English   Français

   

آخر تحديث: الجمعة 27 جمادى الآخرة 1433 هـ الموافق 18 مايو 2012م

بحوث >> 


2010-04-16 تجديد الخطاب الدعوى الإسلامي
د. ناهد حمزة محمد صالح

المحاور :

1/ مفهوم التجديد في الخطاب الإسلامي.

2/ حاجة الخطاب الدعوى إلى التجديد.

3/ الخطاب الدعوى وتحديات الواقع السوداني.

4/ الخطاب الدعوى وتحديات العولمة.

5/ نماذج لمراجعات الخطاب الدعوى المعاصر.

6/ سمات الخطاب الدعوى المعاصر.

7/ التوصيات.

8/ المراجع.

مفهوم التجديد في الخطاب الإسلامي

إن اصطلاح "الخطاب الدعوى" اصطلاح مستحدث في الدراسات الحديثة ولنا أن نقول بأن الخطاب أسلوب من أساليب الدعوة، ولا يستطيع أحد أن ينكر ذلك. وحتى يتبين المقصود فإننا سنركز على:

1/ ما يدور حوله لفظ "الخطاب" من معاني.

2/ المعاني التي تدور حولها لفظة "دعوة".

3/ ربط ذلك بأسلوب القرآن في عرض الدعوة خطابياً.

أولاً:

يدور لفظ "الخطاب" في كل كتب المعاني حول إلقاء بعض الكلمات الهادفة على آخر أو آخـرين، فيقال خطب الناس وفيهم وعليهم خطابة وخطبه، أي ألقى عليهم خطبة.

تخاطباً: تكالماً وتحدثاً وخاطبه أي وجه إليه كلاماً، ويقال خاطبه في الأمر أي حدثه بشأنه. "المعجم الوجيز، ص: 202".

وعليه فإن الخطاب هو المحادثة وتوجيه الكلام من طرف لآخر بأمر من الأمور.

ثانياً:

لفظ "الدعوة" فإنه يقال دعا بالشيء دعواً، دعوة، ودعاء ودعوى.. طلب إحضاره، ودعا الأمر إلى كذا تطلبه ودعا فلاناً صاح به وناداه، ودعا الله رغب إليه وأبتهل ورجا منه الخير... الخ. "الوجيز، ص: 228".

وعليه فإن مادة "الدعوة" تدل على طلب شيء ليحضر ومن يدعو آخر إلى فكرة أو هدف يطلب رضاه وتسليمه بها وأيمانه ليحضر وليتفق معه على ما يريد سواء أكانت هذه الفكرة فكرة حق أم باطل.

ثالثاً:

أما عن دراسة التركيب مجتمعاً "الخطاب الدعوى القرآني" فالمقصود به توجيه الكلام للمدعوين في القرآن الكريم لإقناعهم بدعوة الإسلام أو تكليف بتشريع ونحو ذلك. والقرآن الكريم مليء بالأساليب الخطابية التي تقيم الحجج على المخالفين في كل مواطن أو غير المخالفين لإقناعهم بقضية ما.

هذا وقد أخذ أسلوب الخطاب القرآني شكلاً أخر، فإنه قد يوجه إلى المؤمنين بل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومثال لذلك ما خوطب به الرسول صلى الله عليه وسلم "يا أيها الرسول بلغ مـا أنزل إليك من ربك" وقوله: "إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً".

ومثال ما خوطب به المؤمنين: (يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ)، "سورة المائدة، الآية: (106)"، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ)، "سورة الأنفال، الآية: (27)"، ومثال ما خوطب به الناس جميعاً: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى)، "سورة الحجرات، الآية: (13)"، ومثال ما خوطب به الأنس والجن: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ)، "سورة الأنعام، الآية: (130)".

ومثال ما خوطب به الكافرون: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ)، "سورة الطلاق، الآية: (7)".، ومثال خطابات فردية ليحي وزكريا ومريم وموسى والهدهد.

فالخطاب الدعوىي في القرآن تركيب لفظي مستحدث، وإن كان مدلوله قائم منذ زمن نزول القرآن الكريم.

هذا التركيب يدور حول: توجيه كلام الله تبارك وتعالى أو أنبيائه في القرآن لأفراد أو جماعات، إن كانت مختلفة فهو يدعوهم إلى الإسلام، وإن كانت مصدقة فهو يضيف إليهم تكليفاً وتشريعاَ وتذكيراً... وهكذا.

فدعوة الكافر للإسلام ودعوة المنافق للإخلاص، ودعوة المؤمن للثبات وكل يأخذ من لغة الخطاب القرآني قسطه الأوفى. وقد يأخذ هذا اللون الخطابي القرآني أشكالاً وطرقاً منها:

1/ الأمر المباشر "اتقوا ربكم".

2/ النهى "لا تأكلوا الربا".

3/ الاستفهام "أفبالباطل يؤمنون".

4/ النفي "لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة"، "ولكنكم كنتم لا تعلمون".

5/ التقرير "ألم تر كيف ضرب الله مثلاً".

وهنالك الكثير والكثير يطلب في مظانه، ولكن حسبنا أن أشرنا إلى المعنى العام، والطريق الموصلة إليه. "خالد المعطي".

أولاً: وصف الخطاب الدعوى

أ/ وضوح الدلالة:

قال تعالى: "نزل به الروح الأمين (193) على قلبك ليكون من المنذرين (194) بلسان عربي مبين (195)"، "سورة الشعراء".

قال أبن كثير: هذا القرآن الذي أنزلناه باللسان العربي الفصيح الكامل الشامل "ليكون بيناً واضحاً ظاهراً، قاطعاً للعذر مقيماً للحجة دليلاً إلى المحجة".

وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم: كان يحدث حديثاً لو عده العاد لاحصاه، رواه البخاري.

وعن أنس بن مالك قال رسول الله صلى الله وسلم يعيد الكلمة ثالثاً لنعقل عنه، رواه الترمذي ورواه البخاري بلفظ أخر.

ب/ قوة الحجة:

قال تعالى: (قَالُواْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ)، "سورة إبراهيم، الآية: (10)".

قال البغوي: سلطان مبين.. حجة بينة على صحة دعواكم.

قال السعدي: أي بحجة وبينة ظاهرة.

ج/ كفاية التبليغ:

منها مثلاً شمول جميع عناصر الرسالة بالتبليغ، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ…)، "سورة المائدة، الآية: (67)".

وقال القرطبي: قال أبن عباس: المعني بلغ جميع ما انزل إليك من ربك، فإن كتمت شيئاً منه فما بلغت رسالته وهذا تأنيب للنبي صلى الله عليه وسلم لحمله العلم من أمته إلا يكتموا شيئاً من أمر شريعته.

وكذلك شمول البلاغ جميع المخاطبين ، قال تعالى: (هَـذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ) "سورة إبراهيم، الآية: (52)"، قال أبن كثير: يقول هذا القرآن بلاغ للناس كقوله: (…لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ…)، "سورة الأنعام، الآية: (19)"، أي هو بلاغ لجميع الخلق من أنس وجن.. وقال الراغب: البلوغ والبلاغ الانتهاء إلى المقصد والمنتهى مكاناً كان أو زماناً من الأمور المقدرة.

وعن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بلغو عني ولو أية وحدثوا بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب على مقعدة من النار"، رواه البخاري.

د/ كفاية التبليغ:

عن أبن عباس رضي الله عنهما أن رسول صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم النحر فقال: يا أيها الناس أي يوم هذا) قالوا يوم حرام قال: (فأي بلد هذا) قالوا بلد حرام قال: (فأي شهر هذا) قالوا شهر حرام قال: (فإن دمائكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا) فأعادها مراراً ثم رفع رأسه فقال: (اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت) رواه البخاري.

ثانيًا: غاية الخطاب الدعوى:

أ/ الوضوح والبيان: قـال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ)، "سورة إبراهيم، الآية: (4)".

ب/ القوة والظهور: قال تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ)، "سورة التوبة، الآية: (33).

ثالثاً: تنوع الخطاب الدعوى:

1/ تنوع القوالب:

أ/ الخطاب المباشر: (…يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ…)، "سورة الأعراف، الآية: (59)".

ب/ المحاورات: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ)، "سورة إبراهيم، الآية: (258)".

ج/ القصص: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (69) إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (70)…)، "سورة الشعراء، الآيات: (69– 70)".

ج/ الأمثلة: (وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء….)، "سورة الكهف، الآية: (45)".

د/ المواعظ: (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ…)، "سورة لقمان، الآية: (13)".

2/ تنوع المضامين:

أ/ أساس خطاب الكافرون قائم على الحجة العقلية والأدلة المادية:

قال تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا…)، "سورة الأنبياء، الآية: (22)".

قال تعالى: (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ)، "سورة يس، الآية: (78)".

ب/ وأساس خطاب المؤمنين قائم على التأثير الغيبي والشعور الإيماني:

قـال تعالى: (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ)، "سورة النور، الآية: (22)".

قال تعالى: (وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)، "سورة آل عمران، الآية: (133)".

ج/ التركيز في الفترة المكية على المسائل العقدية والحقائق الغيبية.

د/ التركيز في الفترة المدنية على الحكام التشريعية والآداب الاجتماعية والحاجات الحياتية.

العوامل المؤثرة في الخطاب الدعوى:

1/ أصناف المخاطبين:

ومن أنواع المخاطبين:

أ/ الكافرون الذين لا يؤمنون بالكتاب والسنة.

ب/ المعتدون بعقولهم المقدمين لها على النص النقلي.

ج/ المخدوعون بالشبهات أو المتعلقون بالشهوات.

د/ المعاندون الذي يتبعون الباطل تبعاً لمصالحهم ويسعون إلى إضلال غيرهم.

هـ/ الواقعون تحت تأثير الأوضـاع والأعراف الخاطئة حتى ألفوها ورأوها صواباً.

2/ إفهام المخاطبين:

قال الإمام البخاري في صحيحه في كتاب: العلم باب من خص بالعلم قوما دون قوم كـراهية أن لا يفهموا، وقال على حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله، وروى مسلم عن أبن مسعود: ما أنت محدثاً قوماً حديثاً لما تبلغه عقولهم إلا كان بعضهم فتنة.

قال أبن حجر: وممن كره التحديث ببعض دون بعض أحمد في الأحاديث التي ظاهرها الخروج على السلطان ومالك في أحاديث الصفات، وأبو يوسف في الغرائب، وضابط ذلك أن يكون ظاهر الحديث يقوي البدعة.. وظاهره في الأصل غير مراد، بالإمساك عنه عدد يخشى عليه الأخذ بظاهر مطلوب، والله أعلم.

قال الإمام الشاطبي: ومن ذلك أي الإتباع التحدث مع العوام بما لا تفهمه ولا تعقل معناه فإنه من باب وضع الحكمة في غير موضعها وسامعها إما أن يفهمها على غير وجهها – وهو الغالب – وهي فتنة تؤدي إلى التكذيب بالحق والعمل بالباطل، وإما لا يفهم منها شيئاً وهو أسلم.

3/ بيئة المخاطبين:

إن كل بلد لها أعرافها وكل بيئة لها عوائدها، ومراعاة ذلك بالضوابط الشرعية، من ضروب الحكمة موافقة جوهر الشريعة.

قال أبن القيم في (الإعلام الموقعين) منبهاً على هذا الموضوع, ولا تجمد على المنقول في الكتب طول عمرك بل إذا جاءك رجل من غير إقليمك يستفتك لا تجره على عرف بلدك وسله عن عرف بلده فأجره عليه وأفته به دون عرف بلدك.

ثم بين أثر ذلك وضرره، فقال: "من أفتي الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عرفهم وعوائدهم وأزمنتهم وأحوالهم وقرائن أحوالهم فقد ضل وأضل، وكانت جنايته على الدين أعظم من جناية من طبب الناس كلهم على اختلاف بلادهم وعوائدهم وأزمنتهم وطبائعهم بما في كتاب من كتب الطب على أبدائهم بل هذا الطبيب وهذا المفتي الجاهل أضر ما على أديان الناس وابدانهم.

4. الأحوال والنيات :

أ/ اختلاف الوصايا باختلاف أحوال أصحابها:

· حديث "لا تغضب" رواه البخاري.

· حديث "قل أمنت بالله ثم أستقم" رواه مسلم وأحمد.

· حديث "لا يزال لسانك رطباً بذكر الله عز وجل" رواه الترمذي وأبن ماجة وأحمد.

ب/ اختلاف الحكم والخطاب باختلاف المقاصد والنيات:

حديث "أخطا من شدة الفرح" رواه مسلم، قال أبن القيم: "أياك أن تهمل قصد المتكلم ونيته وعرفه فتجني عليه وعلى الشريعة وتنسب إليها ما هي بريئة منه".

5/ الأولويات:

قال تعالى: (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)، "سورة التوبة، الآية: (19)".

حديث "أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" رواه مسلم.

قال أبن تيمية: العمل الواحد يكون فعله مستحب تارة وتركه تارة باعتبار ما يترجح من مصلحة فعله وتركه حسب الأدلة الشرعية، والمسلم يترك المستحب إذا كان في فعله فساد راجح على مصلحته.

6/ المناسبات والأوقات:

عن أبن مسعود قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة في الأيام كراهة السامة علينا.

حديث "يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة...." رواه البخاري ومسلم.

أسس الخطاب الدعوى المعاصر:

1/ الأصالة المنهجية الشرعية.

2/ الشمول التكاملي المؤثر.

3/ التوازن النسبي الملائم.

4/ الإقناع العقلي المتمكن.

5/ الحوار المبدئي الهادف.

6/ التيسير الشرعي المرغب.

7/ الواقعية الاستيعابية الواعية.

8/ اللغة الإيجابية الراقية.

9/ المعرفة الثقافية المتخصصة. "علي عمر بادحدح، إسلام أون لاين".

لماذا يتحاشى بعض المسلمين الاعتراف بضرورة التجديد ليبقى كل شيء كما كان يعهد، فليس في الإمكان أفضل مما كان، إيثاراً للإلف وتوجساً وارتياباً من كل حديث وجديد أو مشتق منهما، فهو يفضل أن يبقى فكره وخطابه ولغته وطريقته وعلمه متكلساً مترهلاً مهترئاً ألف مرة على أن تناله يد التجديد، أو تطاله بواعث التحديث وأسبابه.

إن ذلكم مظهر جلي من مظاهر الضعف والخور والهزيمة النفسية كما أن الارتماء في أحضان كل جديد هزيمة نفسية.

إن لفظة "الخطاب" كلمة عربية فصيحة مستخدمة، والأصوليون كان يستخدمونها كثيراً، والخطاب هو المحاورة والمحادثة بين طرفين، ونسبته للدين يقصد فيها الخطاب الذي يعتمد على مرجعية دينية في مخاطبته وأحكامه وبياناته، وإنني أقصد بالخطاب الديني ما يطرحه العلماء والدعاة والمنتمون إلى المؤسسات الإسلامية في بيان الإسلام والشريعة، سواء كان ذلك من خلال الخطب أو المحاضرات أو التأليف أو البرامج الإعلامية الأخرى، وقد يدخل في ذلك المناهج الدراسية الدينية في المدارس والجامعات الشرعية، بل يمكن أن يوسع مفهوم الخطاب الديني ليشمل النشاط الإسلامي والنشاط الدعوى وعمل الجماعات الإسلامية والمؤسسات الإسلامية بشكل عام الفقهي منها والعلمي والدعوى والتربوي ونوع النشاط الذي تقوم به لتقييم مدى نجاحه وفشله وقربه من المقاصد العامة للتشريع ومن بعد ذلك تقويمه وإصلاحه وتجديده.

وهناك فرق بين الخطاب الديني والوحي المنـزل، بمعنى أن الخطاب الديني يعتمد على الوحي في كثير من الحالات، لكنه يبقى في حدود العمل العقلي البشري أو العمل الاجتهادي الذي يرتبط بإمكانيات الإنسان وقدرته وطاقته، فهو مثل خطاب الفقهاء والوعاظ والمصلحين الذي يمثل اجتهاداً من عندهم، ومفهوم (تجديد الخطاب الديني) يتنازعه طرفان:

الأول:

فئة تتحدث عن تجديد الخطاب الديني وهي تصدر من منطلقات غير دينية، وأعتقد أنه لا يمكن تجديد الخطاب الديني من خارج هذا الخطاب الديني نفسه سواء بظروف محلية أو عالمية.

الثاني:

بعض القوى الإسلامية الخائفة التي اشتد بها الخوف فإذا سمعت مثل هذا اللفظ ترامى إلى أذهانها أنها مؤامرة لتحريف الدين أو لتغيير الخطاب.

وأقول: إن تجديد هذا الخطاب ضرورة فطرية وبشرية؛ لأن هذا الخطاب الديني الحالي مفكك وفردي بينما يشهد العالم تجمعات وتطورات هائلة في مجال التقنية والمعلومات والاختراعات، وأعتقد بأن أية نهضة أو تنمية في العالم الإسلامي التي ينادي بها المخلصون من دعاة الإصلاح إن لم تصدر من مفهوم ديني فهي محكوم عليها بالفشل، فلا بد من خطاب ديني واع ومعاصر ومنضبط يستطيع أن يضع هذه النهضة ويساعد عليها ويدفعها لإخراج الأمة من هذا التيه والدوران الذي تدور فيه حول نفسها .

إن هذا التجديد الحي قراءة واعية واعدة للنفس والآخر والواقع، و قراءة قادرة على إيجاد الحلول الشرعية المناسبة لمشكلات الواقع.

إنه لا مناص من التجديد، وإذا لم نؤمن بذلك فأمامنا خياران:

الأول: الجمود ويعني ذلك الإطاحة بحق الحياة وسحقها في عصر تكتنفه الحركة الثائرة من كل جهة.

الثاني: الذوبان، وذلك معناه الإطاحة بحق الدين والشريعة والثقافة والتراث.

إن هذا التجديد يجب أن يكون بأيدي رجالات الإسلام وعن طريق المتخصصين الإسلاميين، ولا أقول بالضرورة: الفقهاء، وإنما المختصون على العموم، ويجب أن تكون أدوات هذا التجديد ووسائله داخلية تلمس مشاعره وتتحدث من داخل إطاره، وعلينا أن نتفق على الضرورات والقواعد الشرعية والمحكمات الدينية الثابتة، كما يسميها ابن تيمية "الدين الجامع".

أما ماهية هذا التجديد فترتيبٌ لسلّم الأوليات وتنظيم للأهم والمقاصد الكبرى للعلم والدعوة والإصلاح واتفاق على ذلك وتسهيل تطبيق ذلك وتوجيهه في أرض الواقع، وإبراز لجانب القيم والأخلاق الإسلامية الإنسانية العامة التي يحتاج إليها الناس كلهم دون استثناء، وتطبيع قيم العدل التي يأمرنا بها الإسلام تجاه الخلق كلهم ومعاملة الناس كلهم بالحسنى، قال تعالى: "وقولوا للناس حسنى"، قال ابن عباس: (اليهودي والنصراني).

والتجديد يعني العناية بالنظريات العامة في الإسلام مثل النظريات السياسية والاجتماعية والفقهية الفرعية والأصولية، ودعم المشاريع العلمية التي تصل تراث الأمة بهذا العصر وتضيف إليها تراكماً علمياً ومعرفياً.

والاهتمام بالمبادرات في الخطاب الشرعي والدعوى فالأمر قبل النهي، والأمر بالمعروف مقدم على النهي عن المنكر، والإصلاح ينفي الإفساد بالضرورة والعملة الجيدة تطرد العملة الرديئة -كما يقول الاقتصاديون-، فهذا الجهد يقوي عنصر "المزاحمة" في الفكر الإسلامي والخطاب الديني.

إن على دعاة التجديد أن ينتقلوا من ضيق الرأي والمذهب والجماعة إلى سعة الشريعة مع أهمية هذه كلها في العلم الإسلامي والديني، ولكنني ادعوا إلى الاعتصام بسعة الشريعة وبحبوحتها لتجديد الاجتهاد الإسلامي وتيسيره، يقول جل وعلا: "وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ" (سليمان بن فهد العوده، موقع الغد الإلكتروني).

حاجة الخطاب الدعوى للتجديد

هناك تساؤلات لابد منها: هل الخطاب الديني بمفهومه العام السابق يتغير في عصر العولمة عن أي عصر آخر؟ وهل يتغير من قوم إلى قوم؟ ومن مكان إلى مكان آخر؟.

وللإجابة على هذه التساؤلات معلوماً أن الدين به ثوابت لا مساس بها، ولكن تتغير في أسلوب عرضها، ومن هنا فعرض الثوابت في الخطاب الديني يختلف من زمن لزمن آخر ومن بيئة لأخرى ومن قوم لغيرهم، كما يتضمن الدين متغيرات تقبل التجديد والاجتهاد.

وانطلاقًا من هذه الطبيعة للدين ففكرة التجديد ليست مرفوضة إسلاميًّا؛ فالقرآن الكريم قد غيّر من أسلوب خطابه الديني من مكان لمكان ومن وقت لوقت، ودلل على ذلك بالاستشهاد باختلاف الخطاب الديني في الموضوعات والأسلوب ما بين القرآن المكي والقرآن المدني.

فمثلاً نجد أن القرآن المدني لم يعتمد على أسلوب الزجر، ولم ترد به كلمة كلا، وهذا يدل على أن الخطاب يتغير، وقد قال تعالى (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه)، واللسان هنا لا يعني اللغة، وإنما يعني اختلاف الخطاب الموجه لعامة الناس عن خاصتهم.

ولا بد أن يُبنى هذا الخطاب على فهم دقيق لطريق المخاطبين وعقلياتهم وبيئاتهم، وقد قال علي بن أبي طالب –رضي الله عنه-: "حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما لا يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله"، وروي عن بن مسعود: "ما أنت حدثت قومًا بحديث لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة".

كما أن هناك قاعدة فقهية تقول: "الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والعرف والحال والنية"، ومن هنا فالدعوة وخطابها أكثر قابلية للتغير من الفتوى.

من يقوم بالتغيير؟

من الذي يغير خطابنا الديني؟ وأجاب بأن علينا -نحن المسلمين- أن نغير خطابنا بأنفسنا ومن منطلقاتنا ، ولا يجوز أن يُملى علينا هذا التغيير بأوامر تأتينا من الغرب؛ لأننا بذلك سنخضع لأهوائهم.

ونسأل أيضًا لماذا تطالبنا أمريكا وحدنا بتغيير خطابنا ولا تطالب الصهاينة الذي ينبني خطابهم الديني على إباحة اغتصاب أراضي وحقوق الآخرين؟ ولماذا لا تطالب اليمين المسيحي المتطرف بأن يراجع خطابه الديني؟ فإذا كنا نوافق على تغيير خطابنا من منطلقاتنا فلا بد أن يغير الآخرون خطابهم الديني أيضاً.

وأوضح أن هذه الدعوة الأمريكية لنا بتغيير خطابنا هدفها تغيير الإسلام الأصلي إلى إسلام مستأنس يمشي في الركاب ويتمسح في الأعتاب.

سياسة تجفيف الينابيع:

أما الإسلام الذي يربي الشخصية القوية المدافعة عن الدين والوطن فهو مرفوض من هذه الجهات، ويجب تغييره وهذا ما ساعدت عليه بعض الأنظمة الحاكمة باتباعها لسياسة (تجفيف الينابيع)، أي تجفيف ينابيع التدين الإيجابي في التعليم والإعلام والثقافة والأنظمة التربوية حتى يظهر لنا إسلام الخرافة والموالد، فإذا كان معنى تجديد الخطاب هو تغيير الإسلام كما تريد هذه الجهات، وخاصة بعد أحداث 11 سبتمبر فإننا نرفض هذا التغيير.

إن تجديد الخطاب هو العودة بالإسلام إلى منهج الوسطية والسمو الروحي استجابة لنداء الله؛ فالعودة بالإسلام إلى عهده الماضي لا تعني الجمود، ولكن تعني الانطلاق والسعة؛ فقد كان الإسلام أوسع ما يكون وأكثر تيسيرًا في عهد النبوة والصحابة ثم أضاف كل عصر إلى الدين بعض "التحوطات" والتشديدات حتى أصبح الدين حاليًّا مجموعة من "التحوطات" البعيدة عن جوهر الدين وهو التيسير.

منهج له ضوابطه:

ينطلق منهج التجديد من منبعه الأصلي الذي رسمه القرآن وهو الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن ندرك أن قوله تعالى: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة) ليس قاصرًا على الرسول صلى الله عليه وسلم وحده، ولكن دعوة لأمة المسلمين جميعًا أن تتحمل عبء الدعوة وأن تسعى إلى تغيير خطابها الديني؛ فكل مسلم داعية ، وعليه أن يجدد خطابه مرتكزًا على منهاج الحكمة التي تخاطب العقول وتقنعهم بالدليل العلمي والموعظة الحسنة التي تستميل العواطف وتحرك القلوب، وأن يعتمد أسلوب الداعية على انتقاء الكلمات الطيبة؛ فالقرآن لم يخاطب غير المسلمين بلفظ الكافرين إلا في موضعين فقط في قوله تعالى: (يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون بما كنتم تعلمون} وهذا الموضع هو خطاب من الله لهم في الآخرة وليس في الدنيا، والموضع الآخر هو سورة الكافرون والتي اختتمت بالتسامح في قوله تعالى: {لكم دينكم ولي ديني).

والخطاب الديني الذي نريده يجمع الناس على الجوامع الأساسية حتى مع غير المسلمين. "يوسف القرضاوي، إسلام أون لاين".

الخطاب الإسلامي يتميز بالتجدد في إطار أسس العقيدة الإسلامية وأحكام الشريعة وترتبط مضامينه بحاجات المسلمين وفق أولوياتها وتتصل مقاصده لمعالجة التحديات التي تواجهها الأمة. وليس بخاف أثر المعركة الثقافية التي تريدها ضد الإسلام والمسلمين مؤسسات معادية يقف وراء حملاتها فكر مضاد يستهدف كيان الأمة، يشن علي أُسسها وقيمها ومبادئها، وينسب إلي دينها منها مقولات الإرهاب الإسلامي والتخلف بهدف إيجاد فاصل من التمييز بين أمة الإسلام والأمم الأخرى. "رابطة الجامعات الإسلامية، ص: ص 7– 8".

· وفي منهجية تجديد الخطاب الدعوي وتبديله للآخر لابد وأن تظهر سماحة الإسلام وتعتني بالجوهر وفي سبيل ذلك نترك المسلم الجديد علي لباس قومه وبيئته ما دام هذا اللباس ساتراً ظاهراً وكذلك فيما يتصل بالاسم، ندعو المسلم الجديد علي اسمه الذي يجعله منسجماً في بيئته، مما هو مهم أن نجعله يحتفظ بعلاقاته السابقة لان في استمرار تلك العلاقات مدخلاً جديداً لدعوة أصحابه للإسلام.

· وفي منهجية التجديد لابد من تعريف المدعو بحقائق الدين مع تطبيق ذلك في السلوك العملي إذ أن القدوة الحسنة من أهم أساليب عرض الدعوة وكذلك لابد من دعوة غير المسلمين للتمتع بعدالة الإسلام متعددة الاتجاهات.

· وكذلك تقديم الإسلام علي أنه يقدم حلولاً متميزة لسائر قضايا الإنسانية كقضية الشباب وقضية المرآة وقضية المال وقضية العطالة.

· ولابد من تقديم الإسلام لفكر غير مرتبط بالأنظمة للدولة الإسلامية المعاصرة وأن يرتبط بمصدره الأساسي النابع من القرآن الكريم والسنة المطهرة. "رابطة الجامعات الإسلامية، ص: ص 58– 59".

يجب تحديد ماذا نعني بالخطاب الدعوى إذ أن المفهوم يجب أن يقتصر علي الكلمة المسموعة أو المشاهدة ذلك أن الخطب والمواعظ والمحاضرات والمناظرات والحوارات جوانب كثيرة الاهتمام بها عن محاولة التجديد أو التحديث واستخدام الثقافة الرقمية ومن هذه الجوانب المهمة إعداد المسلسلات والأفلام بلغات أجنبية ومن خلال استعمال احدث التغيرات والأساليب الحديثة في الإخراج والتمثيل والتصوير وبشرط كتابة النص بعناية فائقة بحيث يتفق مع الذوق العربي ويجمل في نفس الوقت الرسالة التي يجب توصيلها لهم، والتي تؤكد تسامح الإسلام وسطيته وبعد عن التعصب والتراحم وحقوق الإنسان والتكامل الأسري والحرص علي الزواج الشرعي وحرص الأسرة علي رعاية الأبناء والعناية بكبار السن. مع محاولة تطبيق قيم وثقافة الإسلام من واقعنا من خلال دعم ثقافة احترام قيمة العلم والتخطيط والوقت والجودة والإبداع العقلي والإنتاج والجماعية.

فالخطاب الدعوى إلهي المصدر (القرآن الكريم والسنة الصحيحة) موجة في الأساس إلي عقل الإنسان الناضج فقد رفع القلم عن الصبي حتى يكبر وعن المجنون حتى يفيق. ويقتضي ذلك مخاطبة الناس بما يعرفون ويقيمون.

يجب أن ينقسم الخطاب الدعوى الجديد المتجدد تلقائياً بتجدد الزمان والمكان بالوضوح واليسر والجاذبية (لا ينقاد عن الإساءة والتجريح)، (أدع إلي سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن)، النحل، 125، (وقولوا للناس حسناً). البقرة، 83.

كما يجب علي الخطاب الدعوى المتجدد أن يفرق بين الإسلام كعقيدة وشريعة وأخلاق وبين واقع المسلمين، فالإعلام الغربي يقدم صورة التخلف التي يعاني منها المسلمين علي أنها إفراز لدين الإسلام للابتعاد عن جوهر الدين الذي يجعل أخذ العلم وكل سبل التقدم المادي والمعنوي فريضة علي المسلم.

مضامين الخطاب الدعوى في كل عصر يجب أن تربط المسلمين بكتاب الله العظيم وسنة نبيه صلي الله عليه وسلم (وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا).

وفي إطار العالمية التي تنصف بها الدعوة الإسلامية يتوجب علي الخطاب الدعوى المعاصر أن يراعي الأولويات المشتركة للبشرية والحاجات الإنسانية الملحة والقضايا الساعة مثل قضايا الأمن والسلام العالمي والمسائل المتعلقة بالعلاقات الدولية وحماية الإنسان وضمان حقوقه واشتراك المجتمعات الإنسانية في محاربة شرور العصر وأمراضه وظواهره الشاذة وحل مشكلات الجوع والمرض من العالم ومعالجة ظاهرة النظر في والعنف والإرهاب التي صارت اليوم ظاهرة عالمية لا تنتمي إلي جنس محدد ولا ترتبط بدين أو ثقافة معينة. "رابطة الجامعات الإسلامية، ص: ص 58– 63".

ملاحظات على الخطاب الدعوى في السودان:

يلاحظ على الخطاب الدعوى المتداول في السودان الآتي:

تلون الخطاب الدعوى وتحوُّله سلباً بحسب الظروف:

والمقصود كما هو واضح هنا التلوُّن والتحوُّل اللذان يؤديان إلى تقهقر هذا الخطاب وانكماشه بحسب الظروف والأحوال التي غالباً ما تكون سياسية، فتتغيَّر الموضوعات أو طريقة عرضها تبديلاً أو إنقاصاً للحقائق، أو تتغير النبرات من نبرات قوية ثابتة واثقة إلى متراجعة ضعيفة مهتزة، ومن أسلوب هجومي إلى أسلوب دفاعي اعتذاري تبريري توفيقي. حتى أصبح نفي الاتهامات الموجهة للمسلمين بالتطرف والإرهاب مادةً دسمة سهلة التناول لكل داعية. وإشكالية ذلك أن التهم لم ولن تتوقف، فهي سنة ثابتة منذ إرسال الرسل إلى ما شاء الله، فهل نبقى في دعوتنا منتظرين التهم لنرد عليها؟ وبذلك يفلح أعداؤنا في تحديد موضوعات الخطاب الدعوى لدينا.

وقد بلغ التردي في هوة الاعتذار والتبرير مداه حينما أصبحنا نجد أن جوانب عديدة من الشريعة والأخلاق والقيم الإسلامية يجري تجاهلها بل وإسقاطها من بنية الفكر الديني نفسه خوفاً من أن لا تعجب الأجانب وتصبح عرضة لتوجيه اتهامات جديدة، وهكذا خفت الحديث واختفى عن تطبيق الشريعة الإسلامية، أو إعداد العدة للجهاد، أو تكريس الجهود لنشر الدعوة الإسلامية، أو تطبيق الحدود الشرعية، أو النهوض لمحاربة غير المسلمين المتسلطين على بلاد الإسلام، فكل هذا ممنوع في ظل سيادة نزعة دفاعية اعتذارية قد رتَّبت جهودها على مجرد النفي الدائم والأزلي لاتهامات دائمة وأزلية".

الافتقار إلى الحكمة. في كثير من الأحيان:

وذلك في طرح الأفكار والآراء المتباينة حول القضية الواحدة، وهذا نلاحظه عند الدعاة وهم يخاطبون الناس وفق الرؤى التي تظهر لهم بحسب المدارس الدعوية التي ينتمون إليها، فنجد في كثير من الأحيان حرصاً على إثبات أنه وحده الصواب، والآخرون خطأ قولاً واحداً.

وليس هذا فحسب بل وربما الازدراء والاستهانة والاستخفاف بالآخرين فتكون النتيجة انصراف الناس عن الجميع، والصدُّ عن سبيل الله، وفقدان الثقة في الدعاة، وعدم إقبال غير المسلمين على الإسلام.

التركيز على الوسائل التقليدية في الدعوة قولاً و فعلاً:

وعلى المنابر المعروفة كذلك، وإغفال الوسائل والمنابر التي يتحقق بها بناء وإعداد الأفراد والجماعات بما يحقق منهم دعاة مؤهلين لخدمة الدعوة. إذ يلاحظ كثرة الجهد المبذول والبرامج المنفذة مع قلة العائد، و ذلك لغياب البرامج العملية الإعدادية التي يكون فيها التدريب العملي مع المتابعة بالبرامج المتتالية المتقدمة على أسلوب الجرعات، وإنما يتحقق ذلك بجودة التخطيط مع دقة التنفيذ الذي يتولاه المتخصصون المخلصون في هذا البلد.

ولعل من أبرز هذه البرامج الدورات العلمية الدعوية المتخصصة التي توجه إلى فئات المجتمع المختلفة، كل حسب مستواه وحاجته.

قصر الخطاب الدعوى في كثير من الأحيان على الشباب المستقيم القريب من الدعاة والمتعاطف مع الإسلام بطبعه، وإغفال البقية ممن هم أحوج إلى ذلك الخطاب. ولذا يلاحظ أن الأسلوب المتبع لا يتغير، لأن الفئة المستفيدة منه واحدة، وقد تصل رسالة خاطئة للدعاة من خلال ما يرونه من الحماس لدى من يستمعون إليهم، فيستمرون في نفس الاتجاه بنفس الأساليب والوسائل لظنهم أن الدعوة تؤتي أكلها بسبب ذلك الاستحسان الملاحظ على وجوه المخاطبين، أو المسموع ثناءً من بعضهم. والنتيجة جهود مهدرة، وشحن زائد دون منهج علمي يراعي التكامل والشمول في محتوى الخطاب الدعوى، وكذلك تداول محدود للمعرفة والدعوة إلى الخير، وغياب الجزء الأكبر عن مواطن الإصلاح وسُبُل الهداية.

تمركز الخطاب الدعوى – في الغالب – في المدن الكبرى: التي تعج بأساليب الدعوة المختلفة، وفي المقابل إهمال القرى والريف والبوادي. وينعكس ذلك على الوسائل المتبعة في توصيل الخطاب الدعوى، وكذلك الأساليب، و إنما يدرك ذلك من خلال ما نراه من كثرة البرامج الدعوية و تكرارها في المدن مع عدم وجود شيء من تلك البرامج في القرى و الأرياف، و ذلك لإحجام كثير من الدعاة عن الذهاب إليها بحجة كثرة المشغوليات.

# خطاب ارتجالي:

ليس مخططاً له في كثير من الأحيان، وإنما يكون بحسب الاجتهادات الفردية، واستجابة فورية للأحداث الطارئة والنوازل غير المتوقعة، دون توقع للاحتمالات ورصد للحلول المناسبة لها عبر الخطاب الدعوى الحكيم. ولعل من أسباب ذلك انعدام المرجعية العلمية التربوية، وتغليب العاطفة على العلم وغياب المؤسسية، وضعف الانتماء الحركي الضابط لسير الدعوة.

# خطاب صفوي في بعض الأحيان:

يخاطب فئة من المثقفين والمتعلمين، بالمصطلحات التي يفهمونها، ووفق الهموم والمشكلات التي تشغلهم، ومن ثمَّ حدث تحجيم لقاعدة الخطاب الدعوى وتم قصره – غالباً – على فئات معينة من المجتمع، وتبع ذلك تصنيف للناس، ومن ثم الابتعاد عن بعضهم والاهتمام بآخرين مما وسَّع الهوة بين هؤلاء وأولئك.

# خطاب تقليدي في أكثره:

يخاطب الناس بأسلوب مبسط وغير جاذب، بل رتابته كفيلة بصرف الناس عنه، بالإضافة إلى الموضوعات التقليدية التي يتم تناولها في هذا الخطاب، فهي موضوعات حفظت لدى كثير من المخاطبين بسبب تكرارها وطريقة عرضها.

# خطاب متأطر بأُطر محددة:

قد تكون مذهبية بحسب الانتماء إلى جماعة أو مذهب، و قد تكون حزبية بحسب الانضواء تحت حزب سياسي أو فكري، فنجد أصحاب هذه الأطر في –الغالب- لا يخرج خطابهم عن حدود الجماعة أو الحزب أو الطائفة، ولا يصدر إلا عن فكرها أو برنامجها، ولذا ربما يشعر المخاطبون بالجانب التحيُّزي أو الميل المصلحي في الخطاب فينصرفون عن الاستماع إليه أو العمل بما ورد فيه، وكأن المراد هنا بعبارة أخرى: الشعور بعدم الإخلاص في الخطاب الدعوى، فهو خطاب ما أريد به وجه الله.

# خطاب أسلوبه في أغلبه نقدي:

والنقد البناء لمسيرة الدعوة ولأداء الدعاة أمر ليس ممنوعاً، فجهد البشر له إيجابياته وسلبياته بحسب قربه أو بعده من مشكاة النبوة.

ولكن الإشكال أن الخطاب الدعوى الصادر عن بعض الدعاة أو غيرهم ربما يلاحظ عليه الحرص على تصيُّد العثرات وتضخيم الأخطاء وإبرازها بصورة مبالغ فيها إلى درجة طغيانها على الإيجابيات.

إن البرنامج الدعوى لدى بعض الدعاة يقوم أساساً على الرّد الشفاهي أو الكتابي على الآخرين بحجة إظهار الحق وتقويم الاعوجاج، و النتيجة عدم تقديم شيء في التعريف بالناس ومحاولة هداية الناس إليه، أو تصحيح المفاهيم الخاطئة، أو تعليم الجاهلين به.

# ضعف الاستفادة من الوسائل الحديثة:

سريعة التأثير داخل وخارج البلد مثل شبكة المعلومات (الإنترنت)، ولو سألنا أنفسنا: ما هي الجهات الدعوية التي أنشأت موقعاً يعنى بالدعوة على الأقل باللغة العربية؟ سنجد أن الإجابة محبطة.

ما الذي يمنع من ذلك؟ الإمكانيات؟ لا...

عدم وجود الكفاءات؟ لا...

وإنما عدم الاهتمام الكافي بالدعوة، وقصر النظر عند الكثيرين وتركيز الاهتمام على الأساليب والوسائل التقليدية محدودة الأثر بسبب عدم الدخول فيما يجلب التعب والمزيد من المسؤولية. وربما أيضاً قصر أمر الدعوة والتخطيط لها والتنفيذ على أسماء محددة كان لها فضل وجهد وسبق البذل، ولكن هناك غيرهم ممن لم تتح لهم الفرصة للعطاء ليتم التعرف عليهم والاستفادة من قدراتهم.

وأعلم أن بعض المؤسسات الدعوية أنشأت لها مواقع ولكن أين تلك المواقع؟ ومن يعرفها؟ ومن يدخل عليها؟ ماذا فيها؟ لا شيء!! لماذا؟.

# ضعف - بل ربما انعدام- وسائل تقويم أداء الخطاب الدعوى:

يلاحظ أن الأمم الناجحة هي التي ترسم الخطط بعد أن تضع الأهداف، ثم تحدد الوسائل والأساليب المناسبة لتحقيق الأهداف، ثم بعد العمل –بل وأثناءه- يكون التقويم الدقيق القائم على الإحصاءات والقياس العلمي، وبناءً عليه يتم الإصلاح للانحراف أو معالجة الأخطاء لتستمر المسيرة بصورة سليمة.

فأين ذلك عندنا؟.

قد يقال: الندوات والسمنارات والورش... تعقد لأجل ذلك.. نقول: فأين العمل بتوصياتها؟ وأين قياس الاستفادة من تلك التوصيات والقرارات؟ من يتابعها؟ من يحاسب؟.

أخيراً يلاحظ أن الخطاب الدعوى عندنا يقتصر في الغالب على المسلمين، وبناءً عليه فإن الوسائل المستخدمة وكذلك الأساليب تركز على مخاطبة المسلمين مع ما ذكرنا سابقاً أنها قاصرة حتى في مخاطبة المسلمين من حيث المكان أو الفئة المستهدفة أو نوعية الخطاب... إلى غير ذلك.

ولاشك أن الذي يعرف طبيعة الدعوة الإسلامية منذ انطلاقتها في عهد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يدرك أنها ليست موجهة فقط لمن اهتدى إلى هذا الدين بفضل الله تعالى فقط، و إنما هي موجهة بدرجة كبيرة لغير المسلمين الذين قد يحال بينهم وبين التعرُّف على الإسلام، ولذا فالمسئولية كبيرة على ولاة الأمر من حكام وعلماء ودعاة في توصيل الدعوة إلى أولئك بالأساليب والوسائل المناسبة.

ونحن في السودان معنيون بهذا الأمر ربَّما أكثر من غيرنا بالنظر إلى طبيعة التركيبة السكانية بهذا البلد، والمشكلات التي نعيشها بسبب الحرب، والبوادر الطيبة الآن بحدوث السلام.

ولعل الكثيرون يتفقون معي في أن العمل الدعوى لو كان بالصورة المناسبة ووجد الدعم والاهتمام منذ الاستقلال وبعده لكان الحال غير ما نرى الآن، وليتنا ننتبه الآن بعد كل هذا لبذل الجهد للعناية بالدعوة –وسائل وأساليب- مع غير المسلمين في هذا البلد. "إسماعيل عمر حنفي، شبكة المشكاة الإسلامية، 25/12/2007م".

الخطاب الدعوى وتحديات الواقع السوداني

لابد من إدارة حوار وسط الطبقة المستنيرة بالجامعات فالإسلام كمنهج يدعو إلى التعايش والسلام والتآخي بين الشعوب، فالخطاب الإسلامي في القارة الأفريقية لازال يتحرك في قاعدة المجتمع دون قمته داعياً إلى تجاوز الخطاب الدعوى المنحصر في الخلوة والمسجد إلى مخاطبة الجماهير عبر الوسائل الحديثة للاتصال مطالباً إنشاء آليات مشتركة للتنسيق بين المنظمات الدعوية والإنسانية العاملة في أفريقيا فيما بينها والتنسيق في مجال إنشاء مواقع على الشبكة الدولية للمعلومات "عبد الحافظ عبد الرؤوف، موقع السودان الإسلامي". فكل كيان مسلم مطالب بالعودة إلى فهم الإسلام بمقاصده وغاياته فهماً صحيحاً واقعياً عملياً معتمداً على النصوص ومآلآتها بعيداً عن النعرات القبلية، أو العادات والتقـاليد أو رغبات النفوس وأهوائها. وهذا الفهم حين يتحقق سيحقق معه تغييرين:

- تغيير النفس.

- تغيير الخطاب.

تغيير النفس عبر جعل المسلمين بالتزامهم بدينهم القدوة ومحط الأنظار باتخاذهم "الإحسان" مبدأ ومنهج حياة الإحسان في كل شيء بدءاً من إحسان الذبحة عند ذبح الأنعام ومروراً بإحسان العمل والعلم والثقافة والفعل، واستشراقاً لإحسان التخطيط للمستقبل والإعداد له، ووصولاً إلى إحسان العبادة: "إن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فهو يراك" رواه البخاري.

أما تغيير الخطاب، فهو معادلة المسلمين الصعبة اليوم، إذ ما زال المسلمون غير قادرين على الارتفاع بخاطبهم ودعوتهم إلى مستوى مقاصد إسلامهم، فعالمية رسالة لإسلام تقتضي عالمية الخطب، وعالمية الخطاب لا تبلغ مداها ما لم نفهم عالمنا بعقائده وثقافاته وحضاراته ومشكلاته وتطلعاته ونعرف الآليات التي يتم من خلالها تشكيله، وندرك طرق تغييره والتأثير عليه، وهذه هي المداخل الحقيقية للخطاب إضافة إلى ضرورة كونه خطاباً مدركاً للغة خطابهم يتحدث بلسانهم كما أخبر ربنا سبحانه وتعالى: "وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم..." وتغيير المسار هذا واجب فردي كما هو واجب جماعي لكنه يكون الزم وواجب حين يتعلق الأمر بالجماعة. "د. كمال المصري، الشبكة العنكبوتية".

إن واقع الخطاب الدعوى الحالي في السودان يشير إلى مجموعة من الملاحظات المتعلقة بالمنهج، و نذكر من أهمها:

إغفال المرجعية الشرعية :

ففي كثير من الأحيان ينطلق الخطاب الدعوى – بداية و ردّاً- من منطلقات بعيدة كل البعد عن أصول الشرع، مغفلاً فيها أن الدعوة إن كانت لله فينبغي أن تكون وفق ما أراد الله، وأن تقوم على الاتفاق حول التسليم لما قضى الله ورسوله، وعدم الانسياق وراء من يريدون طرح القضايا الشرعية المحكم حكمها لتكون مثار نقاش، بل ويتكلم فيها كل من هب ودبَّ!!.

ضعف المنهج العلمي في تناول القضايا الدعوية و التركيز على الجانب الوعظي:

ولاشك أن كثيراً من الدراسات والبحوث العلمية يمكن الاستفادة منها في تدعيم الأدلة لإقناع المخاطبين، ولكن يلاحظ أن من يهتمون بالمنهج العلمي في الخطاب الدعوى محدودون جداً. و ينبغي بيان محاسن هذا المنهج و ثمراته في الوصول إلى الأهداف.

التطرف في منهج الخطاب:

بحيث يلاحظ التشنج الدائم لدى بعض الدعاة، و حملهم على كل شيء جملة وتفصيلاً لمجرد أن أحدهم له موقف من المجموعة التي تنفذ ذلك العمل، و العكس صحيح؛ ربما تجد خطاباً ليِّناً تجاه قضية ما يغلب عليه الثناء والإطراء، وتفادي النصح والتقويم.

والذي نحتاجه هو الاعتدال والتوازن الذي يؤدي إلى إيجاد منهج نافع صادق يعبَّر عن الحقيقة بتجرد ويطمئن الناس وهم يستمعون إلى أصحابه.

اضطراب المنهج:

قد نلاحظ أن الخطاب الدعوى عند كثير من المتحمسين للدعوة خطابٌ لا يمكن توقع أو حساب طريقه أو مسلكه، فهو خطاب مضطرب، مرَّة يبشر ويتفاءل بشدة، وفجأة ينفِّر ويسخط ويتشاءم، مرَّة يتحمس ويقوى، وأخرى يضعف ويحبط وينهزم!! ومرات كثيرة يحتار بماذا ينطق؟.

إن مرد ذلك كله إلى عدم وضوح المنهج، ذلك المنهج النبوي المنضبط، الذي يجعل أصحابه غير محتارين لأنهم لم يفاجئوا بالأحداث، ويعرفون طبيعة طريق الدعوة.

ارتباط المنهج بالزعامات و الولاءات:

بحيث أن اختيار الزعماء والقادة أو الحزب يكون هو المنهج، ومواقفهم هي التي يقتدي بها ويقاس عليها الحق والباطل، والمصيب والمخطئ، فالحق يعرف بالرجال والشخصيات وليس العكس، وموقف الجماعة أو الحزب هي التي تحدد المشروعية من غيرها مهما كان قربها أو بعدها من الأحكام الشرعية الواضحة.

والمنهج الصواب في الخطاب الدعوى عند هؤلاء هو ما سار عليه الأسلاف من الدعاة فقط، وكل من يريد الابتكار والتجديد فهو متهم مرفوض. فالأنموذج لا يتغير ولا تراعى فيه ظروف ونوعية المخاطبين. ونجد هذا الأمر عند كثير من المجموعات والفئات التقليدية.

الخطاب الدعوى وتحديات العولمة

العولمة: وهي ظاهرة تشير إلي عملية متشابكة الأبعاد الاقتصادية والسياسية والثقافية والإعلامية وتستهدف دمج الثقافات والمؤسسات والجماعات والأفراد في سوق عالمية واحدة في إطار النظام الرأسمالي الحر، ونمط الديمقراطيات الغربية. "السيد بخيت، ص 50".

الثورة الرقمية أو الرقمية Digitalization:

وهي ظاهرة جديدة تشير إلي نمو التكنولوجيا الرقمية في التسجيل والحفظ والنقل للصور والكلمات والنصوص والبيانات، ويساعد النقل الرقمي للبيانات والمعلومات علي سرعة تداولها وتسجيلها وتخزينها بمراحل تفوق ما كان يتم باستخدام التكنولوجيا التقليدية، فضلا عن المرونة والاعتمادية والتكلفة القليلة، وزيادة سعة وقدرة قنوات الاتصال وهو ما يعني تحول جديد في وسائل الاتصال وطرق عملها وفي عملية نقل وتدفق المعلومات عبر الحدود، فضلا عن مساعدتها في إقامة البنية التحتية الضرورية واللازمة لما يعرف بالطريق السريع للمعلومات، والشبكة العالمية الكونية وهو مشروع يحظى باهتمام الدول الغربية وخاصة الولايات المتحدة. "السيد بخيت، ص 52".

لقد تطورت كل من تكنولوجيا الاتصال والمعلومات في مسارين منفصلين ولكن شهدت الستينات بداية التواصل بينهما الذي تصاعد متجاوزا الحدود التقليدية حتى أصبحت الشبكات الإلكترونية هي المسلك الرئيسي لكافة أشكال التبادل الإعلامي علي المستوي العالمي. وقد أسفر التمازج بين كل من تكنولوجيا الاتصال والمعلومات في التسعينيات عن ظهور ما يعرف حاليا بالاتصال المتعدد الوسائط (Multimedia) الذي يرتكز علي تطور الحاسبات في جيلها الخامس وتستند الثورة التكنولوجية الاتصال الراهنة علي عدة مرتكزات رئيسية تشمل الاتصالات السلكية واللاسلكية التي تضم التلغراف والهاتف التلكس والطابعة عن بعد والراديو والتليفزيون وأجهزة الاستشعار عن بعد والميكروويف والأقمار الصناعية والحاسبات الإلكترونية والألياف البصرية وأشعة الليزر وقد أسفر ذلك التداخل عن ظهور الطريق السريع للاتصال والمعلومات والمقصود به وضع جميع التكنولوجيات علي صعيدي الاتصال والمعلومات من الهاتف والتليفزيون والكمبيوتر والأقمار الصناعية والأطباق اللاقطة والكابلات والموجات والميكروويف في منظومة واحدة تكرس لخدمة الأفراد والمجتمعات. "عواطف عبد الرحمن، ص 27".

بعد (11) سبتمبر ساور العديدون الشك في قدرة حركة مناهضة العولمة علي الاستمرار في وجه تفجر روح التعصب والرغبة في الانتقام التي أطلقها جورج بوش وآلة الدعاية الأمريكية المهيمنة، ألا أن الحركة بعد تردد وتراجع قصيرين استعادت المبادرة ولعبت دوراً أساسياً في بناء حركة معارضة الحرب الأمريكية في أفغانستان، ثم تطورت لتصبح حركة ضد العولمة وضد (الهيمنة الاستعمارية) في العراق. وكذلك تطورت الحركة لتصبح بؤرة للتضامن مع الانتفاضة الفلسطينية ومع نضال الفلسطينيين المشروع ضد الاحتلال الصهيوني. ففي نوفمبر (2001م) شهدت لندن مظاهرة حاشدة قوامها 50 ألفاً ضد العدوان الأمريكي علي شعب أفغانستان وفي أبريل (2002م). وفي أعقاب الاجتياح الإسرائيلي سارت مظاهرة من (100) ألف مؤيد للحق الفلسطيني، في لندن و



تعليق

الاسم
البريد الالكتروني
التعليق


اضافة تعليق
الاسم :
البريد الالكتروني :
التعليق :
رمز التحقق