English   Français

   

آخر تحديث: الجمعة 27 جمادى الآخرة 1433 هـ الموافق 18 مايو 2012م

بحوث >> 


2010-10-26 دور الجودية في حل النزاعات في السودان ( نموذج دارفور )

الدكتور/ يوسف خميس أبورفاس[1]

يهدف هذا البحث إلى التعريف بالجودية والأجاويد ودورهم في حل النزاعات في السودان بالتركيز على دارفور, كما يهدف إلى التعريف بطبيعة النزاعات التي تنشب بين السكان في دارفور والإجابة عن السؤال لماذا فشلت الجودية في حل الصراعات القائمة الآن في دارفور؟ وما هو مستقبل الجودية في السودان في ظل المتغيرات الثقافية والقيمية وتشتت الولاءات بين القبيلة والسلطة المركزية وزعامات الحركات المسلحة والمليشيات؟

تقديم :

إن الإنسان يعيش في جماعات ، كما أن تعدد وتداخل الجماعات في المجتمع الواحد يعتبر ظاهرة اجتماعية خاصة وعامة تميز مجتمع المدينة عن المجتمع البدائي في الريف ، وكل هذه الجماعات المتنوعة تتكون من أعضاء هم الأشخاص الذين يحتلون فيها مراكز محددة ويقومون بأدوار مرسومة في النشاطات والمواقف المختلفة .

وتتمتع المجتمعات الإنسانية بوجود أنواع مختلفة من المعايير ، فهناك المعايير الإيجابية والمعايير السلبية ، وهي جميعا تتطلب القيام بأنماط محددة من السلوك في المواقف الاجتماعية المختلفة ، أو تحرم أنماطاً أخرى من السلوك في نفس تلك المواقف ، ويطلق على هذه المعايير صفة الجمعية أو المجتمعية عندما تسود بين أعضاء المجتمع. ويمكن النظر إلى تلك المعايير التي تنظم سلوك الأشخاص حين يقومون بأدوراهم المختلفة على أنها تنقسم إلى ثلاث فئات :

الفئة الأولى : تتمثل في العادات الشعبية والأخلاق وهما يشكلان الجانب الأكبر من المعايير الاجتماعية .

الفئة الثانية : وهي القوانين التي ترتبط بوجود التنظيم السياسي الذي يتمتع بوجود سلطة مركزية في المجتمع .

الفئة الثالثة : تتمثل في تلك المعايير التي تحكم العلاقات بين أعضاء المجتمع. وتستند هذه المعايير إلى جزاءات سلبية وإيجابية محددة (1) .

والإنسان يعيش في مجتمع متعدد الجماعات ومتشعب العلاقات ويتطلب ذلك قواعد تنظم حاجات أفراده وتوفق بين المصالح الخاصة والعامة ، وهذه القواعد هي القيم. واختلاف القيم هو المحك الذي يرينا أسباب تباين الجماعات واختلاف أنماط السلوك. وتؤثر القيمة في توجيه المعايير التي تحدد سلوك الأفراد في المجتمع ، كما تحدد أوعية الثواب والعقاب والأمور المستهجنة والمقبولة ، وتحدد القيمة أشكال سلوك الأفراد الذين يشغلون مراكز محددة ، ومن ثم تحدد القيم السلوك الذي يتطلبه الدور في موقف معين ، وهي تدفع الفرد إلى اختيار خط معين من التفكير أو الفعل ، وترك الآخر خضوعا منه لأحكام المجتمع ودوافع الشخصية المتوازنة .وتتضمن القيم الأنماط كالجزاءات الرادعة التي تعين وسائل السلوك القويم (2)

ومما لا شك فيه أن أي فرد يعيش في جماعة وينتمي إليها، لا جدال في أنه عضو في جماعة الأسرة التي ينشأ فيها . وطالما أنه انضم إلى جماعة ما فإنه ملزم بأن يحترم وجوده فيها ، وأن يحترم ما تمليه عليه من سلوكيات ارتضاها لنفسه. (3)

مجتمع دارفور

يقع إقليم دارفور (4) في غرب السودان ويقطنه ستة ملايين شخص(5) ، ينحدرون من أصول زنجية وأخرى عربية ، ويدينون كلهم بالإسلام وهو القاسم المشترك بين سكان الإقليم. ويمتهن السكان حرفتي الزراعة والرعي ، وغالبا ما تعمل القبائل الزنجية بالزراعة بينما القبائل العربية قبائل رعوية . وقد حدث عبر القرون الفائتة تزاوج وانصهار بين سكان المنطقة للدرجة التي يصعب معها تمييز القبائل عن بعضها البعض . ويسكن غالبية سكان دارفور فى الريف ، ويعيشون حياة أقرب إلى البداوة سواء كانت البدوية الرعوية أو الزراعية ، ولذلك نجد مشاركة كاملة لكل المؤسسات الاجتماعية الموجودة في المنطقة) مثال الجودية) ، حيث تحتكم القبائل الزنجية لهذه الجودية في حل خلافاتها ، كما أن القبائل العربية أيضا تحتكم لها ، والقبائل العربية والزنجية يحتكمون في الخلافات التي تنشأ بينهم على هذه الجودية فما هي الجودية ؟

مصطلح الجودية :

الجودية مصطلح سوداني قديم يعني القيام بتسوية الخلافات بين أفراد المجتمع على مختلف مستوياته في إطار مؤسسات محلية ، دون اللجوء الى محاكم الدولة أو المحاكم الشعبية (6) وكلمة الأجاويد تعني الجماعة الذين يتوسطون بين المتخاصمين لحل خلافاتهم بالحسنى . ويشير الدكتور عون الشريف قاسم إلى أن كلمة الجودية ليست لها علاقة بكلمة ) الجود ( العربية التي تعني الكرم ، وإنما أصلها نوبي(7) ، ولذلك أصبح هذا المصطلح سوداني الأصل. وتستخدم الجودية في حل الخلافات في كل بقاع السودان ، شماله وغربه وشرقه , وتركز الورقة على دارفور لتعقيد المشاكل الموجودة في الإقليم , وللاختلافات الإثنية حيث تعتبر دارفور سودانا مصغرا , والسودان إفريقيا مصغرة وعند دراسة الجودية في دارفور تكون نموذجا جيدا لدراسة المجتمعات الإفريقية البدائية.

من هم الأجاويد :

والأجاويد أشخاص نالوا مراكز اجتماعية ذات قيم عالية نسبة لالتزامهم وامتثالهم لمعايير أدوارهم التي أمنت عليها جماعتهم المرجعية وتميزوا بالتعقل ورجاحة العقل والإلمام بالسوالف والعادات، وأهم من ذلك بالحيدة في نظر الأطراف المتنازعة ، أي أن الأجواد يكون مهموما بإعادة الصلات الطيبة بين الأفراد المتنازعين ، ولا يهدف إلى نصرة طرف على الآخر. والأجاويد بداهة يقفون مع الطرف الذي يجنح للسلم ويضغطون على الطرف الآخر لقبول التصالح . وقد جعل المجتمع في إقليم دارفور مكانة عالية للجودية وللأجاويد ، وأحاط الجودية بسياج يشبه القدسية ، إذ لا يخرج على قرارات الجودية إلا الخارجون على العرف الاجتماعي ، وبذلك ينعتون مثل هذا الخارج ب_( كسار الخواطر ) .. وعادة ما يتعرض كسار الخواطر إلى ضغوط اجتماعية قاسية ويفقد التكافل الاجتماعي الذي هو في أمس الحاجة إليه في مجتمع لا تمتد إليه خدمات الدولة الحديثة ، وأكثر من ذلك الحرب النفسية التي يجدها من المجتمع .(8)

والأجاويد عندما يقومون بهذا العمل فإنهم يمتثلون لتعاليم الإسلام الذي يحث الناس على السعي بين الناس لحل خلافاتهم بالحسنى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ويقر الإسلام حل الخلاف بين المتخاصمين في إطار ودي أخوي ، كما جاء في قوله تعالى: (لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما) (9) وقال تعالى أيضا (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الآخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ، فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين ، إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم) (10) ويقول المصطفى صلى الله عليه وسلم (كل سلامى من الناس عليه صدقة ، كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين الاثنين صدقة ..). ولذلك كان الإصلاح بين المتخاصمين من الأعمال التي حببها الله للمسلم ، ومن الأعمال الجليلة التي يثاب عليها المؤمن.

وعادة ما تعقد جلسات هذه الجودية تحت ظل شجرة من شجر القرية وتعرف بشجرة الجودية حيث يحضرالخصوم إلى هذه الشجرة ويتم الفصل في مشكلتهم . وهناك عدد من الأعيان يحضرون هذه الجودية ويكونون بمثابة مستشارين . وعادة ما يكون الأجاويد إما فقهاء في الدين أو من كبار السن في المجتمع .

ويلاحظ أن اللجوء للجودية لحل الخلافات يكون بصورة طوعية ، إذ إن للمتخاصمين الحق في رفض أو قبول الاحتكام للجودية ، كما أن لهما الحق في قبول أو رفض الحكم الصادر من الأجاويد ، وهذا بخلاف الاحتكام إلى قضاء الدولة أو القضاء الشعبي والذي يعتبر اللجوء إليه من قبل الشخص المشتكى إجباريا وإذا رفض المجيء يمكن أن تستعمل معه القوة. كما أن الأجاويد الذين يفصلون في هذه الخلافات لا يتقاضون أجرا مقابل هذا العمل , وإنما يحصلون على الثناء والشكر وتعزيز مراكزهم الاجتماعية في المجتمع.

طبيعة الخلافات التي تنشأ في دارفور :

مع بساطة الحياة التي يعيشها سكان دارفور فإن المشاكل التي تنشأ بين الناس هي أيضا بسيطة ومتكررة مما يخلق معها رصيدا من التجربة يسهل حلها. وهذه الخلافات تتكون من ثلاثة أقسام :-

القسم الأول: يشمل الخلافات بين شخصين ، وهي قضايا الأحوال الشخصية وتشمل قضايا الأسرة مثل الزواج والطلاق والقضايا الاقتصادية مثل الديون والبيوع وقضايا الأرض .

القسم الثاني: يشمل الخلافات بين مجموعات داخل القبيلة , مثل النزاعات العشائرية, كقضايا نزاعات الأرض ، إذ تشكل هذه نسبة كبيرة من هذه الخلافات والقتل ..الخ.

القسم الثالث : ويشمل الخلافات التي تنشأ بين قبيلة وأخرى ، وعادة ما يكون الصراع على الموارد ( الماء والكلأ ) هي المسبب الرئيسي لمثل هذه الصراعات ، وفي مثل هذه الحالات دائما ما يكون الأجاويد من خارج أطراف النزاع ، يمثلون الشيوخ والإدارة الأهلية للقبائل الأخرى وذلك عملاً بمبدأ نزاهة القضاء وحيدته.

إن سكان دارفور ينقسمون إلى رعاة متجولين ومزارعين مستقرين ، وهذا النمط من الحياة يولد الكثير من النزاعات بينهم ، إذ إنهم يمارسون هذه الحياة في أرض مشتركة ومياه محدودة . ومع زيادة الرقعة الزراعية بواسطة المزارعين, وزيادة قطعان ماشية الرعاةكما أن طبيعة بنية المجتمع الريفي الزراعي والبدوي الرعوي وتقاطع المصالح يزيد من حدة النزاعات بين السكان مما أوصل الإقليم إلى ماهو عليه الآن من تمزق .

وفي إقليم دارفور والكثير من مناطق السودان الأخرى يتم الاتفاق بين المجموعات المختلفة بأداء اليمين بين أعيان القبيلتين بأن تتم معالجة الخلافات التي تنشأ بين أفرادها في إطار الجودية ، وألا يذهب بها لقضاء الدولة وهذا القسم يلتزم به الأبناء والأحفاد.

ونجد هناك علاقة عكسية بين الجودية والحداثة في المجتمع ، فكلما تطور المجتمع يقل اللجوء إلى الجودية لحل الخلافات داخل المجتمع ، إذ يستعاض عن ذلك بمؤسسات الدولة وتجرف رياح التغيير الاجتماعي بنية مؤسسة الجودية ويقل اثرها في حل المشكلات وتحل مؤسسات الدولة الحديثة مثل المحاكم والقضاة محل الجودية والأجاويد ، ومع بدائية الحياة في دارفور فإن محاكم الجودية تمثل ملجأ للمتخاصمين, وذلك لصعوبة الوصول إلى المحاكم الحكومية ، نظرا لحاجتها إلى الكثير من الإجراءات وأخذها زمنا طويلا في الفصل في الخلافات.

ويلاحظ أن من خلال انتشار التعليم الحكومي وإحلاله محل التعليم التقليدي في الخلوة والمسيد يزداد الناس تحديثا وربما ينتقلون من الحياة في الريف إلى حياة المدينة ويقل بذلك الاحتكام إلى الجودية .

والمجتمع البدائي هو المجتمع غير المتمدن ويستخدم الأنثروبلوجيون وعلماء الاجتماع هذا المصطلح للإشارة إلى ثقافات متميزة بالتكنلوجيا البسيطة نسبيا ، والتجانس الثقافي والعزلة النسبية عن مؤثرات التقانة الكبرى .(11) الأمر الذي يجعل هذا المجتمع بعيدا عن مؤسسات الدولة الحديثة ، ويعتمد كثيرا على مؤسسات بسيطة وبدائية .

ما موقف الحكومة من هذه الجودية :

السودان بلد فقير إذ يعتبر من أفقر دول العالم، وتتدنى الخدمات الحكومية في الكثير من مناطق الريف بينما تتركز هذه الخدمات في المدن ، ونتيجة لهذا الوضع فإن الحكومات تسعى إلى تقنين وجودها في الكثير من مناطق الريف عبر المؤسسات الشعبية ، إذ إنها تساعد الدولة كثيرا في معالجة الكثير من القضايا ، خاصة فيما يخص المحاكم ، ولذلك نجد الحكومات تشجع هذه الجوديات وتفسح لها المجال أولا لحل هذه الخلافات ، وإذا ما فشلت الجودية بعد ذلك تتدخل الدولة ، إذ إن ذلك يقلل الكثير من النفقات بالنسبة للدولة .كما أن الدولة من خلال اعترافها بالجودية تسعى إلى منح الناس فرصة حل الخلافات بصورة ودية أخوية كما يأمرهم الإسلام بذلك ، وبهذا يسود المجتمع المتسامح القادر لحل كل الخلافات التي تنشأ داخله . وفي كثير من الأحيان يعيد القاضي القضية لحلها عن طريق الجودية إذ إن تعقيدات المجتمع في دارفور والتشابك الإثني والثقافي ، مع قلة خبرة الدولة بالنسبة لقضايا هذا المجتمع تستعصي على الدولة حل الكثير منها وتجعل الدولة تعتمد كثيرا على الجودية.

فوائد وعيوب الجودية :

إن الجودية بوصفها نظاماً اجتماعياً طوعياً بسيط له العديد من الفوائد عند تطبيقه في هذا المجتمع البدائي ، كما أن له العديد من العيوب .

فوائد الجودية :

وللجودية فوائد عدة ، نذكر منها :

1. السرعة في حل الخلاف: ويتم ذلك من أن الخلاف يحصل داخل المجتمع ، والأجاويد هم موجودون داخل المجتمع ولذلك قربهم من الخلاف يعجل بالحل ، مما يؤدي إلى إنهاء الخلاف قبل أن يتفاقم .

2. عادة ما يقبل المتخاصمان حكم الأجاويد ويرضيان بهذا عن طيب خاطر ، لأن الجودية مؤسسة من مؤسسات المجتمع لذا يحاول المتخاصمان ألا يخرجا على هذه المؤسسات مما يجعل الجودية هي إحدى مؤسسات بناء النسيج الاجتماعي في المجتمع الدارفوري .

3. في مجتمعات دارفور نجد أن الخدمات الحكومية تركز في المدن الكبيرة فقط ، فخدمات القضاء لا توجد إلا في المدن مما يصعب على المواطنين القرويين الوصول إليها ، وفي بعض الأحيان قد تنعزل بعض المناطق عن المدن نتيجة للأمطار ، مما يجعل المؤسسات المحلية هي الكفيلة بحل الخلافات لأنها مشاركة أهلية طوعية ذاتية تعمل على حل مشكلات المجتمع المحلي وتنميته مما يقلل كثيرا من نفقات الدولة على المحاكم لحل المشاكل التي تنشأ داخل هذه المجتمعات . .

4. الأجاويد أدرى من الحكومات بتعقيدات الحياة في تلك المناطق النائية , وأدرى بنفسيات هذا المواطن , ولذلك تأتي الحلول كافية وشافية لمعظم الخلافات التي تنشأ داخل مجتمعات دارفور.

عيوب الجودية :

1- من خلال التجربة في حل النزاعات القبلية عن طريق الجودية في دارفور قد تبين أن النزاع دائما ما يبدأ بين شخصين من قبيلتين ويتطور ليشمل أفراد القبيلتين ، ويتم الصلح بينهم عن طريق الأجاويد بدفع الديات ، وهذا ربما يكون دافعا للبعض لارتكاب المزيد من جريمة القتل طالما أن الجاني لا يعاقب عقابا فرديا بدنيا وإنما العقاب يكون جماعيا لكل القبيلة .(12)

2- إن الجودية لا تقوم على أسس علمية ، وإنما على العرف والتقليد ، فالأجاويد يقومون بهذا العمل بالتجربة دون أي دراسات أو حلقات دراسية على هذا العمل ، وهذا يجعل الجودية عملاً بدائياً ولا يتطور مع مرور الزمن خاصة وأن المجتمعات تتطور وليست ساكنة .

3- ربما لا تخلو الجودية من الانحياز لطرف من أطراف النزاع ، لأن القائم بها إنسان يمكن أن يتعرض للكثير من الابتزازات ، أو قد ينظر للمكانة الاجتماعية والاقتصاية لأحد الخصمين فيقضي بينهما بناء على ذلك .

4- الحكم في نظام الجودية غير ملزم ، فقد يرفض أحد طرفي النزاع حكم الأجاويد، أو يرفض الذهاب لمحكمة الأجاويد وليست هناك سلطة للأجاويد لإجباره.

لماذا فشلت الجودية في حل الخلافات الناشبة اليوم بدارفور :

لعبت الجودية دورا كبيرا ومهما في حل الكثير من الخلافات التي نشأت داخل مجتمع دارفور ، سواء كان في الإطار الفردي مثل الطلاق والزواج وقضايا الدين والإعسار .. إلخ أو في الإطار الجماعي بين القبائل . وقد ساعدت الجودية ولعبت دورا مهما في حفظ التعايش السلمي والنسيج الاجتماعي بين قبائل دارفور ، ومع كثرة هذه الخلافات وكثرة مسبباتها إلا أن حلها لا يعصى على الجودية .

ولقد كانت الجودية ما تزال تمثل الحل لكثير من الخلافات الفردية داخل الأسر أو داخل أفراد القبيلة ، إلا أنها أصبحت أداة غير فاعلة في حل الخلافات القبلية في دارفور. وأحداث دارفور الأخيرة خير شاهد على ذلك, إذ استعرت الحرب بين المكونات القبلية لدارفور وكان نتاجها موت آلاف المواطنين وحرق القرى ونهب الثروة الحيوانية وتشريد أكثر من مليوني شخص من ديارهم . فما هو الجديد الذي جعل الجودية عاجزة عن حل هذه الخلافات؟ والإجابة عن هذا السؤال تتلخص في النقاط التالية:

1. الاستغلال السياسي لمؤتمرات الجودية لتحقيق هدف التأييد القبلي للسلطات الحاكمة بديلا لهدف إزالة الجفوة بين الأطراف المتصارعة .

2. تحويل دور الأجاويد التقليدي من خدمة مصلحة المتصارعين إلى دور جديد هو خدمة مصلحة السلطات الحاكمة ، وبالتالي فقدان الجودية لمكانتها الاجتماعية وسلطانها النفسي الذي يلزم الأفراد للانصياع لمقرراتها .

3. مؤتمرات الصلح بطبيعة تكوينها ليست بالآلية القادرة على حسم القضايا الخلافية، وفي مقدمتها ملكية الأرض وعلاقات الإنتاج ، وبدلا من حل هذه المعضلة تلجأ المؤتمرات إلى الحلول التوفيقية التي تؤجل حدوث الاحتراب القبلي ولا تزيل مسبباتها، مما يجعلها قابلة للإنفجار في أي وقت .

4. تعتمد السلطة الحاكمة على زعماء العشائر والقبائل باعتبارهم محل ثقة رجال القبائل, متناسية أن السلطات الحاكمة نفسها قد هزت ثقة المواطن في قيادته المحلية عبر سياساتها المعادية للإدارة الأهلية عندما حلت الحكومة السودانية في عهد الرئيس السوداني السابق جعفر نميري الإدارة الأهلية ولم تعترف بدورها .

5. التأثير القبلي انتقل اليوم إلى النخب القبلية وإلى قادة المليشيات القبلية التي لا تـأتمر بأوامر رجالات الإدارة الأهلية التقليديين (13) .

6. النزاع الموجود الآن في دارفور ليس نزاعا قبليا بالمعنى المتعارف عليه سابقا ، إذ إن هناك مسببات من خارج المنطقة ومن داخلها أدت إلى ذلك, وهناك مؤثرات إقليمية ودولية لهذا الصراع وأطماع أمريكية صهيونية فاقمت من المشكلة، الأمر الذي أدى إلى صعوبة حلها عن طريق الجودية

7. الصراع الموجود الآن هو صراع متشعب ومتشابك ، باعتبار أن هناك صراعا بين المركز في الخرطوم وبين الأطراف في دارفور ، غذته صراعات بين الإسلاميين أدت إلى تفاقم الأزمة على النحو التي نعيشها الآن ، ولو لا تدخل السياسة والسياسيين في هذه المشكلة لأمكن حلها عن طريق الجودية .

8. مقررات وتوصيات لجان الأجاويد لا تجد طريقها للتنفيذ ، مما يعني وجود مسببات الخلاف ، الذي يمهد للخلاف القادم.

9. في الصراعات السابقة كانت تستخدم الأسلحة البيضاء مثل الحراب والعصي ولذلك كانت الضحايا في المعركة لا تتجاوز أصابع اليد, أما الصراع الآن فتستخدم فيه الأسلحة النارية الأكثر فتكا بالخصوم مما زاد من أعداد الضحايا ويجعل الحل صعبا. وأيضا كانت تستخدم الخيل والجمال في الحركة والان تستخدم عربات حديثة رباعية الدفع الأمر الذي وسع رقعة الحرب بين القبائل وزاد من عدد الضحايا.

مستقبل الجودية في دارفور :

إن المجتمعات البشرية قد مرت أو تمر بثلاث مراحل متميزة ، هي مرحلة المجتمع التقليدي ومرحلة المجتمع الانتقالي ومرحلة المجتمع الحديث ، وأن لكل مرحلة سماتها المميزة وللأفراد فيها اتجاهات رأي وسلوكيات مميزة .

فمرحلة المجتمعات البدائية أو التقليدية تتميز بالبساطة وأنها غير معقدة، كما أن نوعية الخلافات التي تنشأ داخل هذا المجتمع بدائية وغير معقدة ويمكن حلها عن طريق مؤسسات بدائية وتقليدية مثل الجودية ، وفي هذه المرحلة يظل الولاء للقبيلة أكثر من الولاء للسلطة الحاكمة المركزية مع السعي للاحتفاظ بقيم هذا المجتمع وعاداته وتقاليده ولا يستطيع أن يخرج من الدور الذي رسم له في المجتمع ، وأنه يطيع هذه العادات والتقاليد طاعة عمياء والخروج منها يعني المقاطعة والطرد الاجتماعي والحرب النفسية ..

أما المرحلة الانتقالية فإنها تكون ممرا لمرحلة التحديث أي المجتمع الحديث ، وفي المرحلة الانتقالية ونتيجة لبعض المؤثرات الخارجية والداخلية تحصل تحولات في السمات والملامح المميزة للأفراد وفي اتجاهات وسلوكيات الأفراد يزداد الولاء للسلطة المركزية ولمؤسساتها ويقل تدريجيا الولاء للقبيلة والعشيرة ، مع محاولة التحلل من القيم والتقاليد الموروثة ومحاولة تعويضها بأخرى مكتسبة .

ولو أخذنا نموذج مجتمع دارفور نجد أن هناك الكثير من المتغيرات الداخلية والخارجية التي أدت إلى انتقال المجتمع أو مهدت لانتقاله من مرحلة المجتمع التقليدي إلى المجتمع الانتقالي ، وأهم هذه المؤثرات هي :

1- زيادة المدارس بالمنطقة وبالتالي زيادة التعليم إذ إن المدارس في ولايات دارفور قد زادت من مدرسة عام إلى مدرسة عام كما أن زيادة عدد الجامعات في السودان عامة وفي ولايات دارفور على وجه الخصوص ، حيث أصبحت هناك أربع جامعات في دارفور وكانت لا توجد جامعة قبل عام 1990 .(14)

2- الاتصال بالعالم الخارجي عبر المحطات الفضائية حيث لا تخلو أي قرية في دارفور- قبل الأحداث الأخيرة - من ناد لمشاهدة المحطات الفضائية ، مما زاد اتصال إنسان دارفور بالعالم ، وهذا الاتصال يعتبر وسيلة أخرى للتربية والتنشئة بالإضافة للأسرة والمجتمع المحلي، وهنا يتصارع القديم والجديد لتنشئة هذا المجتمع مما يعني تغيير في مفاهيم السكان وفي اتجاهاتهم وميولهم وسلوكياتهم.

3- هناك هجرة مكثفة من دارفور إلى أواسط السودان وإلى الدول المجاورة مثل ليبيا الأمر الذي يزيد من وعي سكان دارفور.

هذه المتغيرات أثرت على المجتمع المحلي في دارفور وعلى ارتباطه بالمؤسسات الاجتماعية السائدة مثل الجودية مما قلل من احتكام الناس إليها . ويبدو ذلك واضحا من أن الجودية الآن قد فقدت فعاليتها في حل الخلافات التي تنشأ في دارفور خاصة وأن مع تطور المجتمع تتعقد وتتعدد المشاكل الموجودة مما يصعب على الجودية حلها .

التوصيات :

توصي الورقة ببعض الأشياء التي تعتبر مهمة لاستمرار الجودية كأداة لحل الخلافات في منطقة دارفور:-

1. العمل على تنمية المجتمع المحلي ورفع كفاءته بصورة علمية حديثة في مجال القضاء وآليات فض النزاع في المجتمعات التقليدية والعمل الاجتماعي المنظم الذي يشمل خدمات الرعاية الشاملة وخاصة نظم الحكم والإدارة والتعليم والصحة والمواصلات والتركيز على آليات فض النزاع في المجتمعات التقليدية .

2. إبعاد أطماع الحكومات وكسبها السياسي من الجودية .

3. السعي لتنفيذ توصيات الجودية تفاديا للخلافات القادمة .

4. دعم مؤسسات الجودية ماديا ومعنويا من قبل الحكومات باعتبارها آلية فاعلة في حل خلافات المجتمع .

5. ربط الجوية بتعاليم الدين الإسلامي في السعي لحل الخلافات بين الأشخاص واصلاح ذات البين .

6. السعي لرتق النسيج الاجتماعي بدارفور وتصفية النفوس من رواسب الصراعات السابقة .

الهوامش :

1- د. محمد عبده محجوب ، مقدمة لدراسة المجتمعات البدوية ص 170، 171

2- محمد سعيد فرح ، البناء الاجتماعي والشخصية دار المعرفة الجامعية الاسكندرية ، 1989 ، ص 386- 392.

3- د. ماهر محمود عمر، سيكلوجية العلاقات الاجتماعية ، دار المعرفة الجامعية ، الاسكندرية ، 1988م

4-نعني بدارفور حسب التقسيمات الإقليمية السابقة وعاصمته الفاشر ، بينما دارفور اليوم تشمل ثلاث ولايات ، هي ولايات غرب وشمال وجنوب دارفور .

5- UNFPA, Population Data Sheet, for Sudan by States, Central Bureau of Statistics, Khartoum Sudan.

6- المحاكم الشعبية هي محاكم خاصة يقضي فيها زعماء الادارة الأهلية بين رعاياهم في القضايا والخلافات البسيطة ، أما القضايا الكبيرة مثل القتل فإنها تحال للقضاء الرسمي وتستخدم هذه المحاكم سلطات الحكومة ويأخذون أجرا من الدولة .

7- الدكتور عون الشريف قاسم ، قاموس اللهجة العامية في السودان ، الدار السودانية للكتب ، الخرطوم 1972م ، ص 142 .

8- د. أدم الزين محمد ، التغيير في المجتمع وأثره على الصراع القبلي في السودان ، بإشارة خاصة لاقليم دارفور ، ندوة رؤى حول النزاعات القبلية في السودان ، معهد الدراسات الافريقية والاسيوية ، جامعة الخرطوم ، 1988م ص 59 – 60

9- سورة النساء ، الآية (144 )

10- سورة الحجرات ، الآية (9-10 )

11- د. محمد عاطف غيث ، قاموس علم الاجتماع ، الهيئة العامة للكتاب 1979 ، ص 348 – 349 .

12- د. ادم الزين محمد ، مرجع سابق ، ص 61

13- نفس الرجع, ص.70

14- جمهورية السودان ، وزارة المالية والاقتصاد الوطني ، ، العرض الاقتصادي 2002، ص 18 - 24

--------------------------------------------------------------------------------

[1] أستاذ مساعد، جامعة إفريقيا العالمية ، مركز البحوث والدراسات الإفريقية ، ورقة قدمت في ندوة الممارسة الديمقراطية الشعبية في التراث الإفريقي ، ليبيا مركز الدراسات والبحوث .

--------------------

* نشرة بمجلة دراسات افريقية ـ جامعة افريقيا العالمية ـ مركز الدراسات الافريقية ـ العدد 37



تعليق

الاسم
البريد الالكتروني
التعليق


اضافة تعليق
الاسم :
البريد الالكتروني :
التعليق :
رمز التحقق