English   Français

   

آخر تحديث: الجمعة 27 جمادى الآخرة 1433 هـ الموافق 18 مايو 2012م

بحوث >> 


2010-11-01 نشأة الممالك والدويلات الإسلامية

الكاتب : د. مجمد أمين أبه الأبقاري - رئيس شعبة التاريخ والجغرافيا بالمعهد العالي للعلوم التربوية-انجمينا - تشاد

------------------------------------------------------------------------

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله الطيبين وأزواجه الطاهرات، وأصحابه نجوم الهدى واسلم تسليما كثيراً.

أما بعد: فإن علاقة العرب بالإفريقيين ذات جذور قديمة بنيت أساساً على الاحترام المتبادل، وخدمة القضايا المشتركة، وقد اتسعت وتطورت هذه العلاقة نتيجة للتواصل والتفاعل والاحتكاك المباشر بين الطرفين بعد ظهور الإسلام، ثم انتشاره فيما بعد في القارة الإفريقية بشكل واسع، حيث قام العرب بإنشاء الدويلات الإسلامية المعروفة في السواحل الشرقية من القارة، ووسطها، وغربها، وجنوبها[1]

لذلك دخل الإسلام في إفريقية قبل أن ينتشر في الجزيرة العربية، بل لم يصل الإسلام إلى المدينة المنورة بعد، وذلك لهجرة الصحابة الأولى إلى الحبشة بعد أن رأى الرسول صلى الله عليه وسلم ما يلقاه أنصاره المستضعفين من ألوان العذاب، فأشار عليهم أن يفروا بدينهم ويهاجروا إلى بلاد الحبشة فإن بها ملكاً لا يظلم عنده أحد وهو أرض صدق حتى يجعل الله لهم فرجاً مما هم فيه. فكانت أول هجرة إلى الإسلام.

وكان عدد المهاجرين الأوائل اثني عشر صحابياً وأربع صحابيات يتقدمهم سيدنا عثمان بن عفان رضى الله عنه وزجه رقية رضى الله عنها ابنة رسول الله صلى عليه وسلم، وكان ذلك في العام الخامس من البعثة ولم يكن هؤلاء إلا الطليعة الأولى، إذ تتابع المسلمون بعد ذلك حتى اكتمل منهم عدد ليس بيسير.

ثم انتشرت هذه الدعوة فشملت شمال إفريقية ووسطها وغربها وجنوبها[2]

كما أن حروب الردة سبب من أسباب انتشار الدعوة الإسلامية في إفريقية لأن كثيراً من القبائل العربية هربوا من الجزيرة العربية من باب المندب. كما تتابعت الهجرة بعد الفتنة الكبرى التي راحت ضحيتها الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضى الله عنه أيضاً سبب هجرة كثير من المسلمين إلى إفريقية وخاصة شرقها.

كل هذه الأسباب جعل إفريقية يستفيد من المهاجرين لأنه حمل هؤلاء المهاجرون إسلامهم معهم ومن ثم ابتدأ الإسلام ينتشر ويتغلغل فيها بمقدار ما يتغلغل هؤلاء التجار والدعاة ويستقر فيها بمقدار ما يستقرون.

ولانتشار الإسلام في إفريقية أسباب ووسائل .

وسائل انتشار الإسلام في إفريقيا:

كان الطابع الأساسي لنشر الدعوة الإسلامية هو السلم والإقناع مما جعل الإفريقيين يقبلون على اعتناق الإسلام إقبالاً شديداً، فلم يشهد حملة لواء الدعوة الإسلامية السيف إلا في الحالات الدفاعية. ونشط الدعاة المسلمون والتجار في نشر الإسلام والتفوا حول الملوك وحببوا إليهم الدين وشرحوا لهم أحكامه، فمثلاً كان في حاشية عدد من ملوك غانا، مالي، كانم وباقرمي، كثير من العلماء، وكذلك الحال في كثير من الممالك الإفريقية.

ومما ساعد على قبول الإسلام ذلك الاندماج وتلك المصاهرة التي تمت بين التجار والدعاة المسلمين من العرب والامازيغ وبين الإفريقيين. بهذه الطريقة الهادئة دخل الأمراء ورؤساء القبائل في الإسلام وتحمسوا بدورهم لنشر الدعوة بين الجيران الوثنيين.

وكذلك يسر انتشار الإسلام أنه دين فطرة ، سهل التناول لا لبس فيه ولا غموض ولا تعقيد، فهو لا يتطلب من الشخص لإعلان إسلامه أكثر من النطق بشهادتين، ثم إن فكرة التوحيد الذي جاء به الإسلام لم تكن غريبة على الإفريقيين الوثنيين، إذ كانوا في وثنيتهم – وإن تعددت آلهتهم – يعتقدون في وجود إله أعظم خالق الكون.

ولعل ما يميز به طبيعة انتشار الإسلام ويفسر سرعة قبوله والتحمس له، أنه جاء إلى إفريقيا السوداء وأهلها سادة في بلادهم، يتمتعون بكامل حرياتهم وسيادتهم واستقلالهم، ويمارسون نظام حكمهم، وينظمون شؤونهم الخاصة ومجتمعاتهم وفق تقاليدهم.

ولم يكن لدعاة المسلمين من العرب والأمازيغ وحتى الأفارقة السود أدنى قسط من السيطرة ، كما لم يلجأوا إلى وسائل الإغراء المادية، وكان للوثني كامل الحرية في أن يختار بين القبول أو الرفض ، حتى شعر الإفريقيون بالاخوة مع الدعاة المسلمين، ولذا تقبلوا الإسلام وتحمسوا له، وقاموا بدورهم بنشره، ومعنى هذا أن الإسلام لم يؤد إلى تدمير النظم المحلية، بل أن الوطنيين أنفسهم اختاروا الصور الجديدة للحياة بمحض إرادتهم. ومن أجل هذا نظر المسلمون السود إلى الإسلام على أنه دين السود، وإلى المسيحية التي جاء بها المستعمر على أنه دين الأوربيين البيض.

وفوق كل ذلك احترام الدعاة المسلمون العادات والتقاليد ولم يحتقرها وهذا أحد أسباب نجاحهم.

وكذلك كان لعلماء الدين الإسلامي مكانة سامية في نظر شعوب تلك البلاد، وما هو جدير بالملاحظة أن نشاط الطرق الصوفية والتجار والمعلمين والدعاة كان يقوم في الغالب على الإرشاد، ويعتمد على انتشار التعليم الإسلامي واستخدام كل وسائل الترغيب في نشر الدعوة إلى الإسلام رغبة في نشر الدين ابتغاء مرضاة الله وحسن الثواب في الآخرة وهداية الناس، وذلك بتأسيس المساجد وفتح المدارس والمصاهرة مع أهالي البلاد التي يتردد عليها المسلمون أو يستوطنوها[3].

نشأة الممالك الإفريقية:

قامت في إفريقية خلال فترة العصور الوسطى – القرن الثامن إلى القرن السادس عشر الميلادي – ممالك إسلامية سادت قسطاً من الزمن في شرق القارة ووسطها وغربها، وساهمت مساهمة إيجابية في نقل الحضارة الإسلامية إلى تلك المناطق، وساعدت على نشر التراث الإسلامي، هذا بالإضافة إلى الدور الذي قامت به في تاريخ المنطقة الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، فالعصور الوسطى هي العصور الذهبية في تاريخ إفريقية، فقد قام في هذا الجزء من القارة عدد من الممالك واحدة تلو الأخرى.

1- مملكة غانا :

أول ممالك غرب إفريقية وأقدمها هي مملكة غانا وعلى أنقاضها قامت مملكة مالي، وعلى أنقاض مالي نهضت مملكة سنغاي كما جاء بعد ذلك الممالك الأخرى مثل كانم والبرنو وباقرمي ووداي ... الخ ، وظهرت ممالك التكارير والهوسا والفلاني.

وقد دخل الإسلام منطقة غانا من أواخر النصف الأول من القرن الأول الهجري، وأنه لم يكن يمض عام 60هـ /679م حتى كان في مدينة (كوبي صالح) عاصمة مملكة غانا اثنا عشر مسجداً في الجزء الذي يسكنه المسلمون من المدينة، ولهم فيها أئمة وفقهاء وحملة علم.

وازدادت علاقات غانا مع بلاد العالم الإسلامي في عهد الحكومة الإسلامية التي قامت بها عند أواخر القرن الحادي عشر الميلادي.

ولا سيما بعد أن اتصل ملوك غانا المسلمون بالخلافة العباسية وربطوا أنفسهم بها وحكموا في بلادهم كممثلين للخليفة العباسي، كما أن صلة مصر لم تنقطع بغانا[4].

2- مملكة مالي :

تعتبر مملكة مالي من أقوى وأغنى مملكة قامت في السودان الغربي، ثم إنها المملكة التي جاء ازدهارها مميزاً لأعظم فترات التاريخ الإفريقي تطوراً وتقدماً، ثم هي صاحبة الفضل في توحيد القبائل الإفريقية داخل وحدات أو ولايات أو ممالك، وإن سادة هذه المملكة هم أصحاب الدور الكبير الهام في نشر الإسلام في غرب إفريقية.

قامت مملكة مالي على أنقاض مملكة غانا التاريخية وخلفها على السيادة في غرب إفريقية.

واشتهرت مالي بأكثر من اسم، فهي تارة مملكة الماندنجو، وأخرى مملكة مالي، ثم هي كذلك مملكة التكرور.

ولقد كان الماندنجو – مؤسسو مملكة مالي – من أكثر شعوب غربي إفريقيا تحمساً للإسلام والدعوة له.

وقد كان ملوك مالي في نهاية القرن الحادي عشر الميلادي مسلمين واقترنت فتوحات مالي في شتى أجزاء غربي إفريقية بنشر الإسلام وإقامة مؤسساته من مساجد ومدارس، فضلاً عن تشجيع الفقهاء والعلماء على ارتياد مالي للنهوض بالدعوة الإسلامية وللقيام بالتعليم[5].

ويذكر عن أشهر ملوك مالي وهو (كنكن موسى) أنه كان يبني مسجداً في كل مدينة تدركه الجمعة فيها.

وتمتع العلماء المسلمون بمكانة سامة في مالي، على أن مملكة مالي لم تكتف باعتناق الإسلام والحرص على تطبيقه وعلومه، وإنما أخذت تدعو له بين الإحيائيين في غرب إفريقية ، حتى أن الدور الذي قامت به في نشر الإسلام يعد من أهم مراحل انتشار الإسلام في إفريقية حيث اقترن اتساعها بالدعوة إلى الإسلام[6].

3- مملكة سنغاي :

تعد مملكة سنغاي الإسلامية إحدى أعظم الممالك الإفريقية التي ازدهرت في المناطق الواقعة ما بين حوض نهر سنغال والنيجر. فهذه المنطقة من السودان الغربي شهدت حتى نهاية القرن السادس عشر الميلادي على التوالي، ميلاد الممالك الثلاث ( غانا – مالي – سنغاي) وقد استجابت الممالك المذكورة إلى المؤثرات الثقافية العربية الإسلامية.

وقد نمت علاقات مملكة سنغاي التجارية مع غانا، وتونس، وبرقة، ومصر، وكانت هذه العلاقات التجارية ذات أثر بعيد في تحول ملوك هذه المملكة إلى الإسلام في القرن الحادي عشر الميلادي عن طريق شمال إفريقية.

ونجد ملكها محمد أسكيا العظيم من أشهر وأقدر ملوك غرب إفريقيا. بدأ في تنظيم شؤون المملكة الإدارية، ونظم الجيش، وبدأ بالنهوض بالشؤون الدينية، وحدت تقريباً كل أقاليم غرب إفريقيا في حكم واحد.

ولم تقتصر عظمة أسكيا وخلفائه من بعده في توسيع رقعة مملكتهم، بل امتازوا كذلك بالإدارة التي أقاموها بمعونة العلماء والتجار، فقد أقيمت إدارة موحدة في العاصمة تشمل وزارة المالية والعدل والداخلية والزراعة والغابات، ووزارة أخرى لشؤون البيض أو الأجانب من مواطني شمال إفريقية والطوارق الذين يقطنون أطراف الصحراء.

وعرفت تمبكتو إحدى مدن هذه المملكة الهامة بأنها المركز العلمي والفكري للمملكة، ففي جامعاتها تدرس العلوم الدينية والشريعة الإسلامية والخطابة والنحو والأدب، ويقوم بالتدريس فيها أساتذة زائرون من القاهرة وغدامس علاوة على الأساتذة المحليين[7].

4- مملكة كانم – برنو :

قامت مملكة كانم فيما عرف في التاريخ القديم بالسودان الأوسط، وأطلق العرب كلمة السودان وأرادوا بها أصحاب البشرة السوداء بصفة عامة، والمقصودة بالسودان الأوسط المنطقة الشاسعة الممتدة من الضفاف الشرقية للنيجر الأوسط حتى الضفاف الغربية للنيل الأبيض، وتضم هذه المنطقة : النيجر – تشاد – الكاميرون – الغابون – الكنغو ، والجزء الغربي لجمهورية السودان.

ومملكة كانم هو المنطقة الواقعة إلى الشرق من بحيرة تشاد ثم توسعت حتى صارت تسيطر على جميع الأراضي الواقعة إلى الغرب والشمال من البحيرة، وأصبحت البحيرة نفسها تتوسط قلب المملكة.

وموقع هذه المملكة هام لأنه ملتقى طرق القوافل التجارية المارة عبر إفريقيا، مما جعل كانم منطقة نشاط فضلاً عن أن منطقة بحيرة تشاد منطقة خصبة اجتذبت إليها كثير من العناصر ، ثم أن طبيعية المنطقة من حيث خلوها من العوائق الطبيعية أدى إلى تيسير النقلة منها وإليها، فاستقرت تلك المجموعات القبلية واشتغلت بالزراعة والرعي ثم احترفت التجارة ولما انتشرت تلك القبائل حول شواطئ بحيرة تشاد، واستقرت فيها امتزج بعضها ببعض بما فيها القبائل العربية الوافدة إلى البلاد طلباً للرزق أو لنشر الثقافة الإسلامية والدين الحنيف .

ويذكر أن تاريخ ظهور كانم يرجع إلى ما قبل الفتح الإسلامي لشمال إفريقيا، غير أن التاريخ الثابت والمسجل لظهورها كدولة ذات نظم إدارية وعسكرية ، وقضائية، يرجع إلى القرن الثاني الهجري، الثامن الميلادي، ثم بعد ذلك نمت واتسعت خلال القرنين التاسع والعاشر الميلادي، وذلك بفضل دخول الإسلام ورسوخه بين سكانها، واستطاعوا عن طريق العقيدة الإسلامية توحيد القبائل المتفرقة حول كلمة التوحيد، وتوحيد شملها المبعثر حتى صاروا أمة واحدة.

وعاصمة مملكة كانم هي مدينة (انجمي) التي تقع شمال شرق بحيرة تشاد في إقليم كوار، وهي العاصمة التي شيدها ملوك الأسرة التي تنتسب إلى سيف بن ذي يزن والتي عرفت بالأسرة السيفية، وهي أول عاصمة شيدت بعد اعتناق ملوك كانم الإسلام، وكانت لهم عاصمة من قبل (البلما) وهي أيضاً تقع في إقليم كوار، المشهور الذي افتتحها عقبة بن نافع رضى الله عنه في حوالي عام (46هـ - 666م) .

وينقسم تاريخ مملكة كانم إلى فترتين الأولى، هي فترة وجود الدولة شرق بحيرة تشاد، وامتدت هذه الفترة من أواخر القرن التاسع الميلادي حتى القرن الرابع عشر .

والفترة الثانية: هي فترة انتقال الدولة إلى غرب البحيرة وامتدت هذه الفترة من أواخر القرن الرابع عشر الميلادي، وحتى دخول الاستعمار الفرنسي إلى المنطقة.

ودولة كانم قد عمرت طويلاً، فتعددت مواقعها الجغرافية اتساعاً وانكماشاً حسب تقلبات الأحوال ، حيث أنها أخذت اسمين: اسمها الأول (كانم) وكانت تقع شرق بحيرة تشاد، ثم انتقلت غرباً إلى غرب البحيرة وصارت تعرف من بعد (ببرنو) ولأجل ذلك اصطلح المؤرخون على تسميتها، (كانم – برنو) ، إذ أن برنو إنما كانت امتداداً لكانم[8].

وتعتبر مملكة كانم من الممالك الإسلامية المشهورة التي قامت في إفريقية جنوب الصحراء، لذا يقول ألفع محمود: كنا نسمع من أعلام عصرنا يقولون: سلاطين الدنيا أربعة ماخلا السلطان الأعظم، سلطان بغداد وسلطان مصر، وسلطان برنو، وسلطان مالي[9] .

ويقصد بالسلطان الأعظم (اسطمبول).

5- مملكة باقرمي :

باقرمي: اسم لدولة إفريقية مسلمة في القرن الخامس عشر الميلادي والذي يوافق القرن العاشر الهجري، وهي من ضمن ممالك تشاد القديمة.

قامت على الضفة الشرقية لنهر شاري جنوب بحيرة تشاد، وكانت عاصمتها (ماسينيا) وتضم هذه المملكة مناطق شاسعة تابعة لها.

وهي من الممالك التي قامت بدور هام في نشر الحضارة الإسلامية في الرقعة التي تهيمن عليها منذ عام 1513م حتى دخول الاستعمار الفرنسي.

ومن أشهر ملوك هذه البلاد السلطان عبد الله بن مالو، وقد حكم في الفترة ما بين عامي (1568 – 1608م) وطد أركان الإسلام وقواه في البلاد بصورة عامة وعلنية، وأخذ لنفسه لقب (بانغ) أي السلطان وكان يستوحى من برنو أكثر اتجاهاته.

وفي عهده امتدت نفوذ مملكة باقرمي إلى كثير من المناطق المجاورة، وأبعد الوثنيين عن أرضه، وأقام الشعائر الدينية، وطبق الشريعة الإسلامية في البلاد، بعد أن اصلح نظام الحكم الداخلي وطبق فيه الشريعة ، قام بحملة جهادية ضد قبيلة (سوكورو) وهم سكان (قوقمي) في الجهة الشرقية، وفرض الجزية على قرية (باطنغا) وغيرها من مناطق البطحاء[10]

فالحضارة الإسلامية ناسبت جميع سكان المنطقة بمختلف طبقاتهم، ووافق مزاجهم وأذواقهم المتباينة، فبعض الجماعات ترى في الإسلام نظاماً ثقافياً يناسب تقاليدها فتؤمن به، وسياسياً ليشد أزرها في كفاحها ضد عدوها، وكذلك الآخرٍ يرى في الإسلام نظاماً اجتماعياً واقتصادياً يضمن له حياة طيبة واستقرار فيعتنقه .

ومن العوامل التي ساعدت على نشر الحضارة الإسلامية في هذه المناطق طبيعة الإسلام نفسه، إن الإسلام يتيح حرية التعامل والتفكير ، وهي الميزة الأساسية في هذا الدين، إنه لا يغفل لحظة في أية خطة وفي أية خطوة عن فطرة الإنسان وحدود طاقته وواقع حياته المادي أيضاً وأنه في الوقت ذاته يبلغ به إلى ما لم يبلغه أي منهج آخر من وضع البشر على الإطلاق[11] .

وأصبحت عاصمة مملكة باقرمي (ما سينيا) مدينة علمية للمنطقة يرتادها طلاب العلم من كل أنحاء المناطق المجاورة لتلقي العلم فيها لوجود كبار العلماء بها، ويعد من أهم المعالم الحضارية في وسط إفريقية قبل الاستعمار الفرنسي.

6- مملكة وادي :

كانت بلاد وداي عبارة عن تلك المنطقة الواقعة شمال شرق مملكة باقرمي الواقعة كذلك إلى الجنوب من البلاد المعروفة باسم البركو المجاورة لكانم، والواقعة غرب دار فوار.

تأسست مملكة وداي على يد السلطان عبد الكريم جامع عام 1935م وتعاقب أبناء عبد الكريم على حكم المنطقة حتى استيلاء الفرنسيين عليها في عام 1909م.

وازدادت هجرة عرب البقارة والأبالة إلى تلك المناطق خاصة منطقة بحر عظوم و (وارا) عاصمة المملكة .

ويتكون سكان مملكة وداي من عدة قبائل أبرزها: العرب، والمابا، التاما، الداجو، المساليت، وقبيلة الميمي، والقرعان، والموبي، والمسمجة، وتتحدث هذه القبائل وغيرها من سكان وداي عدة لغات ، وتعتبر اللسان العربي هو القاسم المشترك الذي يتفاهم به السكان.

ولقد قامت مملكة وداي بدور مهم في نشر الإسلام ، وتطور اللغة العربية والثقافة الإسلامية في المنطقة، وذلك يرجع لعدة عوامل تمتاز بها عن غيرها من الممالك التشادية الأخرى .

من هذه العوامل موقعها الجغرافي المتاخم للسودان ومصر، وليبيا، وأن الحكام فيها كانوا من أصول عربية ويستخدمون اللغة العربية والشريعة الإسلامية في محاكمهم المحلية[12] .

7- ممالك الهوسا :

تقع منطقة هوسا بسهولها الخصبة بين برنو وسنغاي في حوض النيجر الأعلى وكانت تحت نفوذ جيرانها من الممالك الكبيرة في بعض الأحيان إلا أنه لم ينجح أي منها في ضم إقليم هوسا نهائياً.

والهوسا ليسوا قبيلة واحدة، ولكنهم مزيج تكون عبر القرون من أصول عرقية مختلفة، وهم قوم يحبون الارتحال من مكان لآخر، ويحترفون التجارة أيضاً، وكانت مراكز للتجارة حيث تقع على طرق القوافل الرئيسية مع شمال إفريقيا، وفي نهاية القرن السادس عشر تحول طريق التجارة شرقاً إلى إقليم الهوسا وخاصة مدينة (كاتسنا) حيث أصبحت أهم مركز تجاري ثقافي، وبقى تجار الهوسا يسيطرون عليها في أنحاء السودان الأوسط، وأصبحت لغة الهوسا هي لغة المعاملات التجارية.

وإن الإسلام انتشر أيضاً في إقليم الهوسا، وأول دخوله في مدينة (كانو) عن طريق اللاجئين من العرب في القرن الرابع عشر الميلادي ولكن بخطوات بطيئة، ولم ينتشر الوعي الإسلامي ويستقر في المنطقة إلا أثناء جهاد الفلاني عام 1804م تحت قيادة الشيخ عثمان دان فوديو[13] .

الخاتمة

وقد شهدت إفريقية عدة ممالك ودويلات إسلامية، منها ما ذكرناها وبعضها لم نذكرها.

فمن الدويلات الإسلامية المعروفة – ولم نسلط الضوء عليها – على السواحل الشرقية من القارة الإفريقية مثل: مصوغ، زليغ، مقديشو، لامو، مالندي، زنجبار، موزمبيق، وغيرها.

وكانت اللغة العربية هي لغة الدواوين في تلك الممالك الإسلامية منذ ألف وأربعمائة عام، ولما استقر المستعمرون الأوروبيون وتمكنوا في البلاد، ألغوا النظم الدستورية، التي كانت ساعدت في هذه الممالك الإسلامية، واستبدلوها بنظمهم السياسية، وفلسفاتهم الحضارية، وقضوا على الممالك الإسلامية وفرضوا العزلة على البلاد، وقطعوا اتصالاتهم بالدول الإسلامية الأخرى، وحاربوا الإسلام واللغة العربية، وفرضوا اللغات الأوروبية على الإفريقيين، وأنشئوا المدارس التي نبنت ثقافتهم وأفكارهم.

ولما أراد الاستعمار وكتابه ، التهوين من أثر الإسلام وحضارته وثقافته في إفريقيا أطلقوا على إسلام الإفريقيين (إسلاماً أسوداً أو إسلاماً سطحياً) وهم يقصدون بذلك: أن إيمان الإفريقي شيء ظاهر يستر وراءه وثنيته القديمة، فتلقف عنهم هذه البضاعة المستغربون والمغرضون من غيرهم، وسبب هذا التشويه، هو عدم فهمهم الظواهر التي في الساحة الإفريقية، أو بسبب بعض المخالفات والمعاصي التي لا تكاد يخلو منها مجتمع إسلامي، ومع ذلك أننا لا نجد ذلك التصنيف والوصف في غير إفريقيا[14] .

وحرص المستعمرون كل الحرص على طمس معالم الحضارة الإسلامية والفكر الإسلامي في إفريقية، وادعوا بأن إفريقية كانت مجهولة وغير متحضرة، وأن رجال الاستعمار الأوروبيين هم الذين اكتشفوا إفريقية.

والحقيقية التي لا يدانيها شك هي: أن إفريقية كانت معروفة، وللمؤرخين والرحالة المسلمين أبحاث عنها[15] .

نسأل الله تعالى أن يجمع شمل المسلمين ويبعدهم من شر الحاسدين، وصلى الله على محمد وآله وأصحابه، وسلم تسليماً كثيراً.

المصادر والمراجع

1- جميلة إ محمد التكيتك: مملكة سنغاي الإسلامية في عهد الاسكيا محمد الكبير 1493 – 1528م الجماهيرية العربية الليبية الشعبية العظمى، الطبعة الأولى، 1998م.

2- حسن عابدين (دكتور) : والعراقي، السر سيد أحمد : معالم التاريخ الإفريقي، الناشرون مؤسسة التربية للطباعة والنشر، الطبعة العاشرة 1991م، جمهورية السودان.

3- حميد دولاب ضيدان (دكتور): الجذور التاريخية للصلات العربية الإفريقية، الطبعة الأولى ، 1993م منشورات مركز البحوث والدراسات الإفريقية، سبها، الجماهيرية العربية الليبية الاشتراكية العظمى .

4- الدكو، فضل كلود: الثقافة الإسلامية في تشاد في العصر الذهبي الطبعة الأولى ، 1998م.

5- علي عبد الحليم محمود (دكتور): عالمية الدعوة الإسلامية، من علماء الأزهر دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، المنصورة الطبعة الرابعة، 1412هـ /1992م.

6- كعت ألفع محمود بن الحاج المتوكل الكرمني التمبكتي الوعكري: تاريخ الفتاش في أخبار البلدان والجيوش وأكابر الناس 1981م.

7- الماحي عبد الرحمن (دكتور) ، الدعوة الإسلامية في إفريقية الواقع والمستقبل منشورات كلية الدعوة 1999م الجماهيرية العظمى.

8- هارون المهدي ميغا، التاريخ الإسلامي في غرب إفريقية ، قراءات إفريقية مجلة ثقافية فصلية متخصصة في شؤون القارة الإفريقية تصدر عن المنتدى الإسلامي ، العدد الأول رمضان 1425هـ/ أكتوبر 2004م لندن.

9- Devallé Memoire orginaux de baguirmi bulletin de societe de recherche cogolaise 1925 P 35 – 36.

--------------------------------------------------------------------------------

[1] - حميد دولاب ضيدان(دكتور) : الجذور التاريخية للصلات العربية الإفريقية ، ط1، منشورات مركز البحوث والدراسات الإفريقية، سبها، الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى، ص: 8 .

[2] - الماحي، عبد الرحمن عمر، (دكتور): الدعوة الإسلامية في إفريقية الواقع والمستقبل ، منشورات كلية الدعوة الإسلامية، 1999م الجماهيرية العظمى، ص: 25 .

[3] - حسن عابدين(دكتور)، والعراقي، السر سيد احمد، معالم التاريخ الإفريقي، الناشرون مؤسسة التربية للطباعة والنشر، ط10، 1991م جمهورية السودان،ص: 41 .

[4] - هارون المهدي ميغا: التاريخ الإسلامي في غرب إفريقيا، قراءات إفريقية، مجلة ثقافية فصلية متخصصة في شؤون القارة الإفريقية تصدر عن المنتدى الإسلامي، العدد الأول، رمضان 1425هـ /أكتوبر 2004م لندن، ص: 16 .

[5] -حسن عابدين ، (دكتور) والعراقي، السر سيد أحمد: معالم التاريخ الإفريقي، مرجع سبق ذكره، ص: 50

[6] -الماحي، عبد الرحمن عمر (دكتور) : الدعوة الإسلامية في إفريقيا الواقع والمستقبل، مرجع سبق ذكره، ص: 90 .

[7] - ينظر، جميلة إ محمد التكيتك: مملكة سنغاي الإسلامية في عهد الإسكيا محمد الكبير 1493 – 1528م الجماهيرية العربية الليبية الشعبية العظمى،ط1، 1998، ص: 23 ، وينظر معالم التاريخ الإفريقي، مرجع سبق ذكره، ص: 51 .

[8] - الدكو، فضل كلود: الثقافة الإسلامية في تشاد في العصر الذهبي لإمبراطورية كانم من 600 – 1000 هـ/ 1200 – 1600م منشورات كلية الدعوة الإسلامية ، الجماهيرية الليبية، ص: 75 .

[9] - كعت ألفع محمود بن الحاج المتوكل كعت الكرمني التمبكتي الوعكري: تاريخ الفتاش في أخبار البلدان والجيوش وأكابر الناس 1981م، ص: 38 .

[10] - Devallé , Memoire Quiginawx De Baguirmi Bulletin De Socité De Recherche Congolaise 1925 P 35 - 36

[11] - علي عبد الحليم محمود (دكتور) : عالمية الدعوة الإسلامية، من علماء الأزهر، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع المنصورة، ط4، 1412هـ /1992م. ص: 141 .

[12] - الماحي عبد الرحمن عمر (دكتور): الدعوة الإسلامية في إفريقية الواقع والمستقبل، مرجع سبق ذكره، ص:80 .

[13] -حسن عابدين(دكتور)، والعراقي، السر سيد أحمد: معالم التاريخ الإفريقي ، مرجع سبق ذكره،ص: 19 .

[14] - قراءات إفريقية، مرجع سابق ذكره، ص: 13 .

[15] - مثل: كتاب (صورة الأرض) لمحمد بن حوقل البغدادي المتوفي عام 367هـ.

وكتاب (المعرب في ذكر بلاد إفريقيا والغرب) لعبد الله البكري القرطبي الأندلسي، المتوفي عام 487هـ.

وكتاب (تحفة النظار في غرائب الامصار وعجائب الاسفار ) لمحمد بن بطوطة اللواتي الصنجي المتوفي عام 779م.



تعليق

الاسم
البريد الالكتروني
التعليق


اضافة تعليق
الاسم :
البريد الالكتروني :
التعليق :
رمز التحقق