English   Français

   

آخر تحديث: الجمعة 27 جمادى الآخرة 1433 هـ الموافق 18 مايو 2012م

بحوث >> 


2010-06-28 التعايش مع غير المسلمين

التعايش مع غير المسلمين

فضيلة الشيخ / سلمان بن فهد العودة

التعايش: مفردة العيش، ومشتقاتها مادة مستخدمة في اللغة العربية، ومستبطنة فيها بوضوح، غير أن ‏المفهوم المعاصر لكلمة (التعايش) بات ذا صخب وجدل شديد؛ جعل بعض المهتمين الإسلاميين يحسُّون بأن ‏هذا الكلمة حُقنت بمفاهيم ذات دلالات سلبية شائعة، تجعل الشريعة كلًّا مباحًا.‏

وهناك تخوفٌ من أن هذا المفهومَ قد يكون خلفه تذويبٌ لأسس الإسلام، وتقديمُ أنصافِ العقائدِ وخليطٍ من ‏الإسلام، وهذه دعايةٌ مسيئةٌ بحقٍّ للوجه الإيجابي لهذا المفهوم، ودعايةٌ مسيئةٌ بحقِّ الإسلام، إضافة إلى أن ‏نسبته إلى الفكر الغربي الذي أشاعه بهذا الاسم أوجد شيئًا من التخوف المشروعِ بأن ترويجه الغربي تم ‏بإرادة متنفذة؛ لتغييبِ القيم الإسلامية، وإدماج المشرق مع الغرب وذوبان هويته، وعلى تقديرنا لهذا التحفظ ‏غير أن انتشار المفهوم بهذا الاسم (التعايش) في أدبيات مختلفة لا ينفي إطلاقًا أساس المعنى المحفوظ ‏والمعترف به والمقدم في النصوص الإسلامية.‏

إنه لا ينبغي التحفظُ مِن هذا المصطلح أو غيره؛ لكونه محقونًا أو مشحونًا، إذ لا مشاحة في الاصطلاح- كما ‏قيل- ، ويفترض أن يكون التعاملُ معه بهدوء وواقعية؛ بردِّهِ إن كان خطأً، وفرزه إن كان قابلًا، وهذا ما ‏يدعونا إليه الدين الإسلاميُّ وقواعدُه، ذلك أن: (الْكَلِمَة الْحِكْمَة ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ، فَحَيْثُ وَجَدَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا)، ‏أخرجه الترمذي، وقال: غريب، وابن ماجه(1).‏

إنَّ المفهومَ السلبيَّ للتعايش -بمعنى التنازل عن العقيدة أو تقديم نصف عقيدة أو بعض دين- مرفوض تحت ‏أيِّ مسمًّى جاء به؛ {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} [البقرة: 85]، بيد أن المفهوم الإيجابي له ‏بالتوصل إلى مستويات أخلاقية في الحوار والاتفاق على أسس العيش والتصالح، وتقديرِ الاختلاف، ‏والاعترافِ به، والاعتراف بالتعدُّدِيَّة؛ أمر جاءت به الشريعةُ الإسلاميةُ، ومن الجدير بالتنبيه عليه أن القرآن ‏الكريم جاء بمصطلحات ربما تكون أوسعَ معنًى، وأشملَ تعاملًا من مصطلح التعايش؛ قال تعالى: "يَا أَيُّهَا ‏النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا" [الحجرات: من الآية13]، فلفظ ‏‏"التعارف" ليس مقصورًا على الاسم والقبيلة، إنما هو خطاب للبشرية بالمعنى الواسع في تبادل المعارف ‏والعلوم والمحاسن والفضائل.‏

ويقول تعالى: "وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ‏وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ"[المائدة: من الآية2]، فالتعاون على الخير ‏والمصلحة مفهومٌ شرعيٌّ ناصِعٌ، متفق عليه، سواء مع الموافقِ أو المخالفِ؛ لأنه تعاون على معنًى صحيحٍ، ‏وهو البرُّ والتقوى، وليس الإثم والعدوان، وذلك المفهوم (التعاوني) و(التعارفي) في غاية التبشير للناس، ‏وتقديم أفضل القيم التي ترفع بني الإنسان، وتقربهم من هداية الله بدينه العظيم (الإسلام).‏

ومن المقرر أن أوضاعَ البشريَّةِ وأحداثَها وقانونَ الاختلافِ هي بإذن الله القدري الكوني، "وْلو شَاء اللّهُ مَا ‏أَشْرَكُوا" [الأنعام: 107]، {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً} "وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ* إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ ‏وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ"[هود:118- 119]، وذلك الاعتراف بالاختلاف والتعدد يحمل في داخله معرفة ضرورية بوجود ‏الشر والخطأ... إلخ المجافية لقيم الفضيلة والأخلاق والتقوى، وليس معنى التعايش قبول هذه الأوضاع ‏السيئة وتبريرها بطريقة منطقية، ولا إبطال قانون المقاومة، والدفع بالتي هي أحسن، والأمر بالمعروف ‏والنهي عن المنكر...، فهذه قيمٌ شرعيَّة ثابتة، لا مزايدة عليها.‏

إن معنى التعايش هو: قبول التصالح الدنيوي والوجود والجوار في الاتفاق على جملة من الأخلاق الإنسانية ‏التي تتيح فرصة لتبادل الحوار والإقناع.‏

والمؤمن مُصلحٌ آمرٌ بالمعروف والخير، ناهٍ عن المنكر والشر، حريصٌ قدر المستطاع على دفع الباطلِ بالحق ‏والجهلِ بالعلم..، عارفٌ بمواقعه، معتدلٌ في رؤيته للإصلاح، فالرؤية المثالية التي يحمل بعضنا الناس عليها ‏هي بمثابة حملهم على جبل وَعْر، والناس فيهم الضعيف والكبير وذو الحاجة والمختلف والمتفق؛ ممن قد لا ‏يتحملون ذلك.‏

ولَمَّا حَاصَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الطَّائِفَ فَلَمْ يَنَلْ مِنْهُمْ شَيْئًا قَالَ: (إِنَّا قَافِلُونَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ). فَثَقُلَ ‏عَلَيْهِمْ – يعني الصحابة- وَقَالُوا نَذْهَبُ وَلاَ نَفْتَحُهُ! فَقَالَ: (اغْدُوا عَلَى الْقِتَالِ)، فَغَدَوْا فَأَصَابَهُمْ جِرَاحٌ. فَقَالَ: (إِنَّا ‏قَافِلُونَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ). فَأَعْجَبَهُمْ، فَضَحِكَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم(2).‏

ومن الافتئات على مقاصد الشريعة ودعوة الإسلام أن تصطفيَ مجموعةٌ نفسَها تحت أي مسمى، تحتكر ‏الصوابَ، والرؤيةَ الصائبةَ المطلقةَ، وتعتبر الخارجَ عن سلطتها مفتونًا حلالَ الدم أحيانًا، معلنة عن بيعة ‏ملزمة عندها هي مفرق الحق من الباطل بين الناس، وهذا أنموذج هو في نفسه فتنة، ولا عهد لنا به في ‏الشريعة الإسلامية التي حقنت دماء من لا يؤمنون بها أصلًا، من يهود ونصارى وغيرهم، بموجب عقد ‏واتفاق على مر عصور التاريخ.‏

إن النموذجَ العظيمَ للتعايش هو أنموذج المدينة المنورة، عاصمة الإسلام، وحامية بيضته وحوزته، ومنطلق ‏دعوة آخر الأنبياء صلى الله عليه وسلم؛ ففي مرحلتها الأخيرة وفترة التمكين شاء الله ألا تكون المدينة ‏للصحابة والسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار فقط، بل شاء أن يشاركهم فيها اليهود والوثنيون ‏والمنافقون وضعفاء الإيمان، جنبًا إلى جنب، بل وشاء الله أن يموت رسول الله صلى الله عليه وسلم ودرعُه ‏مرهونةٌ عند يهوديٍّ، كما في الصحيحين(3)، في إشارة إلى أن هذا المعنى محكم ثابت، لا يمكن نسخه أو ‏العبث فيه.‏

إن التعايش هو نوعٌ من التعاونِ والتعارفِ في المشترك الحضاريِّ والإنسانيِّ وتبادل الخبرات، التي تعين ‏الإنسان على عمارة الأرض، ونشر قيم الخير التي يتفق الناس على الاعتراف بها، وذلك كله نوع من فتح ‏المجال لنشر الإسلام ودعوته، وذلك كله لا يعني الدعوة لأفكار المختلف أو شرعيته دينيا، بل القبول في ‏التعايش الدنيوي لفتح الحوار دينيا ودنيويا.‏

والصحابة –رضي الله عنهم- أدركوا أنهم أصحاب ديانة تختلف جوهريًّا عن الديانات الأخرى، فالفارق عميق ‏وأصيل وراسخ في العقيدة والإيمان والكتب والعبادة.. لكن ثمت معنًى مشتركٌ، ومصلحةٌ دنيويةٌ جامعةٌ أحيانًا ‏‏"قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا ‏أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ" [آل عمران: 64].‏

والرسل هم أعظمُ الخلق إيمانًا، ومع ذلك عايشوا قومَهم رغم الكفرِ المطلَقِ والإيمان المطلق، فنوح - عليه ‏السلام- مكث ألف سنةٍ إلَّا خمسين عامًا في قومه، يقول الله جل وعلا: "قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا ‏‏* فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ ‏وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا * فَقُلْتُ ‏اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا"[نوح:5- 10]، فهو يدعوهم، ويجادلهُم بالتي هي أحسن، وبالحوار الهادئ ‏الموضوعيِّ الذي من خلاله يصلُ الحقُّ إلى أصحابِ العقولِ السليمةِ، وهذا جزءٌ مِنَ التعايشِ.‏

إن التعايشَ لا يَعنِي تركَ رأيِكَ الخاصِّ الفرديِّ، فضلًا عن عقيدتك ودينك، فالرأيُ الذاتي هو جزءٌ من شخصية ‏المرء، ولا يملك أحد أن يطالبَ الآخرين بتغييره أو مخالفته، إلا أنه يبقى في النهاية مجرَّد رأيٍ شخصيٍّ، ‏والمطلوب هو: التخلي عن التعصب المحتقن، والانفعال الجاري في غير قناته، وإحلال الحوار والدعوة بالتي ‏هي أحسن محله؛ فالتعايش: تَرْكُ التعصبِ للرأي والإكراهِ فيه، لا تركُ الرأيِ نفسِه أو المساومة عليه، وبين ‏هذا وذاك بون عظيم.‏

إن من الملاحظ أن التعايش غدا بعيدًا عن واقع بعض القِطاعات الإسلامية ليس مع الديانات الأخرى؛ بل مع ‏أبناء الملة الواحدة، بين المذاهب الفقهية، والجماعات الإسلامية، والدول، بل بين القبائل العربية أحيانًا، في ‏حالة من العنف والعدوانية يطير معها شاهد اللُّب ويغيب، وهو يتساءل من أين جاءنا هذا المأزق؟!!‏

إِلامَ الخُلفُ بَينَكُمُ إِلاما؟!‏

وَهَذي الضَجَّةُ الكُبرى عَلاما؟!‏

وَفيمَ يَكيدُ بَعضُكُمُ لِبَعضٍ؟!‏

الكثير يظنون، أن طرح موضوع التعايش لا يكون إلا في حالات الضعف والتمزق والتشرذم فقط، والشواهد ‏تنادي على أن التعايش يكون أرسخَ أسسًا وأعمقَ جذورًا في زمن القوة والقدرة، فالقادر على صناعة ‏التعايش والسلم هو القادر على صناعة حرب وقتال، ومن لا يصنعُ حربًا لا يصنعُ سلامًا، بينما يعاني مفهومُ ‏التعايشِ من الانهيار والانتهاك في أزمنةِ الضَّعفِ والشتاتِ.‏

إن القوة في تحمل الناس بآرائهم وخلافاتهم، والسيطرة على دوافع النفس وشهواتها ونزغاتها، وكبح ‏جماحها، وليس في فرض الرأي بالقوة يقول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم- كما في الصحيحين- : «لَيْسَ ‏الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ»(4).‏

وعندما فتح أمير المؤمنين عمر بن الخطاب – رضي الله عنه- القدس امتنع أن يصلي داخل الكنيسة- وهو ‏القوي المنتصر- وقال، وهو المحدث الملهم: أخشى أن يتخذها المسلمون بعدي سنَّةً، فيصلون فيها، ‏فيضايقون أهلها، ويقولون: هنا صلَّى عمر(5)، فصلى عمر رضي الله عنه خارجها، وأعطى المسيحيين ‏الأمان على حياتهم، وحقن دماءهم.‏

وفي حين قتل الزعيم النصراني "ريتشارد" أكثر من ألفين وسبعمائة أسير مسلم في لحظة واحدة وصلبهم ‏خارج أسوار مدينة عكا؛ لتأخر ما اتفق عليه مع المسلمين، يقوم صلاح الدين الأيوبي رحمه الله بحقن دماء ‏أهل القدسِ جميعًا؛ مسيحيين ويهود - وهو القادر على النكاية- عاقدًا صلحه الشهير باسم (صلح الرملة) في ‏‏(22 من شعبان 588هـ) (2 من سبتمبر 1192م)، في أعظم صور التعايش في زمنه.‏

إن التاريخ الإسلامي هو تاريخ القوةِ والانتصار، وهو نفسُه تاريخ التعايش وضبط العهد والميثاق، يقول الله ‏سبحانه وتعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ"[المائدة:1]، يقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي ‏رحمه الله في تفسيره عند هذه الآية: هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين، بما يقتضيه الإيمانُ بالوفاء ‏بالعقود: أي بإكمالها، وإتمامها، وعدم نقصهِا.. وهذا شامل للعقود التي بين العبد وربه من التزام عبوديته، ‏والقيام بها أتم قيام، وعدم الانتقاص من حقوقها شيئًا، والتي بينَهُ وبين الرسول صلى الله عليه وسلم بطاعته ‏واتباعه، والتي بينَهُ وبين الوالدين والأقارب، ببرِّهم ووصلهم، وعدم قطيعتهم، والتي بينَهُ وبين أصحابه ‏‏(المتقين) من القيام بحقوق الصحبة في الغنى والفقر، واليسر والعسر، والتي بينه وبين الخلق، من عقود ‏المعاملات كالبيع والإجارة ونحوهما...(6).‏

وقال سبحانه وتعالى: "وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا"[الإسراء:34]، وفي الصحيح «مَنْ قَتَلَ نَفْسًا ‏مُعَاهَدًا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا»(7)، بل في البخاري ومسلم: أن ‏النَّبِي صلى الله عليه وسلم مَرَّتْ بِهِ جَنَازَةٌ؛ فَقَامَ. فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهَا جَنَازَةُ يَهُودِي!. فَقَالَ: «أَلَيْسَتْ نَفْسًا؟!» (8).‏

وهذا ابن تيمية رحمه الله، يخاطب سرجوان ملك قبرص في رسالته المشهورة بقول: «بلغني ما عند الملك ‏من الديانة والفضل ومحبة العلم وطلب المذاكرة ورأيت الشيخ أبا العباس المقدسي شاكرًا من الملك: من رفقه ‏ولطفه وإقباله عليه، وشاكرا من القسيسين ونحوهم. ونحن قوم نحب الخير لكل أحد، ونحب أن يجمع الله لكم ‏خيرَ الدنيا والآخرة(9).‏

ولم يرض ابن تيمية بفكاك أسرى المسلمين وحدِهم، بل طالب التتار بفكاك أسرى اليهود والنصارى قائلًا: بل ‏جميع من معك من اليهودِ والنصارى الذين هم أهل ذمَّتِنا; فإنا نَفْتَكُّهُم ولا ندع أسيرًا لا من أهل الملة، ولا من ‏أهل الذمة.. وكذلك السبي الذي بأيدينا من النصارى يعلم كل أحد إحساننا ورحمتنا ورأفتنا بهم، كما أوصانا ‏خاتم المرسلين.. (10).‏

إن الهزيمة النفسية أحيانًا تجعل بعض الناس يشعرون أن هذا اللون من الحديث يفضي إلى تبرير الانهزام ‏والرضا به، والبعض الآخر يطرحون صورةً مثاليةً لا واقعَ لها عن التعايش، وتحريرُ مدلولِ التعايشِ وفهمُه ‏كافٍ في رفع الالتباس.‏

إن نجاح التعايش مرهون بصوتِ العقلاءِ الَّذين يقدِّمون لغة الحوار الهادئ، الهادف الذي يحقق المنشود، ‏ويصل لهدفه بيسر وسهولة، كما أن إخفاقه مرهون بصوت الحمقى الذين لا يعرفون إلا مصالحهم فقط، حين ‏يعتمدون لغة القوة والعنف بشكل كبير في إداراتهم ومطابخ قراراتهم، ومن هنا شنَّ صناعُ الحروب وعرابوها ‏حربًا، ليس على العالم العربي والإسلامي فقط، بل على كل من ليس معهم أو مع إدارتِهم؛ مما قطع كل طريق ‏أمام الاعتدالِ والفهمِ الإنسانيِّ المشتركِ والمصالحِ الاقتصاديةِ والأخلاقيَّةِ الإنسانيَّةِ، والتي هي محل اتفاق عند ‏العقلاء جميعًا، لكن القادة العسكريين لا يفكرون إلا بطريقة عسكرية، مما جعل الحوارَ يصل إلى طريق مغلق ‏مسدود.‏

إن الدين لم ينزل - كما يظنه البعض- لتأجيج الصراع بين الناس، بل لضبط العلاقة وتنظيمها وعمارة الأرض، ‏يقول الله جل وعلا: "هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا"[هود: من الآية61]، ولهذا لما خلق الله آدم؛ ‏خلقه من أجل عمارةِ الأرض، والسعي فيها، والضرب فيها؛ قالت الملائكة لربها تبارك وتعالى: " أَتَجْعَلُ فِيهَا ‏مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ"[البقرة: من الآية30]؛ فعلموا أن الفساد في ‏الأرض، وسفكَ الدماء مما يكرهُه الله عز وجل، فندركُ من هذا أن اللهَ لم يخلق البشرَ ولم ينـزِلِ الكتبَ لأجل أن ‏يحتربوا ويتنازعوا.‏

إن مما يلزم مراعاته فقه تحقيق المصلحة ودرأ المفسدة، ذلك أن مصلحة التعايش ظاهرة وميسرة، ونفعها ‏جلي.‏

وفي السيرة والفقه أبواب كثيرة، كلها ينبغي استعمالها، وتوظيفها حال احتياجها.‏

فهناك: أبوابٌ للهدنة، وأبوابٌ للصلح، وأبوابٌ للموادعةِ، وأبوابٌ للعهد، وأبوابٌ لغير ذلك مما ينبغي على ‏الإنسان أن يتأمَّلَ ما يكون مناسبًا منه للحال والمقام.‏

إن الناس جميعًا يحتاجون في كثير من الأحيان إلى أن يتعايشوا فيما بينهم بهدوء وموادعة ومتاركة، بعيدًا ‏عن إدارة الحرب والصراع، والانشغال عن الأولويات بما هو دونها.‏

إن استمالة القلوب، واستقطاب العقول للتعرُّفِ على هذا الدين والدخول فيه لا يمكن من دون استعمال الصبر، ‏والرفقِ واللينِ والمداراةِ، واحتمالِ الأذى، ومقابلةِ الإساءة بالإحسان، كما أمر الله - تبارك وتعالى- في ذلك ‏في غير ما موضع من كتابه، يقول سبحانه: "وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي ‏بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ"[فصلت:34]، وبهذا استمال النبي صلى الله عليه وسلم قلوب أعدائه، ‏وعالج قسوتها وشِمَاسها ونفارِها، حتى لانت، واستقادت، وقبلت الحقَّ.‏

إنَّ الكلمةَ الطيبةَ الحانيةَ، والابتسامةَ الصادقةَ الصافيةَ، والإحسانَ إلى الآخرين بالقول والفعلِ؛ من أسباب ‏زوالِ العداوةِ وتقاربِ القلوبِ، يقول الله تبارك وتعالى: "وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ ‏عَظِيمٍ"[فصلت:35].‏

إن التعايشَ هو حقنُ الدماء البريئة، وفتح مجال للحوار والجدال بالتي هي أحسن، وهو تقديم مشروع يحمي ‏الكلمةَ الإسلاميةَ، ويزودها بالعقل والحجة والمنطق التي يمتلئ بها كتاب الله وشرعه، يقول الله سبحانه ‏وتعالى: "قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ"[آل عمران:من الآية64].‏

‏(1) انظر: جامع الترمذي (2687)، سنن ابن ماجه (4169) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.‏

‏(2) انظر: صحيح البخاري (4325)، وصحيح مسلم (1778).‏

‏(3) صحيح البخاري (2916، 4476)، وصحيح مسلم (1603) من حديث عائشة رضي الله عنها.‏

وانظر: الجمع بين الصحيحين (4/122)، جامع الأصول (4/688).‏

‏(4) صحيح البخاري (6114)، صحيح مسلم (2009) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.‏

‏(5) انظر: تاريخ دمشق (66/286)، فضائل بيت المقدس (ص: 86).‏

‏(6) انظر: تفسير السعدي ص 218.‏

‏(7) أخرجه البخاري (6914) من حديث عبداله بن عمرو رضي الله عنهما.‏

‏(8) انظر: صحيح البخاري (1312)، صحيح مسلم (961).‏

‏(9) انظر: مجموع الفتاوى (28/615).‏

‏(10) انظر: مجموع الفتاوى (28/615)، (28/618).‏

السودان الاسلامي

الثلاثاء, 27 أكتوبر 2009 01:40



تعليق

الاسم
البريد الالكتروني
التعليق


اضافة تعليق
الاسم :
البريد الالكتروني :
التعليق :
رمز التحقق