|
د. حسن علي الشايقي*
مقدمة :
يرجع الفضل في فتح مصر والسودان ، بعد الله سبحانه وتعالي للصحابي الجليل عمرو بن العاص ، فهو الذي اقنع عمر بن الخطاب بالفكرة وشجعه علي تنفيذها .. وكان عبدالله بن ابي سرح علي ميمنة عمروبن العاص فهو اليد اليمني في هذا الفتح وله دور كبير ونصيب وافر في هذا العمل العظيم الذي فتح أفاقا واسعة لانتشار الإسلام ليس في افريفيا فحسب بل وفي اوربا كذلك.
حظيت مصر وبلاد النوبة ( التي تعني السودان ) بمكانة عظيمة لدي النبي صلي الله عليه وسلم ، فأوصي اصحابه بها خيرا فقد اخرج مسلم في صحيحه عن ابي ذر قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم ( ستفتحون مصر وهي أرض يسمي فيها القيراط فاستوصوا باهلها خيرا فأن لهم ذمة ورحما .
واورد بن عبدالحكم في فتوح مصر ، حدثنا أشهب ابن عبدالعزيز وعبدالملك بن مسلمة قالا حدثنا مالك بن انس عن ابن شهاب عن عبدالرحمن بن كعب بن مالك عن ابيه: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول : إذا افتتحتم مصر فاستوصوا بالقبط خيرا فإن لهم ذمة ورحما ، قال ابن شهاب : وكان يقال : ان ام اسماعيل منهم ، واخرجه ايضا الليث عن أبن شهاب ، وفي أخره قال الليث ، قلت لابن شهاب ما رحمهم ؟ قال إن ام اسماعيل منهم.
وكان آخر ما أوصي به رسول الله صلي الله عليه وسلم عند موته، وقد اغمي عليه فأفاق ( استوصوا بالأدم الجُعد ) فسألوه فقال : قبط مصر فإنهم أخوال واصهار وهم اعوانكم علي عدوكم واعوانكم علي دينكم .
أما النوبة وهم أهل شمال السودان الذين كانوا مدخلا لهذا الدين ، قبلوه أولا ,واسلم ملوكهم وأسهموا في نشره وقد ذكرهم رسول الله صلي الله عليه وسلم فيما أورده القزويني في كتاب آثار البلاد وأخبار العباد ، حيث أورد حديثه صلي الله عليه وسلم : ( خير سبيكم النوبة ، وقال أيضا ( من لم يكن له أخ فليتخذ أخا نوبيا([1] ) وكان منهم عدد من الصحابة الذين تشرفوا بخدمة النبي صلي الله عليه وسلم ممن ذكرهم أبن حجر في الاصابة ، منهم فضة النوبية جارية فاطمة الزهراء ويسار النوبي الذي كان يرعي أبل رسول الله صلي الله عليه وسلم وكان يحسن الصلاة وقد اعتقه النبي صلي الله عليه وسلم وقتل شهيدا .
ولقد حرص المسلمون علي تنفيذ وصية النبي صلي الله عليه وسلم في معاملة القبط معاملة كريمة ، وقد كان الرومان يعاملون القبط معاملة سيئة ويفرضون عليهم ضرائب باهظة وقد خفف المسلمون عليهم الضرائب وسمحوا لهم ببناء الكنائس ، فقد أورد عبدالرحمن بن عبدالحكم في كتابه فتوح مصر واخبارها أن مسلمة بن مخلد سمح ببناء كنسية في فسطاط مصر وكذلك فعل والي مصر عبدالعزيز بن مروان وفرض المسلمون علي كل قبطي دينارين مع استثناء الشيخ الكبير والطفل والمرأة وان للاقباط ارضهم وأموالهم لايتعرض لهم بشيء وأن لهم الأمان علي انفسهم وأموالهم وكنائسهم ، فقد كان الرومان يجبون اموالا يتعذر احصاؤها ، وقد عهد المسلمون للأقباط بكثير من وظائف الدولة وأصبحت لهم حرية التجارة التي كانت بأيدي الرومان واليهود .
وفي ختام هذه المقدمة أقول بأن هذه الورقة تهدف الي ابراز جزء من سيرة الصحابي الجليل عبدالله بن ابي سرح الذي خلف عمرو بن العاص في ولاية مصر وكان له اسهام عظيم في فتح افريقية وبلاد النوبة وقد قسمت الورقة الي ثلاثة مباحث ، الاول في نسبه وصحبته ودوره في فتح مصر والثاني عن توليه حكم مصر في خلاقة سيدنا عثمان والثالث عن فتوحاته في افريقيا وبلاد النوبة واثر ذلك في انتشار الإسلام ومن ثم وصولال لخاتمة الدراسة .
المبحث الأول
نسبه
هو عبدالله بن سعد بن ابي سرح ينتمي لبني حِسْـل وينتمي بنوحِسْـل لبني عامر بن لؤي وهم بطن من قريش ، وبنوحسل أظهر من كان بمصر من بني عامر بن لؤي وهم رهط سودة بنت زمعة زوج النبي صلي الله عليه وسلم أم المؤمنين([2]) " وهو أخو سيدنا عثمان بن عفان من الرضاعة ارضعت أمه عثمان([3])
وبالرغم مـن أن عبدالله بن سعد توفي خارج مصر فإن اسرته ظلت مقيمة بها ، وقد اختط عبدالله دارين بالفسطاط ثم بني لنفسه قصرا كبيرا يعرف بقصر الجن ، وكان آل عبدالله من أهل الراية وقد اقاموا معه في الفيوم التي اتخذها مقرا حكم منه الصعيد، فلما عاد الي مصر واليا بدلا من عمرو بن العاص وصل معه خلق كثير( [4])
اسلامه:
اسلم عبدالله قبل الفتح وهاجر الي رسول الله صلي الله عليه وسلم وكان يكتب للنبي صلي الله عليه وسلم فازله الشيطان فلحق بالكفار فأمر به رسول الله صلي الله عليه وسلم أن يقتل يوم الفتح فاستجار له عثمان فاجاره النبي صلي الله عليه وسلم وحسن اسلامه وكان احدالعقلاء الكرماء من قريش ( [5]) والاسلام يجب ماقبله والأمور بخواتيمها فقد اصاب عبدالله خيرا كثيرا وله فضل عظيم في فتح بلاد النوبة وافريقيا وذي الصواري مما سنذكره في ثنايا هذا البحث بمشيئة الله .
مشاركته في فتح مصر :
دخل عبدالله علي ميمنة عمرو بن العاص ثم شارك عمرو في حكم مصر واليا علي الصعيد سنة 23هـ ([6] ) ويورد ابن عبدالحكم ذلك في قوله :
توفي عمر بن الخطاب 676م ومصر علي أميرين عمروبن العاص باسفل الأرض وعبدالله بن سعد بن ابي سرح علي الصعيد ([7] )ويذكر بن عبدالحكـــم ان عبدالله بن سعد كان علي ميمنة عمرو بن العاص حتي فرغ من حربه ([8] ) وهذا يدل علي أن عبدلله قد اسهم بقدر كبير في هذا الفتح العظيم إذ أن فتح مصر استغرق أكثر من عامين وكل هذه المدة كان عبدالله الساعد الأيمن وصاحب القدح المعلي في معاونة عمرو بن العاص ، وقد نال عبدالله بن سعد ثقة امير المؤمنين عمر بن الخطاب إذ هو الذي ولاه علي الصعيد وقد كان عمر دقيقا في اختيار الرجال شديدا في محاسبتهم بعد أن يوليهم وهذه هي الحجة التي أخذ بها عثمان بن عفان رضي الله عنه عندما طلب منه عمرو بن العاص عزل عبدالله بن سعد فلم يوافقه علي ذلك ، مما سنذكره في ثنايا هذا البحث .
المبحث الثاني
ولاية عبدالله علي مصر
توفي عمر بن الخطاب ومصر علي أميرين عمرو بن العاص بأسفل الأرض وعبدالله بن سعد علي الصعيد فلما استخلف عثمان بن عفان طمع عمرو بن العاص لما رأي من عثمان ، أن يعزل له عبدالله بن سعد عن الصعيد فوفد إليه وكلمة في ذلك فقال له عثمان : ولاّه عمر بن الخطاب الصعيد وليس بينه وبينه حرمة ولا خاصة وقد علمت انه أخي من الرضاعة فكيف أعزله عما ولاه غيري .
وقال له فيما حدثنا سعيد بن عفير ، إنك لفي غفلة عما كانت تصنع بي أمه ، إن كانت لتخبأ لي العرْق من اللحم في ردنها حتي آتي . فغضب عمرو وقال : لست راجعا إلا علي ذلك ، فكتب عثمان بن عفان ِإلي عبدالله بن سعيد فولاه علي مصر كلها فجاءه الكتاب بالفيّوم ، قال ابن عفير بقرية منها تدعي دموسة ، فجعل لأهل أطواب جُعلاً علي أن يصبّحوا به الفسطاط في مركبه وكان الذي جعل لهم فيما يزعم آل عبدالله بن سعد خمسة دنانير – قال الليث – فقدموا به الفسطاط قبل الصبح ، فأرسل الي المؤذن فاقام الصلاة حين طلع الفجر ، وعبدالله بن عمرو ينتظر المؤذن يدعوه إلي الصلاة لأنه خليفة ابيه ، فاستنكر الاقامة ، فقيل له ، صلي عبدالله بن سعد بالناس فأقبل عبدالله بن عمرو حتي وقف علي عبدالله بن سعد فقال : هذا بغيك ودسّك ، فقال عبدالله بن سعد : ما فعلتُ ، وقد كنت أنت وأبوك تحسداني علي الصعيد ، فتعال حتي اوليك الصعيد وأولي أباك أسفل الأرض ولا احسدكما عليه ، فلبث عبدالله بن سعد علينا أميرا محمودا وغزا فينا ثلاث غزوات كلهن لها شأن ، افريقية والأساود ويوم ذي الصواري ، وكانت تولية عبدالله علي مصر في سنة خمس وعشرين ([9] )
يظهر مما سبق من الحديث بين عبدالله بن سعد وعبدالله بن عمرو بن العاص مكانة مصر وولايتها ، وقد كان عمرو بن العاص صاحب الفتح وأميرها الأول وربما كان لايتوقع أن يعزله عثمان عن ولايتها عندما طلب منه عزل عبدالله بن سعد عن الصعيد ولكن سبحان الله . يقول الله تعالي ( قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير أنك علي كل شيء قدير ) ([10] )
ولقد رد عثمان عمرو بن العاص واليا علي الاسكندرية فحارب الروم بها حتي افتتحها وعبدالله بن سعد مقيم بالفسطاط علي ولايته حتي فتحت الاسكندرية الفتح الثاني عنوة سنة خمس وعشرين ثم جمع لعبدالله بن سعد أمر مصر كله صلاتها وخراجها ([11] )
إن عودة عمرو بن العاص لفتح الاسكندرية بالرغم من عزله عن ولاية مصر كلها يؤكد المكانة العالية لاصحاب النبي صلي الله عليه وسلم الذين كان همهم نصرة الدين ونشره وليس المكاسب الشخصية وحظوظ الدنيا وقد اورد الامام احمد في مسنده قول النبي صلي الله عليه وسلم : عمرو بن العاص من صالحي قريش وعن قبيصة ابن جابر قال صحبت عمرو بن العاص فما رأيت رجلا ابين قرآنا ولا أكرم خلقا ولا أشبه سريرة بعلانية منه ( [12])
ولا مشاحة أن يكون هناك تنافس علي ادارة مصر إذ أن فتح مصر كان مرحلة هامة في تاريخ الفتح الإسلامي إذ هي مفتاح إفريقيا وهي التي ساقت المسلمين بعد ذلك إلي أوربا وربطت بينهم وبين إفريقيا ووسعت اطلاعهم علي البحر الابيض المتوسط ، بل إن مصر رحبت بالمسلمين وأصبحت فيما بعد قلب العالم الإسلامي وذخيرته التي يلجأ اليها في النوائب والملمات ومن أهم فوائد فتح مصر نقل المسلمين والعرب من الحياة البرية إلي الحياة البحرية وأذهبت عنهم الوهم والخوف من ركوب البحر .
ويظهر خوف المسلمين من ركوب البحر في حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما كتب الي عمرو بن العاص ، صف لي البحر وراكبه فإن نفسي تنازعني اليه فكتب إليه عمرو ( اني رأيت خلقا كبيرا يركبه خلق صغير إن ركن خرق القلوب وإن تحرك ازاغ العقول يزداد فيه اليقين قلة والشك كثرة ، هم فيه كدود علـي عود إن مال غرق وإن نجا برق ) فلما قرأه عمر ، كتب الي معاوية ، لا والذي بعث محمد ابالحق لا أحمل فيه مسلماً ابدا ( [13])
لكن هذا لالخوف قد تبدد وذهب في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه فقد أذن للمسلمين في ركوب البحر عندما كتب لمعاوية قائلا : لا تنتخب الناس ولا تقرع بينهم فمن اختار الغزو طائعا فاحمله واعنه ، ففعل ([14] )
المبحث الثالث:
الفتوحات في ولايته
استمرت ولاية عبدالله بن ابي سرح علي مصر نحوا من عشر سنين او تزيد من سنة 25 هـ حتي شوال سنة 35هـ حيث انتزي محمد بن ابي حذيفة علي عقبة بن عامر خليفة عبدالله بن سعد فاخرجه من الفسطاط ( [15]) ومثلها كان عبدالله حاكما رشيدا كان قائدا عظيما انتصر في ثلاثة حروب ضد البربر في افريقية سنة 27هـ وضد النوبة سنة 31هـ وضد البيزنطيين في البحر سنة 34هـ ( [16])
1- فتح افريقيا :
لما عزل عثمان عمرو بن العاص وأمّر عبدالله بن سعد كان يبعث المسلمين في جرائد الخيل كما كانوا يفعلون في أيام عمرو فيصيبون من اطراف افريقية فيغنمون ، فكتب في ذلك عبدالله بن سعد إلي عثمان وأخبره بقربهم من حرز المسلمين ويستأذنه في غزوها، فندب عثمان الناس لغزوها بعد المشورة منه في ذلك ، فلما اجتمع الناس أمّر عليهم عثمان بن الحارث بن الحكم إلي أن يقدموا علي عبدالله بن سعد فيكون الأمر إليه .
فخرج عبدالله بن سعد إليها وكان مستقر سلطان افريقية يومئذ بمدينة يقال لها قرطاجنة وكان عليها ملك يقال له جرجير ، كان هرقل قد استخلفه فخلع هرقل وضرب الدنانير علي وجهه وكان سلطانه مابين طرابلس الي طنجة ، لقي عبدالله بن سعد جرجير فقاتله فقتله الله .
وكان الذي ولي قتله فيما يزعمون عبدالله بن الزبير ، وهرب جيش جرجير فبعث عبدالله بن سعد السرايا وفرقها فاصابوا غنائم كثيرة ، فلما رأي ذلك رؤساء أهل افريقية طلبوا إلي عبدالله بن سعد أن يأخذ منهم مالا علي أن يخرج من بلادهم فقبل منهم ذلك ورجع الي مصر ولم يول عليهم احدا ولم يتخذ فيها قير وانا فكانت غنائم المسلمين يومئذ كثيرة بلغ سهم الفارس ثلاثة آلاف دينار للفرس الفا دينار ولفارسه ألف دينار وللراجل ألف دينار وكان جيش عبدالله بن سعد عشرين ألفا وقد وقعت ابنة جرجير في سهم رجل من الأنصار فأقبل بها منصرفا قد حملها علي بعير له فجعل يرتجز :
يا أبنة جرجير تمشي عقبتك ( [17])
وإن عليك بالحجاز ربتك([18] )
لتحملن من قباء قربتك
قالت : مايقول هذا الكلب ، فأخبرت بذلك فألقت بنفسها عن البعير الذي كانت عليه فدقت عنقها فماتت ( [19])
وبعث عبدالله بن سعد عبدالله بن الزبير بخبر انتصار المسلمين علي الروم في افريقية فدخل علي عثمان بعد مسيرة عشرين ليلة فجعل يخبره بلقائهم العدو فاعجب عثمان ، فقال هل تستطيع أن تخبر الناس بمثل هذا ؟ قال : نعم ، فأخذ بيده حتي انتهي به الي المنبر فتلكأ عبدالله بدءا ثم تكلم كلاما اعجبهم ، فكان الزبير يقول : إذا أراد احدكم أن يتزوج المرأة فلينظر إلي أبيها وأخيها فلم يلبث أن يري ربيطةمنها ببابه ، لما كان يري من شبه عبدالله بن الزبير بأبي بكر ، كأنه يشبهه ببلاغة أبي بكر جدة ([20] )
والملاحظ فيما سبق ذكره أن عبدالله بن سعد لم يول أحدا بعد انتصاره وقد حاز كثيرا من الغنائم ، وقد طالت غيبته من الفسطاط، خمسة عشر شهرا ولعله خاف أن يرتد الروم عن طريق البحر مع قلة مالديه من الجند كل ذلك جعله أن يجعل من تلك الحملة حملة كشف وأن يعود الي الفسطاط علي أمل أن يستأنف غزوة مستقبلا ولكن الاحداث لم تسمح بذلك .
إذ الفتنة التي اودت بحياة سيدنا عثمان فتت في عضد المسلمين وانصرف المسلمون عن الفتح اعواما حتي كان عام الجماعة واتفق المسلمون علي ولاية معاوية رضي الله عنه بعد أن تنازل له الحسن بن علي عن الامارة حقنا لدماء المسلمين وتحقيقا لنبوة الرسول صلي الله علي وسلم ليستأنف المسلمون الفتح بعد ذلك.
فتح النوبة :
كانت أول حملات النوبة سنة 21هـ عندما بعث عمرو بن العاص نافع بن عبدالقيس الفهري ( وكان نافع اخا العاص لأمه ) فدخلت خيولهم أرض النوبة صوائف كصوائف الروم ، فلقي المسلمون بالنوبة قتالا شديد ، لقد لاقوهم فرشفوهم بالنبل حتي جرح عامتهم فانصروفوا بجراحات كثيرة وحدق مفقوءة فسموا رماة الحدق ([21] )
فلما كانت ولاية عبدالله بن سعد علي مصر غزا النوبة كما ذكر ذلك بن عبدالحكم : كان عبدالله بن سعد عامل عثمان علي مصر في سنة احدي وثلاثين فقاتلته النوبة قتالا شديد واصيبت يومئذ عين معاوية بن حديج وابي شمر بن أبرهة وحيويل بن ناشرة فيومئذ سموا رماة الحدق فهادنهم عبدالله بن سعد إذ لم يطقهم وقال الشاعر :
لم تر عيني مثل يوم دمقلة والخيل تعدو بالدروع مثـقلة
قال يزيد بن ابي حبيب : هي هدنة بينهم علي انهم لايغزونهم ولايغزو النوبة المسلمين وأن النوبة يؤدون كل سنة كذا وكذا رأسا من السبي وأن المسلمين يؤدون إليهم من القمح كذا وكذا ومن العدس كذا وكذا في كل سنة ، قال يزيد بن ابي حبيب وليس بينهم وبين أهل مصر عهد ولاميثاق انما هي هدنة امان بعضنا من بعض ( [22])
ومن طرائف غزو النوبة قول أحد الصحابة الكرام ( إن هؤلاء لايصلح معهم غير الصلح ، إن سلبهم لقليل وأن نكايتهم لشديدة ) ([23] )
من هذه العبارة يتبين ان المسلمين لاقوا قتالا شديدا من النوبة حيث سموهم رماة الحدق لكثرة من فقأت أعينهم ، وبعقد هذه الهدنة أصبحت البلاد مفتوحة أمام المسلمين الذين يدخلون بلاد النوبة للتجارة والرعي وبهذه الوسائل انتشر الإسلام في هذه البلاد علي مدي قرون ولعل هذا الانتشار الوئيد المتأني هو الذي جعل الإسلام متجذرا في هذه البلاد
ولاشك أن لعبدالله بن سعد بن ابي سرح ومن كان معه من الصحابة الكرام والتابعين نصيب في الأجر من دخول الإسلام إلي هذه البلاد في ذلك التاريخ المبكر لدين الإسلام.
كما أن عمرو بن العاص صاحب الفتح وامير مصر الأول له نصيب في هذه الأعمال الخالدة التي ادخلت إفريقيا في ظل هذا الدين العظيم والنجاشي أصحمة شريك في ذلك إذ أن عمرو بن العاص رضي الله عنه أسلم علي يد النجاشي ([24] )
وقعة ذات الصواري :
كانت ذات الصواري سنة اربع وثلاثين ، ولما نزل عبدالله بن سعد ذات الصواري أنزل نصف الناس مع بسر بن أبي أرطأة سرية في البر ، فلما مضوا أتي آت إلي عبدالله بن سعد، فقال : ما كنت فاعلا حين ينزل بك هرقل([25]) في ألف مركب فأفعله الساعة وكانت مراكب المسلمين يومئذ مائتا مركب ونيف فقام عبدالله بن سعد بين ظهراني الناس ، فقال: قد بلغني أن هرقل قد أقبل إليكم في ألف مركب فأشيروا عليّ ، فما كلمة رجل من المسلمين فجلس قليلا لترجع إليهم أفئدتهم ، ثم قام الثانية فكلمهم فما كلمة أحد فجلس ثم قام الثالثة فقال : إنه لم يبق شيء فأشيروا علي ، فقام رجل من أهل المدينة ، كان متطوعا مع عبدالله بن سعد فقال : أيها الأمير إن الله جل ثناؤه يقول : ( كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة باذن الله والله مع الصابرين ، فقال عبدالله : أركبوا باسم الله ، فركبوا وانما في كل مركب نصف شحنته قد خرج النصف الآخر إلي البر مع بُسر ، فلقوهم فاقتتلوا بالنبل والنشاب ، وتأخر هرقل لئلا تصيبه الهزيمة وجعلت القوارب تختلف إليه بالأخبار ، فقال : مافعلوا؟ قالوا : قد اقتتلوا بالنبل والنشاب ، فقال غَلبت الروم ، ثم أتوه فقال ( مافعلوا ؟ قالوا قد نفد النبل والنشاب فهم يرتمون بالحجارة ، قال غَلبت الروم ، ثم أتوه ، فقال مافعلوا
قالوا قد نفدت الحجارة وربطوا المراكب بعضها ببعض يقتتلون بالسيوف قال : غُلبت الروم( [26]) ولقد كان لانتصار المسلمين في هذه المعركة اثر كبير حيث بني المسلمون اسطولهم البحري وتوسعوا في الفتوحات في خلافة معاوية بن أبي سفيان .
خاتمة :
في ختام هذه الورقة البحثية أقول اهتداء بهدي اصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم الذين وطأت أقدامهم هذه القارة المباركة التي آوت الصحابة في ذلك التاريخ المبكر من عمر الدعوة ، إنه ما أخلص الدعاة وآثروا رضا الله وزهدوا في عرض الدنيا ولزموا الجهاد في سبيل الله إلاّ تنزّل عليهم النصر وفتحت لهم القلوب واتتهم الدنيا راغمة .
إن الإسلام عندما أطلّ علي إفريقيا حرر القبط من سيطرة الرومان وظلمهم ، وقبلت مصر الإسلام والعربية .
فأصبحت قلب العالم الإسلامي النابض وانداح هذا النور غربا وجنوبا إلي بلاد المغرب وأرض النوبة والسودان .
عندما جاء المسلمون إلي مصر ، ارسل إليهم المقوقس وفدا للتفاوض ، فلما رجع الوفد سألهم المقوقس ، كيف رايتموهم ؟
فاجابوه ، رأينا قوما الموت أحب إليهم من الحياة والتواضع أحب اليهم من الرفعة ، ليس لاحدهم في الدنيا رغبة ولا نهمة ، أميرهم كواحد منهم لايعرف رفيعهم من وضيعهم وإذا حضرت الصلاة لم يتخلف عنها أحد يغسلون أطرافهم بالماء ويخشعون في صلاتهم .
قال المقوقس : والذي يُحلف به لو أن هؤلاء استقبلوا الجبال لازالوها ولايقوي علي قتال هؤلاء أحد .
ورد المقوس بقوله : أبعثوا الينا رسلا منكم نعاملهم ونتداعي نحن وهم الي ماعساه يكون صلاح لنا ولكم . فبعث عمرو بن العاص عشرة، منهم عبادة بن الصامت وأمّره عليهم وكان عبادة رضي الله عنه طويلا أسودا، فلما دخلوا علي المقوقس ، هاب عبادة لسواده وقال لهم ، نحّوا عنا هذا الاسود وقدّموا غيره ، فقالوا له ، إن هذا الاسود افضلنارأيا وعلما وهو سيدنا وخيرنا والمقدم علينا وانما نرجع جميعا الي قوله ورأيه.
فقال وكيف رضيتم أن يكون هذا الأسود أفضلكم وانما ينبغي أن يكون دونكم ، قالوا : كلا إنه من افضلنا موضعا وسابقة وعقلا وليس ينكر السواد فينا ، فتقدم عبادة وتكلم مع المقوقس([27] )
وكان ماهو معلوم من أمر فتح مصر بعد ذلك ، والذي نلحظه هنا من تقديم الوفد لعبادة رضي الله عنه بالرغم من سواد لونه ، هو نبذ للعنصرية والحكم علي الناس باشكالهم وليس بمخبرهم ، إن أخشي مايخشي علي الإسلام في بلادنا اليوم هو العنصرية المتمثلة في القبلية والتناصر بها وقد طغت هذه الروح علي الإسلام ومبادئه السامية ومما يؤسف له أن ترتبط هذه الروح بمعاداة العرب والإسلام والركون إلي المنظمات المشبوهة والدول المعادية للإسلام ، ولهذا لابد من إدراك هذه المخاطر التي تحدق بالإسلام والمسلمين ولابد من نبذ الفرقة والشتات وأن نفييء الي الإسلام بسماحته وعدله وأن نعتصم بحبل الله المتين .
--------------------------------------------------------------------------------
* جامعة إفريقيا العالمية.
[1] القزويني أثار البلاد وأخبار العباد ص 24
[2] ياقوت الحموي ، معجم البلدان 2/16 ، دار صادر ، بيروت
[3] عزالدين بن الأثير أسد الغابة في معرفة الصحابة4/ 155
[4] ابن عبدالحكم ، فتوح مصر وأخبارها ص 263عزالدين بن الأثير أسد، الغابة في معرفة الصحابة4/ 155
[5] ابن حجر ، الاصابة في تمييز الصحابة 4/ 109 دار الجيل بيروت 1992
[6] ياقوت الحموي ، معجم البلدان 2/ 16
[7] ابن عبدالحكم ، فتوح مصر 173
[8] المصدر نفسه 58
[9] ابن عبدالحكم ، مرجع سابق ص 173 - 174
[10] آل عمران 26
[11] محمد يوسف الكندي المصري ، كتاب الولاة وكتاب القضاة ص 11 ، دار الكتاب الإسلامي القاهرة
[12] ابن حجر الاصابة 4/ 652
[13] الشيخ محمد الخضري بك ، تاريخ الامم الإسلامية 1/28 المكتبة التجارية مصر 1969
[14] المصدر نفسه ، ص 28
[15] محمد بن يوسف الكندي ، مرجع سابق ص 14
[16] ياقوت الحموي ، مرجع سابق 2/ 16 ، دار صادر
[17] العقبة : النوبة
[18] 2 ربتك ، الربية : جماعة من الناس أي أهل البيت المدنون كانه يقصد أنها ستكون من قوم مرضون، الزمخشري ، أساس البلاغة 1/3189
[19] 3 ابن عبدالحكم ، فتوح مصر 185
[20] ابن عبدالحكم ، فتوح مصر 186
[21] احمد بن يحيي بن جابر ، البلاذري ، فتوح البلدان ص 331 تحقيق د. انيس الطباع مؤسسة المعارف ، بيروت 1407 هـ - 1987م
[22] ابن عبدالحكم ، مرجع سابق 188
[23] البلاذري ، مرجع سابق ص 332
[24] راجع ابن هشام ، السيرة النبوية 3/ 298 ، مصطفي البابي الحلبي وأولاده ، مصر 1936
[25] قال غير الليت : أنما هو ابن هرقل ، لأن هرقل مات في سنة تسع عشرة والمسلمون محاصرون الأسكندرية
[26] ابن عبدالحكم ، مرجع سابق 190 - 191
[27] يوسف بن تغري بردي ، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة 1/ 12/ 13 ، المؤسسة المصرية العامةللتاليف والترجمة
|