| بحوث >> |
| 2010-04-16 | الأصول العلمية لمنهج الدعوة | |
| د. علاء الدين الأمين الزاكي | ||
|
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام علي رسول الله الأمين وعلي آله وأصحابه أجمعين.أما بعد.
فإن مقام الدعوة يعتبر من أشرف المقامات لأنه مقام الأنبياء عليهم صلوات ربي وسلامه، وبها يصل الحق، ويدفع الباطل، ويعبّد الناس إلى رب العالمين، ويكفي في أهميتها أن الله - عز وجل - قد تولى دعوة الإنسان لكي يسعد في الدارين ، فقال - سبحانه - :( وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ )[1]، وقال - تعالى - : (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ )[2]، وقال سبحانه : ( قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى )[3].
ثم أمر - تبارك وتعالى - رسله بالدعوة إليه فقال: ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ )[4] ، وقال:( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ )[5]،وقال:( وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيهَا نَذِيرٌ )[6].
وأمر سبحانه وتعالي المؤمنين بالدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقال - تعالى - : ( وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ )[7]، وأنزل - سبحانه وتعالى - الكتب وبينها للناس لعلهم يتذكرون ، وهكذا أقيمت الحجة ،( لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ )[8]، ( قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البَالِغَةُ )[9]، [(لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ )[10].
ومع أهمية الدعوة تنبع أهمية الاهتمام بها والبحث عن الوسائل المؤثرة في ايصالها للناس،فكانت هذه الورقة المتواضعة لتضع لبنة في الصرح الدعوي حتي يكون صرحاً شامخاً ومؤثراً.
وقد تناولت الورقة العناصر الأتية:ـ
أولاً:مفهوم الدعوة
ثانياً: الدعوة بين الغاية والوسيلة
ثالثاً: مسؤلية الدعوة
رابعاً:الأصول العلمية لمنهج الدعوة
خامساً:الدعوة بين الثابت والمتغير
فنسأل الله تعالي أن يوفق المسلمين للاهتمام بالدعوة نشراً للاسلام وتمكيناً له في نفوس المسلمين إنه ولي ذلك والقادر عليه.
والله الموفق والهدي إلى سواء السبيل
المبحث الأول:مفهوم الدعوة
أولاً: الدعوة في اللغة: المرة الواحدة من الدعاء، وتداعى القوم دعا بعضهم بعضا حتى يجتمعوا. والدعاة قوم يدعون إلى بيعة هدى أو ضلالة، وأحدهم داع، ورجل داعية إذا كان يدعو الناس إلى بدعة أو دين أدخلت الهاء فيه للمبالغة )[11].
وفي المصباح المنير: (دعوتُ الله دعاء ابتهلت إليه بالسؤال ورغبت فيما عنده من الخير، ودعوت زيداً ناديته وطلبت إقباله. والجمع دعاة وداعون مثل قضاة وقاضون، والنبي صلى الله عليه وسلم داعي الخلق إلى التوحيد)[12] .
وفي المعجم الوسيط: "دعاه إلى الشيء حثه على قصده، يقال: دعاه إلى القتال، ودعاه إلى الصلاة، ودعاه إلى الدين، وإلى المذهب، حثه على اعتقاده)[13] .
ومن هذا يتبين أن الدعوة في اللغة تدور حول الطلب والسؤال والنداء والحث على الشيء ونحو ذلك.
ثانياً:الدعوة في الاصطلاح:
لقد عرفت الدعوة بتعريفات كثيرة أذكر منها مايلي:ـ
قال ابن تيمية رحمه الله : (الدعوة إلى الله هي الدعوة إلى الإيمان به، وبما جاءت به رسله، بتصديقهم فيما أخبروا به، وطاعتهم فيما أمروا، وذلك يتضمن الدعوة إلى الشهادتين، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، والدعوة إلى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره، والدعوة إلى أن يعبُد ربه كأنه يراه)[14].
ولكن يؤخذ علي تعريفه رحمه الله أنه لم يعرّف الدعوة إنما ذكر هدفها.
وعرّفها بعض المتأخرين مثل محمَّد الرَّاوي بتعريفين :
الأَوَّل ، قال : ا لدعوة الإسلامية هي : (دين الله الَّذي بُعث به الأنبياء جميعًا، تجدّد على يد محمَّد صلي الله عليه وسلم خاتم النبيين كاملاً وافيًا لصلاح الدنيا والآخرة .
وقال أَيضًا : الدعوة الإسلامية : تبليغ رسالة النَّبي صلي الله عليه وسلم)[15] .
ويؤخذ عليهما ما أخذ علي التعريف السابق.
وعرّفها الدكتور أبو بكر زكرى فقال :( الدعوة هي : قيام من له أهلية النصح والتوجيه السديد من المسلمين في كلّ زمان ومكان بترغيب النّاس في الإسلام اعتقادًا ومنهجًا ، وتحذيرهم من غيره بطرق مخصوصة) [16].
وقال الدكتور ناصر العقل:( هي السعي لنشر دين الله- عقيدة وشريعة وأخلاقا، وبذل الوسع في ذلك)[17].
وقال محمَّد الغزالي : (هي برنامج كامل يضمّ في أطوائه جميع المعارف الَتي يحتاج إليها النّاس ليُبصروا الغاية من محياهم ، وليستكشفوا معالم الطريق الَتي يجمعهم راشدين )[18].
و التعريفات الثلاثة الأخيرة أقرب إلى الصواب .
فالدعوة هي حركة علمية بطريقة منهجية الغرض منها ايصال الخير الذي هو الإسلام إلي الناس إعتقاداً وعبادة وسلوكاً وأخلاقاً ومعاملة.
المبحث الثاني:الدعوة بين الغاية والوسيلة
إن الدعوة كحركة في ذاتها طريق موصل إلى غاية عظيمة وهي الإسلام،فهي بذلك تكون وسيلة لغاية عظمي،وهي في نفس الوقت تحتاج إلى وسائل فعّالة تسهل مهمتها هذه.
ويمكن القول بأن الدعوة لها غاية وهدف ولها وسيلة ولا بد عند سلوكها من نصب هذه الغاية والبحث عن الوسائل المعينة للوصول إليها.
يقول ابن تيمية:( إن الداعي الذي يدعو غيره إلى أمر ، لا بد فيما يدعو إليه من أمرين:أحدهما : المقصود والمراد.
والثاني :الوسيلة والطريق الموصل إلى المقصود)[19].
ولأهمية الغاية والوسيلة في الدعوة نذكرهما هنا في المطالب الأتية:ـ
المطلب الأول:غاية الدعوة
إن الدعوة وما تشمله من خطط وبرامج ووسائل لا بد لها من تحديد واضح لغايتها حتي لا يختلط الأمر على الناس.
والغاية الأساسية للدعوة هي الإسلام،إما الدخول فيه، وإما التمسك به، يقول ابن تيمية:( يذكر ـ الله تعالي ـ الدعوة تارة إلى الله وتارة إلى سبيله ، فإنه سبحانه هو المعبود المراد المقصود بالدعوة ")[20].
فسمّاها الله تعالي بسبيل الله،في قوله:( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)[21]،وسماها، إلى الله في قوله:( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)[22]،وسماها دعوة إلى الخير فقال تعالي:(وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)[23].
ومع الخلاف الذي تعيشه الأمة هذه الأيام لا بد من تحديد غاية واضحة تستطع أن تستوعب في داخلها كل التيارات الفكرية المعاصرة.
المطلب الثاني:وسائل الدعوة الإسلامية
إن ثمرة الدعوة تتوقف على قوة تأثير الوسيلة فكلما كانت الوسيلة أقوي كلما كانت الثمرة أعظم. يقول الدكتور الثويني:( والداعية إلى الله مطالب عقلا وشرعاً باستخدام الوسيلة الشرعية المناسبة التي يوصل دعوته إلى المدعوين عن طريقها)[24].ولأهميتة الوسائل في الدعوة خصصتها بالمسائل الآتية:ـ
المسألة الأول:تعريف الوسائل:
الوسائل لغة: جمع (وسيلة ) قال ابن منظور:( الوَسِيلةُ المَنْزِلة عند المَلِك، والوَسِيلة الدَّرَجة، والوَسِيلة القُرْبة ووَسَّل فلانٌ إِلى الله وسِيلةً إِذا عَمِل عملاً تقرَّب به إِليه والواسِل: الراغِبُ إِلى الله ،وهي في الأَصل ما يُتَوَصَّل به إِلى الشيء ويُتَقَرَّب به)[25].فكل مايتوصل به إلي شيء ما، فهو وسيلة.
أما في الاصطلاح:
فمن العلماء من عرفها بمعناها العام ومن العلماء من عرفها بمعناها الخاص.
أما التعريف العام:
فقد قال القرافي : (وموارد الأحكام على قسمين : مقاصد ، وهي المتضمنة للمصالح والمفاسد في أنفسها ، ووسائل ، وهي : الطرق المفضية إليها)[26].
ولاشك أن الدعوة من أعظم المقاصد الضرورية وفي أعلى مراتب الضروريات وهي حفظ الدين. والطرق المفضية إليها هي الوسائل.
ولكن يؤخذ علي هذا التعريف العام دخول الذرائع والتي هي وسائل إلى مفاسد، ولا يمكن أن تكون من وسائل الدعوة.
وأما الوسائل بالمعني الخاص، فقد عرفها بعضهم بالطرق المفضية إلى تحقيق مصلحة شرعية فقط .)[27]. ولا شك أن تعريف الوسائل بهذا هو الصحيح لخروج الذريعة التي لايمكن أن تتخذ كوسيلة من وسائل الدعوة إلاّ في حالات خاصة ، فيكون هذا التعريف بذلك جامعاً مانعاً.
المسألة الثانية:حكم وسائل الدعوة
إن الشريعة المباركة قد جعلت الأصل في وسائل الدعوة الإباحة إلاّ إذا ورد نص بمنعها،وذلك دعماً لمسيرة الدعوة وتأكيداً على أهميتها.يقول الدكتور مخدوم:( إن مقصود الدعوة الإسلامية هداية الناس وتحقيق المصالح لهم ، فكل وسيلة عادية تؤدي إلى هذا المقصود ، وتحققه دون أن يعارضها نهي شرعي فإنها تكون في دائرة المشروعية والاعتبار)[28]. ومن أقوي الأدلة في هذا الباب قاعدة(الأصل في الأشياء الإباحة ) [29]والمقصود بالأشياء المعاملات لا مطلق الأشياء، والوسائل من المعاملات, قال ابن تيمية:( باستقراء أصول الشريعة نعلم أن العبادات التى أوجبها الله أو أحبها لا يثبت الأمر بها إلا بالشرع، وأما العادات فهي ما اعتاده الناس فى دنياهم مما يحتاجون إليه و الأصل فيه عدم الحظر، فلا يحظر منه إلا ما حظره الله سبحانه و تعالى و ذلك لأن الأمر و النهي هما شرع الله)[30]. ومعناه أن الوسائل ليست من العبادات بالمعنى الاصطلاحي ليكون الأصل فيها التوقف حتي يرد النص بحلها،بل الأصل فيها الإباحة.
قال العلماء :(إن انتفاعنا بهاـ أي المباحات ـ لايعود علينا بالضرر ولا على غيرنا, وبأن الله عز وجل إنما خلق هذه الأشياء لحكمة لا محالة ولا يجوز أن يكون ذلك لنفع يعود إليه سبحانه , فثبت أنها لنفعنا فيكون مباحاً لنا )[31].وقال البيانوني:(والمختار هو أن الشيء إذا خلا عن الضرر للنفس وللغير فالأصل فيه الإباحة لما جاء في تأييده من الآيآت والأحاديث)[32].والوسائل من جملة ذلك.
وقد وردت أدلة كثيرة تدل على أن الأصل في الأشياء الأباحة، فمن ذلك:ـ
(أ) :قوله تعالي:( هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)[33]قال الحموي:( أَخْبَرَ بِأَنَّهُ خَلَقَهُ لَنَا عَلَى وَجْهِ الْمِنَّةِ عَلَيْنَا ، وَأَبْلَغُ وُجُوهِ الْمِنَّةِ إطْلَاقُ الِانْتِفَاعِ فَتَثْبُتُ الْإِبَاحَةُ)[34].
(ب):قوله صلي الله عليه وسلم:( ما أحل الله في كتابه فهو حلال و ما حرم فهو حرام و ما سكت عنه فهو عافية فاقبلوا من الله العافية فإن الله لم يكن نسيا ثم تلا هذه الآية (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا)[35].
(ج):لم يتوقف السلف في الوسائل إلا إذا ورد الدليل بمنعها فالناس قد انتقلوا من الدعوة باللسان إلى التأليف والتدوين ثم التسجيل ولم ينقل عن أحد أنه أنكر ذلك .
أما إذا كانت الوسيلة ممنوعة فلا يجوز استخدامها؛لأن الغاية الشريفة لا تبرر استخدام الوسيلةالممنوعة كما هو عند العلمانيين.
وقد سلك بعض الناس مسلك(الغاية تبرر الوسيلة) فأباحوا كل وسيلة وسلكوا كل طريق،والمعلوم أن هذه الفكرة فكرة إباحية الغرض منها تعدي حدود الله وإلغاء الشرع وإبعاده.وقد قررها ونادي بها من قبل (نيكولا ميكافلي) المولود في فرنسا عام 1469 م في كتابه المسمى ( الأمير)،
وقد رد علي هذه الفكرة الإباحية حتي الغربين, فقال هكسلي عن دعاتها:(إنهم يعبّدون الطريق إلى جهنم, وقال: إن الأغراض الطيبة لايمكن تحقيقها إلا بالوسائل الطيبة وحدها ولايمكن تحقيقها بالوسائل الخبيثة ’إن الغاية لا تبرر الوسيلة)[36]. وعلماء الشريعة قد بينوا ذلك من قبل، فقال العز:( ْ وَالشَّرُّ لَيْسَ قُرْبَةً وَلَا وَسِيلَةً ؛ إذْ لَا يُتَقَرَّبُ إلَى اللَّهِ إلَّا بِأَنْوَاعِ الْمَصَالِحِ وَالْخُيُورِ ، وَلَا يُتَقَرَّبُ إلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَفَاسِدِ وَالشُّرُورِ ، بِخِلَافِ ظَلَمَةِ الْمُلُوكِ الَّذِينَ يُتَقَرَّبُ إلَيْهِمْ بِالشُّرُورِ ، كَغَصْبِ الْأَمْوَالِ وَقَتْلِ النُّفُوسِ ، وَظُلْمِهِمْ الْعِبَادَ ، وَإِفْشَاءِ الْفَسَادِ وَإِظْهَارِ الْعِنَادِ ، وَتَخْرِيبِ الْبِلَادِ)[37]،وقال العنزي:( ذهب فريق إلى استنفار جميع ما يمكن من وسائل وأساليب في سبيل الوصول إلى الغاية ، بغض النظر عن حِل الوسيلة أو عدم جوازها ، وهم يسيرون على قاعدة الغاية تبرر الوسيلة ، سواء قالوها بألسنتهم أو ترجمتها أفعالهم ، ولذلك تجد هذا الصنف، كثير التخبط والتقلب والترحل في أمور الدنيا والدين ، ويغلب على من سلك هذا السبيل الطيش ، والعجلة ، والتهور ، والمغامرة) [38].
وتكون الوسيلة ممنوعة في عدة حالات منها:ـ
أولاً:إذا ورد النص بتحريمها ،كالمولاة المحرمة تتخذ وسيلة للدعوة لقوله تعالي:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)[39]،وكالخمر تجعل وسيلة لا استقطاب الناس لأن الخمر لا خلاف في حرمتها.
ثانياً:أن تكون الوسيلة في ذاتها مفسدة وإن لم يرد فيها نص شرعي بحرمتها، ولكن عرف من واقع الحال أنها مفسدة .كالرقص مثلاً.
ثالثاً:أن تكون الوسيلة صحيحة ولكنها مفضية إلى مفسدة علي وجه القطع أو الظن الغالب، وبهذا قد أصبحت ذريعة.كدعوة النساء باللسان إذا تيقن أو غلب على ظنه الداعية الفتنة.
المبحث الثالث:مسؤلية الدعوة
تقع مسؤلية الدعوة على عاتق كل مسلم شهد ألا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله والأدلة علي ذلك كثيرة منها مايلي:ـ
أولاً: قوله:( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ)[40].
ثانياَ: قوله تعالي:( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)[41].
قال ابن كثير:( يقول الله تعالى لعبده ورسوله إلى الثقلين الإنس والجن، آمرًا له أن يخبر الناس أن هذه سبيله، أي طريقه ومسلكه وسنته، وهي الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يدعو إلى الله بها على بَصِيرة من ذلك، ويقين وبرهان، هو وكلّ من اتبعه، يدعو إلى ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم على بصيرة ويقين وبرهان شرعي وعقلي.)[42].
وقال الرازي:( وسيرة أتباعي الدعوة إلى الله ، لأن كل من ذكر الحجة وأجاب عن الشبهة فقد دعا بمقدار وسعه إلى الله)[43].
ثالثاً:عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( الدِّينُ النَّصِيحَةُ قُلْنَا لِمَنْ قَالَ لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ )[44].
رابعاً:عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « بَلِّغُوا عَنِّى وَلَوْ آيَةً ، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِى إِسْرَائِيلَ وَلاَ حَرَجَ ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَىَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ )[45].
قال الحافظ:قال النهرواني:( وَلَوْ آيَة " أَيْ وَاحِدَة لِيُسَارِع كُلّ سَامِع إِلَى تَبْلِيغ مَا وَقَعَ لَهُ مِنْ الْآي وَلَوْ قَلَّ لِيَتَّصِل بِذَلِكَ نَقْل جَمِيع مَا جَاءَ بِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)[46].
وتتأكد مسؤلية الدعوة في حق ثلاثة جهات أساسية هي الدولة والمجتمع والأسرة.
المطلب الأول:دورالدولة في الدعوة
يعتبر دورالدولة من أعظم الأمورفي الدعوة لما لديها من إمكانات تؤهلها يمكنها للقيام بما يعجز عنه الآخرون؛ وذلك بحكم سلطانها علي الناس و إمتلاكها لأعظم وسائل الدعوة.ولو أن الدول الإسلامية خصصت جزءاً من موازنتها لدعم الدعوة كما تفعل الدول الكنسية في دعمها للتبشير لقطعت الدعوة شوطاً كبيراً ؛لأن أغلب مشاكل الدعوة وأعظم أسباب فشلها تكمن في التمويل.
وقد كانت الدولة علي مر التأريخ الإسلامي تضطلع بدور مهم في الدعوة إلي الله تعالي. ويمكن الاشارة هنا إلي بعض المحطات.
أولاً:في عصر النبي صلي الله عليه وسلم قامت الدولة بمايأتي:ـ
1- طريق البعوث والرسائل إلى الملوك والحكام ، فقد كاتبهم يدعوهم إلى الله . ومن ذلك كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل عظيم الروم ، وفيه : أما بعد ، فإني أدعوك بدعاية الإسلام ، أسلم تسلم ، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين »[47].
2- طريق الوفود . فكان تبليغ الدعوة ، وتعليم الناس الدين يتم عن طريق الوفود التي تفد على النبي صلى الله عليه وسلم راغبة في التعرف على دين الله ، فيفدون إليه ، ويتلقون الدين منه ويعرض الدعوة عليهم ، وقد عد ابن سعد[48] رحمه الله في كتابه الطبقات واحدًا وسبعين وفدًا .
ثانياً: أيام الخلافة الراشدة فتحت أعظم البلاد وأسقطت أكبر الدول فارس والروم ودخل الناس في جميع أنحاء العالم في دين الله أفواجاً.
ثالثاً:في أيام بني أمية توسعت رقعة الدولة الإسلامية وقويت حتي النصاري لما أثقلتهم الجزية دخلوا في الإسلام وكذلك في دولة بني العباس.
وفي القرون التي تمثل ازدهار حضارة الإسلام ، كان الاعتزاز بإسلامية الدولة وعالمية دعوتها وقدسية رسالتها .
رابعاً:في العصر الحديث ، يوجد اتجاهان رئيسان في علاقة الدولة بالدعوة ، وإسهامها فيها ، واعتبارها ضمن واجباتها .
الاتجاه الأول : إنكار مسؤولية الدولة عن الدعوة ، بل عن حفظ الدين أساسًا ، إذ إن العلمانية ، وهي في جوهرها لا تلقي بالا إلا للحياة الدنيا ، لا يتصور أن يكون حفظُ الدين أحدَ مقاصدها أو الدعوة إليه ، ضمن واجباتها السياسية أو الاجتماعية ، ذلك أن السياسة في النظر العلماني تقتصر على تدبير أمور المعاش وحده بلا معاد ، وأمور الدنيا دون الآخرة ، ولذلك فإن الدولة ليست مسؤولة عن الدين ، وقصارى ما تدعيه لنفسها من فضل ، أنها تترك المتدينين وشأنهم في عباداتهم وشعائرهم ، وهي في ذلك تتظاهر بالحياد بين الإيمان والكفر ، وهي في الحقيقة إلى الكفر أقرب . وقد يكون هذا الإنكار واضحًا ومعلنًا بطريقة سافرة .
الاتجاه الثاني: فهو . إقرار الدولة بمسؤوليتها عن الدعوة ، ووجوب الإسهام في أعمالها ، وهو السائد في العديد من البلاد الإسلامية ، وعلى الرغم من أن دساتير بعض هذه البلاد لا تصرح بأن الإسلام دين الدولة ، إلا أن الواقع أهم من النصوص في هذا الشأن ، ولا تستطيع الدولة أن تتنكر لواجبها في خدمة الإسلام ، والدعوة إليه ، والدفاع عنه ، وحفظ أهله .
ويتمثل دور الدولة المعاصرة في الدعوة إلى الله في عدة أمور:ـ
الأمرالأول:الإدارة الدعوية الناجحة
تلك الإدارة التي تجمع بين الثوابت والمتغيرات وتوفق بين المضمون والوسيلة،وتضع الخطط،وتشرف علي البرامج بوعي وإدراك وتمييز،وتبحث عن الوسائل الفعالة والمشروعة.وهذه الإدراة تتميز بالأتي:ـ
أولاً:الإخلاص لله تعالي.
ثانياً:الحكمة بمفهومها الشامل وضع الشيء في محله.
ثالثاً:التجرد من الولاء لغير الله.
رابعاً:الإمكانات العقلية الواسعة التي بها تستوعب الشرع والواقع وتستوعب كيفية إنزال أحدهما علي الآخر.
الأمرالثاني:التخطيط السليم
ومن قواعد النجاح العظمى ما يسمى بـ ( التخطيط ) ، فإن أنت رُمْتَ النجاح فإنه لا بد أن تلج من بوَّابته ،قال بعض المعاصرين: ( لا يمكن أن تتخذ أولى خطواتك على طريق النجاح بلا خطة)[49].
والتخطيط يدور على محاور ثلاثة :
المحور الأول : الهدف ؛ إذ لا بد للإنسان من هدفٍ يسعى إلى تحقيقه ؛ فالسير بغير هدف مضيعة للوقت والجهد ، والسائر بدون هدف مثله كرُبَّان السفينة الذي لا يعرف أين يتجه ؛ فهو يخبط خبط عشواء ، ويهيم على وجهه تتقاذفه الأمواج)[50] .
المحور الثاني : الزمن ؛ حيث يتعين جعل مدة زمنية لتحقيق ذلك الهدف .
يقول سلمان:(متي لم يكن لديك توقيت سليم للخطة ؛ فإنك لا تستطيع الجزم بمتى ستنتهي اليوم ، أو غداً ؟ وستمتد الخطة إلى ما لا نهاية في المستقبل)[51].
المحور الثالث: الوسائل والطرق الموصلة إلى تحقيق ذلك الهدف ؛ فإذا لم يعرف العامل الطريق الموصل إلى هدفه ؛ فإنه لن يصل إلى مقصوده، قال ابن القيم رحمه الله :( طالب النفوذ إلى الله والدار الآخرة ؛ بل إلى كل علمٍ وصناعة ورئاسة ؛ بحيث يكون رأساً في ذلك مقتدى به : يحتاج أن يكون شجاعاً مقداماً حاكماً على وَهْمِه ، غير مقهور تحت سلطان تخيُّله ، زاهداً في كل ما سوى مطلوبه ، عاشقاً لما توجَّه إليه ، عارفاً بطريق الوصول إليه والطرق القواطع عنه)[52].
الأمرالثالث:التأهيل المتكامل
الدولة لما لديها من قدرات في شتي المجالات يمكنها أن تعد الدورات التأهيلية للدعاة سواء أن كانت علمية شرعية أو إدارية أو غير ذلك.
الأمر الرابع:الحسبة
والحسبةهِيَ( أَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ إذَا ظَهَرَ تَرْكُهُ ، وَنَهْيٌ عَنْ الْمُنْكَرِ إذَا ظَهَرَ فِعْلُهُ ، وَإِصْلَاحٌ بَيْنَ النَّاسِ)[53]وقال الماوردي:( هِيَ أَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ إذَا ظَهَرَ تَرَكَهُ وَنَهْيٌ عَنْ الْمُنْكَرِ إذَا أُظْهِرَ فَعَلَهُ)[54]. والأصل في ذلك قوله تعالي:( لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا)[55].
فالحسبة من أكبر وسائط الدعوة وأشملها وأكثرها تأثيراً وأشرفها مكانة، قال الغزالي رحمه الله:( إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في الدين، وهو المهم الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين، ولو طوى بساطه وأهمل علمه وعمله لتعطلت النبوة واضمحلت الديانة وعمت الفترة وفشت الضلالة وشاعت الجهالة واستشرى الفساد واتسع الخرق وخربت البلاد، وهلك العباد، ولم يشعروا بالهلاك إلا يوم التناد)[56].
ورغم أن مهمة الحسبة تضامنية بين الدولة والمجتمع إلاّ أن دور الدولة فيها كبير؛لما تمتلكه من سلطان وقوة . و قد جعلها الله تعالى واجبا دينيا ومهمة أساسية للدولة المسلمة ، تتوقف صلاحيتها للاستمرار في قيادة الأمة على القيام بهذا الواجب ، قال الله تعالى : { الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ )[57].وقد كانت ولاية الحسبة في الدولة الإسلامية من أهم الولايات وما ذاك إلاّ لما لها من أثر في الدعوة إلي الإسلام.
الأمرالخامس:سد الثغرات
والمقصود بذلك الثغرات التي تعيق طريق الدعوة وتفح باباً لفتنة المسلمين عن دينهم وتمكن عدو الدعوة من إعاقة سيرها.
ومن أعظم الثغرات التي يجب سدها مايلي:ـ
(أ)حماية عقائد المسلمين.
والذي لايخفي علي أحد أن مهمة الدولة الأساسية حماية الدين. قال الماوردي:( الْإِمَامَةُ مَوْضُوعَةٌ لِخِلَافَةِ النُّبُوَّةِ فِي حِرَاسَةِ الدِّينِ وَسِيَاسَةِ الدُّنْيَا)[58].وتكون حماية عقائد المسلمين بالأتي:ـ
1/منع الطعن في عقيدة المسلمين.
2/تقرير حد الردة حماية للعقيدة
3/الحد من النشاطات المشبوهة كالتبشير وغيره
4/محاربة الأفكار التي تؤثر في العقيدة كالدعوة إلي وحدة الأديان وجبهة المؤمنين وغير ذلك.
(ب)استبانة سبيل المجرمين والمراد بيان طرق وأساليب ومعتقدات المجرمين،قال تعالي:( وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ)[59].
قال الزمخشري:( والمعنى : وبمثل ذلك التفصيل البيّن نفصل آيات القرآن ونلخصها في صفة أحوال المجرمين . من هو مطبوع على قلبه لا يرجى إسلامه ، ومن يرى فيه إمارة القبول وهو الذي يخاف إذا سمع ذكر القيامة ، ومن دخل في الإسلام إلا أنه لا يحفظ حدوده ، ولتستوضح سبيلهم فتعامل كلاً منهم بما يجب أن يعامل به ، فصلنا ذلك التفصيل .)[60].
فلابد من سد هذه الثغرة حتي لا يلتبس الأمر علي الناس فيحدث الضلال.
يقول محمد قطب:( إن استبانة سبيل المجرمين يتضمن أمرين: أولاً : بيان من هم المجرمون؟ وثانياً: بيان السبيل الذي يسلكونه، والذي من أجله أصبحوا مجرمين.)[61].
فلو لم يكن لاستبانة سبيل المجرمين فائدة في الدعوة خاصة وأن الآية السابقة مكية لما فصله ربنا تعالي لنبيه صلي الله عليه وسلم.
الأمر السادس: النقد الذاتي ، والمراجعة الدائمة ، والتقويم المستمر.
وتبدو أهمية هذه المراجعة في أن الوقفات مع النفس تصحح المسار وتبصر الإنسان بأخطاءه التي وقع فيها لئلا تتكرر،و تبيّن للإنسان درجة النجاح والفشل.فالإدارة الدعوية الناجحة هي التي تستفيد من أخطاء الماضي للمستقبل وتستعين بنجاحات الماضي لتزداد نجاحاً في المستقبل.
المطلب الثاني:دور المجتمع في الدعوة
المجتمع بكل أركانه له دور كبير في الدعوة إلى الله تعالي ويمكن حصر دور المجتمع في الأتي:ـ
أولاً:التعاون علي البر والتقوي مع الدولة في البرامج الدعوية.
ثانياً:القيام بواجب الاحتساب في داخله والتأكيد علي مبدأ التناصح.
ثالثاً:توحيد صفوفه ضد الأفكار التي تريد هدمه،وتود النيل من تماسكه وصحة فكرته.
رابعاً:التأكيد علي مبدأ الأخوة في الله بكل شروطه وحقوقه وذلك لخلق أرضية صالحة للدعوة.
المطلب الثالث:دورالأسرة في الدعوة
تقوم الأسرة بدور عظيم وكبير في الدعوة؛ وذلك لأنها تمثل النواة الأساسية للمجتمع الكبير،فلو أن الأسرة قامت بدورها في هذا الباب لأدي ذلك لتكوين مجتمع صالح. وإسهام الأسرة في الدعوة يكون بالآتي:ـ
أولاً:قيام الأباء بمسؤلياتهم الشرعية في داخل الأسرة، قال صلي الله عليه وسلم :( كُلُّكُمْ رَاعٍ ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِى أَهْلِهِ وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِى بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا ، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِى مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ - قَالَ وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ - وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِى مَالِ أَبِيهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)[62].
ثانياً:التوجيه والإرشاد قال تعالي:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)[63].
ثالثاً:التربية الإسلامية الصحيحة على الطاعة قال صلي الله عليه وسلم:( مُرُوا أَوْلاَدَكُمْ بِالصَّلاَةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرِ سِنِينَ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِى الْمَضَاجِعِ )[64] علي الأخلاق الفاضلة كالصدق مثلاً قال صلي الله عليه وسلم:( من قال لصبي تعال هاك ثم لم يعطه فهي كذبة)[65].
رابعاً: القدوة الحسنة للأولاد لما لها من أثر كبير خاصة وأن الولد يقلد والديه.
المبحث الرابع:الأصول العلمية لمنهج الدعوة
إن المنهج العلمي الصحيح للدعوة يقوم علي أعمدة قوية وركائز ثابتة وأصول متميزةلا بد منها عند ولوج أمر الدعوة فمن ذلك مايلي:ـ
الأصل الأول:القرآن والسنة هما أصل الدعوة ومصدرها.
فلا يمكن لأي داعية أن يسلك طريقاً بعيداً عن الوحي المبارك لأنهما مصدر التشريع وأساس الأحكام وهذه لا يخالف فيها إلاّ متساهل أراد تضيع الشرع وتغير معالم الدين.
فمن أراد الهداية فإن القرآن يهدي للتي هي أقوم قال تعالي:( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا)[66].
ومن أراد القصص ففيه أحسن القصص قال تعالي:( نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآَنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ)[67] ومن أراد الحديث ففيه أحسن الحديث قال تعالي:( اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ)[68].
وقال صلي الله عليه وسلم:( فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِى فَسَيَرَى اخْتِلاَفًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِى وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ)[69].
فالدعوة مع حصول الخلاف لا مصدر لها غير الوحي المعصوم المبارك فهو الفصل عند النزاع والحق عند كثرة الأهواء. وتظهر ضرورة إلتزام الوحي في الحالات الآتية:ـ
أولاً:الوسائل التي يرد منعها في النصوص الشرعية فلا يمكن لأي عاقل أن يتعداها وتحدها .
ثانياً:عند التعامل مع مسائل العقيدة والعبادة لأن الأصل فيها التوقف.
الأصل الثاني:البصيرة أساس الدعوة
فقد بين ربنا تعالي هذا الأصل في كتابه فقال:( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)[70].
قال ابن القيم :( أعلى درجات العلم : البصيرة ؛ التي تكون نسبة العلوم فيها إلى القلب كنسبة المرئي إلى البصر ، وهذه هي الخِصّيصة التي اختص بها الصحابة عن سائر الأمة ، وهي أعلى درجات العلماء )[71].
يقول العنزي:( معنى الدعوة إلى الله تعالى على بصيرة هي : أن يكون الداعية إلى الله عالما بما يدعو إليه ، وعالما بحال المدعوين وإيصال ما يصلح لهم وينفعهم ، وعالما أيضا بطريقة الدعوة إلى الله تعالى ، مؤطرا كل ذلك بالنصوص الشرعية وما عليه سلف الأمة رضوان الله عليهم ، مع الأخذ بالأساليب والوسائل الشرعية المتاحة ، وترك الوسائل المنهي عنها)[72].
الأصل الثالث:شمول الدعوة
والمقصود ألاّ نختزل الدعوة في جانب ونترك بقية الجوانب؛وذلك لأن جوانب الحياة كلهايجب أن تكون لله قال تعالي:( قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)[73].فإعمال بعض الجوانب وترك الأخري يضعف الدعوة ويجعل الشرع عضين.
الأصل الرابع:ترتيب الأولويات
يعد ترتيب الأولويات حسب أهميتها، وحسب قوة تأثيرها، وحسب الحاجة إليها من الدلائل والإشارات الإبداعية عند الفرد، أو عند المجموعة.
وأعظم دليل على ترتيب الأولويات في الدعوة وصية النبي صلي الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه:( إِنَّكَ تَأْتِى قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّى رَسُولُ اللَّهِ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِى كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ فِى فُقَرَائِهِمْ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ ).[74]وتظهر ضرورة ترتيب الأولويات في أن التكاليف الشرعية ليست على درجة واحدة، يقول الشيخ بن حميد:( في الدعوة كليات وجزئيات ، وواجبات ومستحبات ومحرمات ومكروهات ، وقضايا كبرى وصغرى . . كل يجب أن تعرف مواقعها وتوضع في مواضعها .وأظن الأمر أوضح من أن يبسط القول فيه)[75].
ومن ترتيب الأولويات في الدعوة مثلاً، اختيار المدعو ، فمن الذي يتم اختياره أولاً ، ومن الذي يؤخر اختياره ، مع العلم بأن هذا الترتيب يمكن استخدامه في حال أن الدعوة إلى الله تعالى تسير في خط تأسيسي ، وأن الظروف التي تمر بها مستقرة ، أما في حالات الضغط على الدعوة ، أو في حالات الفرص والحاجة إلى اغتنامها ، فإن هذا ما يقدره الداعية إلى الله تعالى بنفسه ويشاور من يثق من إخوانه.
وتحدد الأوليات وفق جملة من الضوابط منها مايأتي:ـ
1 - الاعتماد على المصادر الأصيلة في الاستدلال والتلقي.
3 - الموازنة بين المصالح والمفاسد
4 - تقديم العناية بالأعمال التي يبنى عليها غيرها.
5 - مراعاة قدرات الأشخاص.
6- الإعراض عن المسائل التي لا ينبني عليها عمل جاد)[76].
الأصل الخامس: يجب أن يكون الولاء لله لا للأشخاص ؛ فالحق باق والأشخاص زائلون ، واعرف الحق تعرف أهله، فالولاء لله تذوب فيه كل الانتمائات والجماعات.قال تعالي:( فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) [77]. قال الغزالي:( طالب الحق كناشد ضالة لا يفرق بين أن تظهر الضالة على يده أو على يد من يعاونه)[78]
الأصل السادس: (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ) :
لقد أزعج الكافرين ثبات الرسول -صلى الله عليه وسلم- على مضمون الدعوة وجوهرها ، وعدم تراجعه عنها ومساومته عليها ، ونجاحه في سلوك الأسلوب الناجح في عرض هذه الحقائق وتقديمها للناس .. أزعجهم تفريقه بين الأسلوب والمضمون ، وفصله بين ما يجب أن يقال وكيفية وطريقة أن يقال .. ولهذا أرادوا أن يساوموه ويداهنوه ، أرادوا منه أن يتراجع عن موقفه ، ويتنازل عن خصائصه .. [ ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ] .وهكذا دائماً أعداء الدعوة يستخدمون نفس الأسلوب مع الدعاة إلى الله. فلو أن الداعية جامل في دعوته وتنازل عن جزء منها فهو لا يمثل الدعوة ولا ينبغي أن ينتسب لها.
والداعية الموفق هو الذي يستخدم بدل المداهنة المداراة.وهي كما قال العيني:( لين الكلمة وترك الإغلاظ لهم في القول وهي من أخلاق المؤمنين)[79].
والأصل في المداراة الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري في صحيحه في باب المدارة مع الناس ’(أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - رَجُلٌ فَقَالَ « ائْذَنُوا لَهُ فَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ » . أَوْ « بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ » . فَلَمَّا دَخَلَ أَلاَنَ لَهُ الْكَلاَمَ . فَقُلْتُ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْتَ مَا قُلْتَ ، ثُمَّ أَلَنْتَ لَهُ فِى الْقَوْلِ . فَقَالَ « أَىْ عَائِشَةُ ، إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ تَرَكَهُ - أَوْ وَدَعَهُ - النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ)[80].
قال القرطبي :(فِي الْحَدِيث جَوَاز غِيبَة الْمُعْلِن بِالْفِسْقِ أَوْ الْفُحْش وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ الْجَوْر فِي الْحُكْم وَالدُّعَاء إِلَى الْبِدْعَة مَعَ جَوَاز مُدَارَاتهمْ اِتِّقَاء شَرّهمْ مَا لَمْ يُؤَدِّ ذَلِكَ إِلَى الْمُدَاهَنَة فِي دِين اللَّه تَعَالَى) [81].
وهناك فرق بين المداراة المشروعة في الدعوة والمداهنة المحرمة. وَالْفَرْق بَيْنَ (الْمُدَارَاة وَالْمُدَاهَنَة)’ أَنَّ الْمُدَارَاة بَذْل الدُّنْيَا لِصَلَاحِ الدُّنْيَا، أَوْ الدِّين أَوْ هُمَا مَعًا ، وَهِيَ مُبَاحَة ، وَرُبَّمَا اُسْتُحِبَّتْ ، وَالْمُدَاهَنَة تَرْك الدِّين لِصَلَاحِ الدُّنْيَا)[82] ،وقال ابن حجر:( وَضَابِط الْمُدَارَاة أَلَا يَكُون فِيهَا قَدْح فِي الدِّين ، وَالْمُدَاهَنَة الْمَذْمُومَة أَنْ يَكُون فِيهَا تَزْيِين الْقَبِيح وَتَصْوِيب الْبَاطِل)[83].
الأصل السابع :الحكمة في الدعوة
والحكمة كما قال ابن عاشور:( هي اسم جامع لكل كلام أو علم يراعى فيه إصلاح حال الناس واعتقادهم إصلاحاً مستمراً لا يتغيّر)[84] .وبهذا تشمل استخدام كل الوسائل
يقول القحطاني:( من الناس من يظن أو يعتقد أن الحكمة تقتصر على الكلام اللين ، والرفق ، والعفو ، والحلم . . . فحسب . وهذا نقص وقصور ظاهر لمفهوم الحكمة ؛ فإن الحكمة قد تكون باستخدام الرفق واللين ، والحلم والعفو ، مع بيان الحق علمًا وعملاً واعتقادًا بالأدلة
وتارة تكون الحكمة باستخدام الموعظة الحسنة المشتملة على الترغيب في الحق والترهيب من الباطل وتارة تكون الحكمة باستخدام الجدال بالتي هي أحسن ، بحُسن خلق ، ولطف ، ولين كلام ، ودعوة إلى الحق ، وتحسينه بالأدلة العقَلية وَالنقلية ، ورد الباطل بأقرب طريق وأنسب عبارة ،وتارة تكون الحكمة باستخدام القوة)[85]
وتعتبر الحكمة من الأصول المهمة في منهج الدعوة إلى الله فهي تعين الداعية في اختيار الأسلوب الأمثل لكل أصناف المدعوين، والوسيلة المناسبة حسب أحوال المدعوين.وقد أمر الله نبيه صلي الله عليه وسلم بسلوك الحكمة في الدعوة، قال تعالي:( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)[86]، وبين سبحانه أن من أعطي الحكمة فقد خص بخير عظيم فقال تعالي:( يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ)[87].
المبحث الخامس:الدعوة بين الثابت والمتغير
لقد ظلت الدعوة منذ أن بعث الله سيد الدعاة محمداً صلي الله عليه وسلم إلى يومنا هذا راسخة رسوخ الجبال رغم محاولات البعض لإضعافها وتقليل تأثيرها،وذلك لأن غايتها وهدفها شرع حفظه الله تعالي ما اعتراه تغيير ولا تحريف ولا تبديل، وظلت كذلك الدعوة تواكب التطورات وتتأقلم مع كل واقع دون أن تسلك مسلكاً مخالفاً للشرع وهذا يدل علي مرونتها وأنها بإمكانها تحقق نفس الغاية مع المواكبة.ونتج من ذلك وجود ثوابت لا تقبل التغيير ووجود بعض الأشياء التي يمكن أن تتغير بتغير الزمان والمكان والحال.
فمن الدعوة الثابت الذي لا يُقبل التنازل عنه في المناهج تحت أي ظرف من الظروف وإلاّ ضاع الدين. يقول د.الخالدي:( مضمون الدعوة ثابت ، وحقائقها راسخة .. وكل من اعتدى عليها لينال رضاء الناس والقبول لديهم فقد خان الأمانة ونقض العهد وباء بسخط من الله قال تعالي:( فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاًً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ ووَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ)[88]. ومن هذه الثوابت مايلي:ـ
أولاً: التمسك والانطلاق من كتاب الله وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم وما ورد فيهما من أحكام.
يقول د.الخالدي:(و من حقائق الدعوة الثابتة التي لا تغيير فيها ولا تبديل : بيان الحق والباطل ، وبيان الطريق إلى الله ، وبيان الدين عند الله ، وبيان أوصاف الذين يحبهم الله ، وأوصاف الذين يبغضهم الله ، وبيان الوظيفة والغاية وبيان الحلال والحرام ، والمعروف والمنكر ، وبيان ما يقرره الإسلام ، وما يبطله في حياة الأفراد والأمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية والسلوكية والإيمانية ، وبيان أوصاف الكافرين والظالمين والمعتدين ..)[89].
ثانياً العقيدة و جانب التوحيد، وما يتبع ذلك من أن الدين الصحيح الوحيد هو الإسلام وما عداه باطل والكتاب الصحيح والمهيمن هو القرآن وماعداه محرف وما صح منه فهو منسوخ.
قال صلي الله عليه وسلم:( وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لاَ يَسْمَعُ بِى أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِىٌّ وَلاَ نَصْرَانِىٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِى أُرْسِلْتُ بِهِ إِلاَّ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ )[90].يقول د.الخالدي:( هناك حقائق وقواعد وأسس لم يتنازل عنها أو يتراجع رسول الله صلي الله عليه وسلم، ولم يفاوض حولها أو يهادن أو يساوم : إن المؤمنين هم أهل الجنة ، وإن الكافرين هم أصحاب النار ، إن الكافرين ليسوا على دين ، وإن الحق حق والباطل باطل ، وإن المعروف مطلوب والمنكر مذموم متروك .. إلى غير ذلك من الحقائق الثابتة والقواعد الراسخة)[91].
ثالثاً: إذا ورد النص بحرمة وسيلة لا يجوز استخدامها فتبقي حرام إلى الأبد
أما المتغير في الدعوة . أي الأمور التي تتغير بتغير الحال والزمان ولا تثبت علي حالة واحدة فمنها ما يلي:ـ
أولاً:الخطط ؛ لأن أساليب الباطل قد تتغير فيلزم من ذلك تغيير الخطط لمواكبة ذلك.
ثانياً: الوسائل لمقابلة المستجدات، واستخدام أسرع الوسائل أنجعها ما دام أنها مشروعة ،فاليهود استخدموا الإعلام للفتك بالأمة والدخول إلى الأسر بدون استئذان.فلا بأس من استخدامه لسرعة إيصاله المعلومة للناس.
ثالثاً:الأسلوب فإنه يتغير بحسب أصناف المدعوين وبحسب أحوالهم،فقد يصلح أسلوب لشخص ولا يصلح لآخر ،والقرآن فيه الترغيب والترهيب.
فموسي عليه السلام أمره الله تعالي بإسلوب اللين مع أعتى العتات فرعون فقال:( اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى)[92].وقد أمر الله نبينا صلي الله عليه وسلم بقوله:( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)[93].وأمره بإسلوب آخر بقوله:( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)[94].فالأسوب يختلف بحسب الأحوال والظروف.
والله الموفق
الخاتمة
الجمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف خلق الله وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد.
فإن الدعوة من أعظم الوظائف وأهما ويكفي في ذلك قوله تعالي:( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ)[95]وزد على ذلك أنها وظيفة الأنبياء أفضل الخلق علي الإطلاق.
وبعد تناولي لموضوعات الدعوة في هذه الورقة أخلص لأهم التوصيات وهي كالآتي:ـ
أولاً:إن أمة النبي صلي الله عليه وسلم أمة دعوية لا بد أن تؤدي هذه الرسالة في كل زمان ومكان.
ثانياً:ضرورة اشتراك الجميع في الدعوة الدولة والمجتمع.
ثالثاً:الدخول في الدعوة برؤية واضحة دون مداهنة ولا تضييع للدين لأن ذلك يفقد الداعية شخصيته الإسلامية الدعوية ويسقطه في نظر أعدائه وتكون دعوته خصماً على الدعوة..
رابغاً:الإعداد العلمي والإداري يعجل بثمرة الدعوة .
خامسأً:الاجتهاد في باب الوسائل مادام أنها لا تصادم نصاً شرعياً.
والله أسأله التوفيق والسداد إنه نعم المولي ونعم المصير .
* هذه الورقة قدمت بندوة قضايا الدعوة الإسلامية في السودان ـ الخرطوم 2008م
[1] سورة يونس آية 25
[2] سورة البقرة 221
[3] سورة إبراهيم 10
[4] سورة النحل125
[5] سورة النحل 36
[6] سورة فاطر24
[7] سورة آل عمران 104
[8] سورة النساء 165
[9] سورة الأنعام 149
[10] سورة الأنفال 42
[11] انظر لسان العرب 13/258 مادة (دعا)
[12] المصباح المنير للفيومي 194
[13] المعجم الوسيط1/286
[14]مجموع فتاوى ابن تيمية ج15/157.
[15] الدعوة للإسلام دعوة عالمية محمد الراوي
[16] الدعوة إلى الإسلام ، للدكتور أَبي بكر زكرى ، ص8 ، مكتبة دار العروبة ، القاهرة .
[17] العلماء هم الدعاة ص8
[18]مع الله ص17دار الكتب الحديثة مصر
[19] الفتاوى15/192
[20] المرجع السابق
[21] سورة النحل 125
[22] سورة يوسف آية 108
[23] سورة آل عمران 104
[24] انظر كتاب من وسائل الدعوة ص3
[25] لسان العرب 11/724 دار صادر طبعة أولى
[26] شرح تنقيح الفصول ص449 .
[27] مقاصد الشريعة ابن عاشور ص148
[28] انظر قواعد الوسائل في الشريعة الإسلامية ص343
[29] الأشباه والنظائر ص60
[30] مجموع الفتاوى 29/16
[31] روضة الناظر ص22 ,الأشباه والنظائر 1/97
[32] الحكم التكليفي في الشريعة ص242
[33] سورة البقرة آية 29
[34] غمز عيون البصائر1/224
[35] الحاكم في المستدرك وصححه ووافقه الذهبي 2/347 ،برقم 3236
[36] الوسائل والغايات هكسلي ص6ـ7
[37] قواعد الأحكام1/112
[38] البصيرة في الدعوة ص55
[39] سورة المائدة 51
[40] سورة فصلت آية 33
[41]سورة يوسف آية 108
[42] تفسير ابن كثي |
||
|
تعليق |
|
| الاسم | |
| البريد الالكتروني | |
| التعليق | |
