( أوراق الورد) وقد فرغنا من نقد الكتابين وتبيان قيمتهما ولانريد أن نعيد أو نكرر .
ولكني أري أن كتابيه المساكين وأوراق الورد إضافة متفردة للمكتبة العربية وتضع الرافعي كما طمح – وبحق – مع هوجو وبرجسون وشكسبر وغوتة وعمالقة الكتاب العالميين .
ج – هل تفرد محققا وعالما .؟
ظهر في ذلك في تأليفه لكتابيه أعجاز القرآن و " تاريخ آداب العرب" ثم تحقيقه لبعض كتب التراث ، وحتي هذا لايسلم له به فالعلماء في العالم الإسلامي كثيرون والمحققون أكثر . ولا أري أن ذلك مما يدرج له في التفرد.
د – نثره : لقد قام بعمل كبير في كتابه" وحي القلم " باجزائه الثلاثة التي تمثل نثره اعظم تمثيل ، ونثر الرافعي نثر ذو خصائص عظيمة وقد وصفه العلامة الزركلي بأنه " من الطراز الاول " لكن قد كان بمصر وغيرها ناثرون من الطراز الاول كأحمد حسن الزيات ، وشكيب أرسلان والعقاد ، وطه حسين ، والمنلفوطي وغيرهم ، وقد لايسلم للرافعي بأنه قد ( أنفرد) في مجال النثر بشيء لم يكن لغيره علي أنه لاينكر له ان نثره من اعلي ماعرف من نثر معاصريه.
هـ - في معاركه الادبية :
نعم قد أنفرد الرافعي في معاركه الأدبية بشيء لم يكن لغيره وذلك هو:
1- الحجج المفحمة
2- استيحاء التراث
3- الاندفاع الحماسي وكانه يدير معركة حقيقية
4- السخرية المؤلمة
5- الخلق والتوليد
6- الشاعرية
7- الفلسفة
8- تم الاجهاز النهائي علي الخصم
ومايقرا قاريء معارك الرافعي الأدبية إلا ويهز راسه قائلا: سبحان الله .. لاحول ولاقوة إلا بالله ، وكفي به تفردا أن أسكت في معاركه هذه جباري الأدب العربي : طه والعقاد.
المراجع :
1-سورة البقرة الآية ( 178)
2- ملف مجلة الفيصل الخاص العدد رقم ( 179) جمادي الأولي 1412 هـ السنة الخامسة عشر نوفمبر ، ديسمبر 1991م ، ص 36
3- محمد سعيد العريان ، حياة الرافعي ، ص 23
4- مجلة البيان ، عدد يناير 1923م
5- ال
|