English   Français

   

آخر تحديث: الجمعة 27 جمادى الآخرة 1433 هـ الموافق 18 مايو 2012م

بحوث >> 


2010-10-26 الحركة الإسلامية والسلطة السياسية في السودان : تقويم للأداء‏

بقلم الأستاذ حسن حاج على أحمد

أستاذ العلوم السياسية بجامعة الخرطوم‏

ظلت الحركة الاسلامية ومنذ نشأتها في أواخر الأربعينات تسعى لأن تكون مؤثرة في المجتمع والحكومة. وقد خططت ‏لاحقا لاستلام السلطة.

وهذا ما حدث بقيام ثورة الانقاذ الوطني في الثلاثين من يونيو 1989 . وتهدف هذه الورقة إلى ‏تقويم مفيد لأداء الحركة السياسي.‏

في هذا الصدد سيقوم هذا البحث بالتالي، أولا، تحليل الفكرة التنظيمية – وليس البناء التنظيمي-ثم يحدد أهداف الحركة ‏السياسية الرئيسة التي كانت بصدد تحقيقها في المجتمع والدولة والمحاور المرتبطة بذلك مثل الأفكار المؤسسة للنظام ‏السياسي وبنيته التنظيمية، ثم نجري التقويم عليها. في هذا الصدد ستركز الورقة على الأهداف والمحاور التالية‏‎:‎‏ ‏الفكرة التنظيمية ونظام الحكم، ويشمل ذلك الأطر التي تحقق العدالة والمشاركة والاستقرار

وعلاقة الحركة/ التنظيم بالحكومة ‏.

أولا، الفكرة التنظيمية:‏

عملت الحركة على انتهاج سياسة سيولة الجسم التنظيمي، وتشير هذه السياسة إلى عدم التقيد بوسيلة محددة وهذا ‏يعني عدم الالتزام بشكل وهيكل ومسمى تنظيمي واحد، اضافة لتكيف الوسائل مع الواقع السياسي. ويعني هذا أن يظل ‏النمط العام للعمل التنظيمي مفتوحا ( عسكري، تصالح، تحالف...) تحدده الظروف السياسية والاجتماعية ، الأمر المهم ‏في هذه السياسة المحافظة على الأهداف الكلية للحركة والعمل على أن تتسم بالاستقرار وعدم التغير. أما الوسائل فهي ‏المتغيرة وفقا للأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وتشمل الوسائل المسميات والهياكل التنظيمية وطرق ‏العمل والبرامج. في هذا الصدد نجد أن الحركة الإسلامية في السودان تطورت عبر مسميات مختلفة: "جبهة الدستور ‏الإسلامي"، "جبهة الميثاق الإسلامي"، "الحركة الإسلامية-غير رسمي في فترة نميري-"، "الجبهة الإسلامية ‏القومية"، "المؤتمر الوطني". وتتضح هذه المرونة عند مقارنتها مع حركات إسلامية أخرى مثل الأخوان المسلمين أو ‏حزب التحرير الإسلامي. وتتبدى من خلال هذه السياسة العامة، كذلك، أن العمل الحركي العام لم يلتزم نمطا واحدا، بل ‏تقلب وتبدل في إطر مختلفة تبعا للواقع السياسي والاجتماعي. فقد استخدمت الحركة العمل السياسي الحزبي، والعمل ‏العسكري، كما شاركت في السلطة سواء كانت تعددية أو شمولية. ويظل الدافع الأساسي وراء هذه السياسة الانفتاحية ‏هو الانتشار وتوسيع العضوية. واستلزم هذا الأمر تخفيف شروط العضوية كما انتقل العمل التنظيمي من مرحلة لأخرى ‏حتى يتسنى ضم أعضاء جدد. وفي كل المراحل كانت هناك نواة أو قلب صلب شكل المحور الذي استند عليه التنظيم، ‏وبخاصة في المهام الصعبة مثل: العمل الخاص والعمل الطلابي والمعلومات. انظر الشكل رقم (1). وكانت الفكرة ‏الأولى والنتيجة المباشرة لهذه السياسة هي التحول من تنظيم حركي أيدولوجي صارم إلى حزب سياسي ‏

مفتوح يشكل الدعامة السياسية عند استلام السلطة. وقد تمكنت الحركة عبر هذه المرونة التنظيمية من اكتساب قدر ‏كبير من الخبرة التنظيمية المتنوعة، وتوسيع عضويتها، وتحقيق أحد أهدافها الرئيسة وهو تطبيق الحكم الإسلامي ‏عبر استلام السلطة. ‏

على الرغم من أن الفكرة التنظيمية المنفتحة قد أحدثت تحولات ايجابية ضخمة للحركة الإسلامية، إلا أنها قد عرّضت ‏الحركة لانتقادات من خصومها ركزت على أن توجهات الحركة برغماتية في أساسها، وهي بذلك لا تعير كبير اهتمام ‏للمبادئ الموجهة لوسائلها.‏

ثانيا، نظام الحكم:‏

في تخطيطها لاستلام السلطة، كانت الحركة الإسلامية تعي جيدا التحديات التي تصاحب الوصول للحكم. وكان أكبر تحد ‏للحركة، وهي في بداياتها الأولى، شمولية التوجه، والانتقال من حركة "دعوية" مهتمة بالدعوة والإرشاد في مفهومها ‏المحدود، إلى تنظيم شامل التوجهات-اقتصادية واجتماعية وسياسية- قادر على تحمل تبعات الحكم. ويمكن أن نجمل ‏التحديات التي جابهت الحركة الإسلامية في مجال الحكم في القضايا التالية:‏

‏ أ – النظام السياسي، ويشمل هذا الجانب الأفكار المؤسسة والأطر التنظيمية

وصلت الحركة الإسلامية للسلطة عبر انقلاب عسكري، وبسبب ذلك، فإن أول وأكبر تحدي جابهها كان موضوع ‏المشروعية السياسية. فكيف يمكن لحركة انقلابية أن تؤسس مشروعها القادم على الرضا والقبول الشعبي، وبخاصة ‏أن النظام الذي انقلبت عليه قد تأسس على انتخابات شعبية. اتخذت الحركة وسيلتين لاكتساب المشروعية، الأول يمكن ‏أن نسميه "المشروعية السلبية" وتقوم على انتقاد الحكومة السابقة وتوضيح أوجه قصورها وفشلها، مثل تردي ‏الأوضاع الأمنية وتدهور الخدمات وتكالب السياسيين على السلطة. أما الثاني فهو "المشروعية الايجابية" التي تعتمد ‏على الأداء الفعال والتجرد والنزاهة. وقد اعتمدت الحركة في هذا الخصوص على دورها في المجتمع وأدائها في ‏المعارضة. كما أن الحركة اعتمدت في مشروعيتها الايجابية على المكون القيمي المتمثل في مرجعيتها الإسلامية ‏وسعيها لتحقيق الحكم الإسلامي الذي انقطع لقرون عديدة.‏

على الرغم من أن أفكارا محددة قد أثيرت ونالت ما يشبه الإجماع وسط الإسلاميين في السودان في موضوع الحكم ‏الإسلامي مثل إلزامية الشورى، وضرورة إقامة العدل، وبسط الحرية. فدستور الجبهة الإسلامية القومية يقول، على ‏سبيل المثال، في المادة الثالثة من الفصل الأول ما يلي:‏

‏"تسعى الجبهة لإقامة الحكم الإسلامي الهادف لرعاية مقاصد الدين، وكفاية مصالح الناس، والمؤسس على الشورى ‏والمساواة وحق الجمهور في تقرير الشئون العامة، وفي إختيار ممثليهم من أهل الحل والعقد والقيادة والتنفيذ في ‏ممارسة النصيحة والمحاسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى تتوالى الأمة بحرية وفعالية وإخلاص." إلا ‏أن التنزيل على أرض الواقع بعد استلام السلطة أوضح أن للتطبيق تحدياته الخاصة في مجتمع يتسم بأقليات غير ‏إسلامية معتبرة، وبحراك سياسي اجتماعي كبير، وبإرث مقدر من الثورة والتمرد والعصيان.‏

تدرجت حكومة الإنقاذ في التحول من نظام عسكري جاء للسلطة عبر إنقلاب إلى نظام مدني مؤسسي. وبدأت خطواتها ‏الأولي وعينها صوب النظام السياسي الأمثل لحكم السودان، وبخاصة أنها قد أطاحت بنظام حزبي تعددي رأت فيه ‏ضعفا وتفتتا. وسعت في أيامها الأولى، مستصحبة معها هذا الواقع، إلى تأصيل فكرة التنظيم السياسي، واهتدت في ذلك ‏إلى محاولة الجمع بين الوحدة والتنوع. فالبلاد تواجه تحديات داخلية وخارجية كبيرة، ومواردها تستنزف في حرب ‏تطاولت لأكثر من ثلاثة عقود. ويتطلب هذا الوضع تغليب الضبط والنظام على حرية التنظيم والتجمع. برز هذا الطرح ‏من خلال وحدة التنظيم السياسي الواحد المفتوح الذي يكفل المشاركة الشعبية، ويسمح بحرية الإنضمام والدخول ‏الفردي دون حجر أو قيد، ويضمن حرية التعبير داخله. وتقوم فلسفة النظام السياسي الجديد على أصول التوحيد التي ‏تشمل: العبادة بالاحتكام إلى أحكام الله، والمساواة في حق الخلافة في الأرض، وفي حق الشورى. وهذا يتناقض مع ‏النظام الحزبي القائم على حكم النخبة، وتقتصر فيه مشاركة المواطنين على الانتخاب دون مشاركتهم بالرأي . كما تقوم ‏على الموروث العربي الإفريقي، وعلى الفكر الإنساني، وعلى التجربة السياسية السودانية، وبخاصة تجربة مؤتمر ‏الخريجين في سنواته الأولى ‏ . وتستند فلسفة المؤتمرات، كذلك، على فكرة قوامة المجتمع. وهي محاولة لبناء ‏المجتمع الأهلي واستنهاض قدراته. ولا تتسم العلاقة بين المجتمع والدولة بالتنافس والغلبة، بل بالتكامل، ولا ينمو ‏أحدهما على حساب الآخر، وإنما لمصلحته، ولا يستقل أحدهما إلا استقلالا وظيفيا عن الآخر ‏ . وكانت فكرة المؤتمرات ‏تميل إلى إعطاء دور أكبر للمجتمع، وقد كان شعار الدورة الثالثة للمؤتمرات الأساسية التي انعقدت في شهري مايو ‏ويونيو من عام 1996 هو: "نحو المجتمع القائد".‏

انعكس هذا الطرح في "ميثاق أهل السودان" الذي قدمه المؤتمر الوطني في عام 1995 حيث جاء في الماده (هـ) في ‏المحور الاجتماعي ما يلي: "ولقد رعى نظامنا السياسي هذا التنوع في بيئة المجتمع وقام على إتاحة الفرص لكل ‏مكوناته للتعبير عن خصوصيتها عبر المؤتمرات الشعبية والقطاعية، ليأتي المؤتمر الوطني تعبيرا عن تنوع المجتمع ‏وتجسيدا لوحدته الأتم." ‏

‏.تبنت الحكومة نظام المؤتمرات الشعبية بعد قبولها توصيات مؤتمر "الحوار القومي حول النظام السياسي" في أكتوبر ‏‏1990، ويقوم النظام الجديد على المشاركة الجماهيرية في مؤتمرات شعبية تستند على التصعيد إبتداء من المستوى ‏الأساسي وانتهاء بالمستوى القومي. وتنشأ مجالس إدارية وتشريعية على هذه المستويات المختلفة. ويضم النظام ‏مؤتمرات قطاعية تكفل مشاركة القوى الحديثة. وبدأ تطبيق النظام السياسي الجديد تدريجيا، حيث كانت البلاد تحكم ‏بمراسيم دستورية ابتداء من المرسوم الدستوري الأول الذي صدر عام 1989 وانتهاء بالمرسوم الدستوري رقم (21) ‏الذي صدر عام 1997 . بدأ الانتقال لحكم مدني مؤسسي بصدور قانون الانتخابات في عام 1994، وصدور المرسوم ‏الدستوري الثاني عشر " في علاقات الحكم الاتحادي وتعديل نظم الولايات" لسنة 1995 الذي وضّح حدود الولايات ‏وبيّن توزيع السلطات بين مستويات الحكم المختلفة. كما صدر في العام نفسه المرسوم الدستوري الثالث عشر الذي ‏أقر حكم البلاد على أساس النظام الاتحادي وحدد طبيعة واختصاصات الأجهزة الاتحادية.‏

اتساقا مع فكرة الوحدة السياسية التنظيمية التي تتيح مجالا للتنوع الداخلي، اختارت الإنقاذ نظام رئاسيا يعطي الرئيس ‏سلطات كبيرة، مع جعل مجلس الوزراء – وليس الرئيس بمفرده-السلطة التنفيذية الاتحادية العليا. وبذلك جسّد منصب ‏الرئيس وحدة البلاد وتجمعت في يديه صلاحيات عديدة منها تعيين شاغلي المناصب الدستورية وقيادات الخدمة ‏المدنية، والقيادة العليا للقوات المسلحة والشرطة والقوات الأمنية، وإعلان الحرب، وابتداء مشروعات التشريعات ‏الدستورية، ورعاية الهيئة القضائية وهيئة المظالم، وهيئة الانتخابات وديوان المراجع العام. هذه الصلاحيات الواسعة ‏تمكّن الرئيس من تحقيق التوازن والتجانس بين تكوينات المجتمع المتنوعة، كما تمكّنه من تحقيق الضبط والسيطرة. ‏ويتضح أن النظام الجديد قد ركّز على فكرة الوفاق السياسي حيث يقوم رأس الدولة بمراعة التنوع، وله في الوقت ‏نفسه القدرة على ممارسة الضبط، وقد جاء في المرسوم الدستوري الثالث عشر، الباب الثاني، المادة 18 ما يلي:‏

‏(1)‏ يشكل مجلس الوزراء من عدد من الوزراء حسبما يقرر الرئيس وتتوزع الأعباء الوزارية حسبما يقرر ‏مجلس الوزراء.‏

‏(2)‏ يكون مجلس الوزراء السلطة التنفيذية الاتحادية العليا في الدولة وفق أحكام المراسيم الدستورية والقوانين، ‏وتتخذ قراراته بالتشاور والاجماع، فإن لم يتيسر فبالأغلبية.‏

برز هذا المنهج الوفاقي، الذي يعمل على تقليل الصراع في العمل السياسي إلى أدني مستوى ممكن، عمليا في أول ‏انتخابات للمجلس الوطني عام 1996، فقد نص قانون الانتخابات لسنة 1995 على قيام مجالس الوفاق، ومهمتها ‏اقناع المرشحين بالانسحاب بالتراضي، والعمل على التوفيق بينهم. وقد أدت هذه المجلس دورا مقدرا في المناطق ذات ‏التعدد القبلي ‏ .‏

رغم السلطات الواسعة التي يتمتع بها الرئيس وجعلته رمزا لوحدة البلاد وسيادتها، إلا أن الانقاذ نجحت في تطبيق ‏النظام الاتحادي بعد أن صدر المرسوم الدستوري الثاني عشر. وبذلك تكون المعادلة بين التنوع والوحدة قد تحققت ‏عمليا. ويعد النظام الاتحادي انجازا أساسيا للإنقاذ، حيث تمكنت عبره من إعادة هيكلة نظام الحكم في البلاد، وتمكين ‏المواطنين من المشاركة الفاعلة بعد أن كانت أعدادا مقدرة منهم على هامش الحياة السياسية. وعلى الرغم من بعض ‏الانتقادات التي وجهت للنظام الاتحادي – بعض المشاكل التي برزت أثناء التنفيذ ناجمة من طبيعة الحكم الاتحادي ‏نفسه –إلا أنه تمكن من تحقيق المشاركة الواسعة للمواطنين، ومن تأهيل عدد كبير من المسئولين والاداريين، ومن ‏تقديم الخدمات.‏

تعتقد هذه الورقة أن الإنقاذ وهي تستلهم نظاما سياسيا يحتكر التنظيم السياسي، ويسمح بالتعددية داخله، لم تتحسب ‏لعصبية الولاء القديم، ولا للنخب المسيطرة على مدى ثلاثة عقود. فقد كانت تظن أن شوق غالب أهل السودان لتطبيق ‏الحكم الإسلامي سيجعلهم يلتفون فورا حول الإنقاذ، وأن الولاء السياسي القديم سيندثر بعد أمد قريب. كما كانت تتوقع ‏أن النخب سيلتحق جزء منها بالنظام الجديد وسينزوي ما تبقي منها،في الداخل أو في المهجر، غير قادر على التأثير، ‏قياسا على الفترة المايوية. غير أن عاملا جديدا قد طرأ على الساحة السياسية السودانية هو الارتياط الشديد بين ‏العوامل الداخلية والخارجية، ولم يعد الربط الضعيف الذي كان قائما بينهما يعكس حقيقة التطورات التي حدثت في ‏العالم. لذا فإن التغيير الذي حدث في النظام العالمي، ونجم عن انهيار الاتحاد السوفيتي، كانت له انعكاسات مباشرة ‏على الساحة السودانية. فبسبب بعض مواقف الإنقاذ الخارجية، ساند عدد من الدول، المعارضة السودانية وقدم لها ‏الدعم. فبعد لجؤ قيادات من المعارضة للخارج بعد قيام الإنقاذ، لم يكن للمعارضة مركز وبرنامج ثابت أو قيادة موحدة ‏حتى أغسطس 1990 تاريخ الغزو العراقي للكويت. ويأتي طرد حزب البعث من الأطر التنظيمية للمعارضة ليعكس ‏الأثر الخارجي على عمل المعارضة. كما أن الهزائم العسكرية التي منيت بها الحركة الشعبية، دفعتها للتحرك السياسي ‏وسط منظمات غربية ودوائر كنسية بغية استقطاب الدعم. وكان خطاب كل من المعارضتين الشمالية والجنوبية هو ‏خطورة التوجه الإسلامي للإنقاذ وتأثيرات ذلك على البيئة الإقليمية.‏

اتساقا مع التطور الدستوري الذي اخطته المراسيم الدستورية وسعيا نحو اكمال البناء السياسي، صدر المرسوم ‏الدستوري رقم (21) في يوليو 1997 ونص على تكوين اللجنتين القومية والفنية لوضع مسودة دستور دائم ‏ ‏. جاء ‏دستور 1998 ليكمل البناء الدستوري وليشكّل المرجعية القانونية العليا للبلاد. ويرى منتقدو دستور 1998 أنه أجيز ‏في عدم وجود وفاق سياسي وغياب اسهام المعارضة. وكان هذا النقد مصيبا، إذ ألغي دستور 1998 بعد اتفاق السلام ‏في نيفاشا، وحل محله دستور 2005.‏

تجربة التوالي

جاءت تجربة التوالي السياسي تحولا أساسيا من فكرة المؤتمرات الشعبية، وفلسفتها التي أشرنا إليها. فقد قام النظام ‏السياسي مناهضا لفكرة النظام الحزبي الليبرالي، وأسس لفكرة قوامة المجتمع. وتتبادر إلى الذهن هنا عدة أسئلة ‏أساسية هي: هل جاء التحول التدريجي نحو النظام الحزبي نتيجة ترتيب مسبق وخطة وضعت سلفا للانتقال؟ أم أن ‏فكرة النظام السياسي الجديد وقوامة المجتمع قد فشلت على أرض الواقع واضطرت الحركة للرجوع للنظام الحزبي؟ أم ‏أن تكاثف الضغوط الداخلية والخارجية- وكانت قمتها في 1997، العدوان الثلاثي والضغوط السياسية والاقتصادية، ‏وبوادر الخلاف داخل المؤتمر الوطني- دفعت الحركة- كما فعلت في الماضي-للتكيف مع الواقع السياسي ودفع الضغوط ‏بإعطاء الآخرين قدرا من الحرية وحيزا من المشاركة السياسية ؟ ‏

وترى هذه الورقة أن الخيار الأخير وهو التكيّف مع الواقع ربما كان التفسير الأكثر معقولية وذلك للأسباب التالية:‏

أولا، أن التأصيل النظري الذي صاحب النظام السياسي الجديد والنقد الحاد الذي وجّه للنظام الحزبي الليبرالي لا يتسق ‏مع الخيار الأول الذي يرى وجود خطة مسبقة، الأهم من ذلك وجود معارضة من عناصر من المؤتمر الوطني لفكرة ‏التوالي والنظام الحزبي، ولم ترد من المسوغات التي طرحت لتأييد التوالي وقتئذ، إشارة لوجود خطة مسبقة للتحوّل.‏

ثانيا، من السابق لأوانه القول بفشل فكرة المؤتمرات الشعبية، حيث أن النظام السياسي الجديد بدأ في تنفيذه في عام ‏‏1992 واكتمل في 1996، وصدر قانون التوالي بعد نحو عامين فقط من اكتمال النظام السياسي، ولم تمر فترة كافية ‏لتقييم التجربة والحكم عليها.‏

ثالثا، أن بوادر الانشقاق داخل المؤتمر الوطني، وسعى كل طرف لتقوية مركزه، دفعت بالطرفين إلى المطالبة بالوفاق ‏الوطني مع القوى السياسية الأخرى ‏ ‏.‏

رابعا، تشير تجربة الحركة الإسلامية السياسية إلى أنها، كما ذكرت الورقة أعلاه، كانت تتميز بالقدرة على التكيّف مع ‏المتغيرات السياسية، فلا الأشكال التنظيمية ولا المسميات ولا الوسائل كانت ثابتة، بل كانت تتغير مع مستجدات الواقع ‏السياسي. قياسا على هذا التاريخ، فإن لجؤ الحركة لفكرة التوالي بحسبانها تمهيدا للنظام الحزبي جاء من باب التكيّف ‏مع مستجدات الواقع السياسي. ففترة السنوات الثلاث 1995-1998، كما أشارت الورقة، كانت مفصلية، وشهدت ‏تطورات كبيرة داخليا وخارجيا، وجاء التحول للتوالي ليواكب هذه المتغيرات.‏

ومهما كانت مبررات التحوّل نحو النظام الحزبي، الذي كفله وأكّده دستور 1998 بعد ذلك، تبقي قضية المبررات ‏الفكرية للتحوّل عالقة دون إجبابات مقنعة. فالعامل الذي تعتقد الورقة أنه السبب الرئيس وراء التحول نحو التوالي ‏يظل عمليا براغماتيا، وليس فكريا. وتبقى أطروحات "قوامة المجتمع" في سعيها لتأصيل النظام السياسي حبيسة في ‏منشورات المؤتمر الوطني في أيامه الأولى. كما أن عددا من أعضاء المؤتمر الوطني، وغيرهم، يتساءلون كيف يمكن ‏التحوّل للنظام الحزبي الليبرالي بعد النقد الحاد الذي وجّه له، وكيف يمكن التخلي عن نظام قيل إنه قد تأصل وقام على ‏أسس من الإسلام ومن التجربة الإنسانية والسودانية.‏

بدأ التحول للتوالي عندما أجاز المجلس الوطني في عام 1998 قانون تنظيم التوالي السياسي على أن يبدأ العمل به ‏في يناير عام 1999. وفسّر القانون التوالي بأنه: "الترابط والتناصر الطوعي للتعبير السياسي بغرض الدعوة ‏والتنافس في الانتخابات لولاية السلطة العامة". وقد أعطي القانون الحق لكل مواطن في الانتماء لأي تنظيم، كما كفل ‏أهلية تأسيس أي تنظيم لأي عدد لا يقل عن مئة شخص. ‏

جاء دستور السودان الانتقالي الذي أجيز عام 2005 ليشكل تحولا مهما في السودان. وما يهمنا في هذا الصدد ‏الترتيبات السياسية التي كفلها الدستور ومن ينها حق تكوين المنظمات السياسية، فقد جاء في المادة ‏‎40‎ـ ما يلي: ‏‏(1) يُكفل الحق في التجمع السلمي، ولكل فرد الحق في حرية التنظيم مع آخرين، بما‏‎ ‎في ذلك الحق في تكوين الأحزاب ‏السياسية والجمعيات والنقابات والاتحادات المهنية أو‎ ‎الانضمام إليها حمايةً لمصالحه‎ .

‎(2) ‎ينظم القانون تكوين وتسجيل الأحزاب‎ ‎السياسية والجمعيات والنقابات والاتحادات المهنية وفقاً لما يتطلبه المجتمع‎ ‎الديمقراطي‎.‎

تعتقد هذه الورقة أن الممارسة السياسية للحكومة بعد إقرار الدستور الانتقالي ما تزال متأثرة بفترة نظام المؤتمرات. ‏فالاعتبارت الأمنية ما تزال تضع قيد أمام حرية الحركة لعدد من الأحزاب السياسية، الأمر الذي جعل التنافس السياسي ‏محصورا بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية. وهناك حاجة لتذليل العقبات أمام بعض الأحزاب لتمكينها من التحرك ‏السياسي وإثراء الساحة السياسية.‏

ترى هذه الورقة أن فترة الثلاث سنوات من 1995 وحتى 1998 كانت مهمة وربما مفصلية للإنقاذ ومستقبلها ، ‏وبخاصة لتوجهها السياسي وذلك للأسباب التالية:‏

أولا، شهدت هذه الفترة قيام مؤسسات الحكم بعد أن تبلورت رؤاها الفكرية وتوطدت أركانها السياسية. فقد شهدت قيام ‏الحكم الاتحادي، وتعديل قانون الانتخابات الذي قامت بموجبه انتخابات المجلس الوطني ورئاسةالجمهورية في عام ‏‏1996،وانعقد فيها المؤتمر القومي الأول للمؤتمر الوطني، وصدر فيها دستور 1998. وعلى عكس ما هو متوقع، ‏فإن التوجه نحو المؤسسية ربما كان أحد الأسباب الرئيسة التي أسهمت في حدوث خلاف بين القيادتين التنظيمية ‏والحكومية. فالأطر المؤسسية هي التي تعكس سمات النظام السياسي الذي ستستقر عليه البلاد، وتعطي حامليها قوة ‏تمكنهم من صنع السياسات ومن التأثير في الحراك السياسسي. لذا فقد تشكّلت لبنات الخلاف الأولي في هذه الفترة ‏وتطورت حتى وصلت مرحلة الانشقاق والمفاصلة.‏

ثانيا، زادت المعارضة من نشاطها في الفترة ذاتها ، وصدرت مقررات مؤتمر التجمع في أسمرا التي تنص على إعطاء ‏الجنوب والمناطق المهمشة حق تقرير المصير، وعلى اعتماد العمل العسكري لاسقاط الإنقاذ، وعلى قيام نظام ‏ديموقراطي تحظر فيه الأحزاب الدينية. كما شهدت الفترة تصعيدا عسكريا كبيرا، ففي عام 1997 وقع العدوان ‏العسكري الثلاثي: اليوغندي الإثيوبي الأريتري على البلاد، بعد أن كانت الحركة الشعبية تحارب عنهم بالوكالة. وفي ‏أغسطس من عام 1998 وقع الإعتداء الأمريكي على مصنع الشفاء للأدوية.‏

ثالثا، ازدياد الضغوط السياسية الدولية في هذه الفترة مصاحبة للتصعيد العسكري، ووصلت إلى ذروتها في هذه الفترة، ‏حيث شهد عام 1996 فرض عقوبات دبلوماسية على البلاد من قبل مجلس الأمن وصدور ثلاثة قرارات في ذلك العام ‏هي: 1044 و1054 و1070، بعد اتهامها بالمشاركة في تدبير حادث الإعتداء على الرئيس المصري في إديس أبابا. ‏وأصدر الكونغرس الأمريكي في عام 1997 قرارا يقضي بحظر المعاملات الاقتصادية والتجارية مع السودان، كما ‏أصدرت الإدارة الأمريكية أمرا تنفيذيا مشابها. أدت هذه الضغوط الدولية إلى أن تولي الإنقاذ أهتماما كبيرا بالمؤثرات ‏الخارجية وأن تسعي لتحسين علاقاتها الخارجية. كما دفعها للإنفتاح داخليا على بعض القوي السياسية.‏

ج- العلاقة بين الحزب والحكومة

شكلت العلاقة بين الحزب والحكومة تحديا رئيسا للحركة الإسلامية. وهذه الإشكالية ليست وقفا على الحالة السودانية، ‏فقدعانت منها النظم العقائدية ذات الحزب الواحد، كما انعكس ذلك في حالات الصين والعراق البعثي واليمن الجنوبي. ‏في هذه الحالات لم تستقر العلاقة على شكل واحد بل تقلبت بين ثلاث حالات: هيمنة الحزب، وسيادة الحكومة، ‏والتوازن بينهما. ‏

في التجربة الصينية بدأت العلاقة متأثرة بالنمط السوفيتي حيث كان الحزب الشيوعي مهيمنا على السلطة ولا يوجد ‏فصل بين الاثنين. بعد تطبيق سياسة الإصلاح والانفتاح في بداية الثمانينات، عملت القيادة على إزالة مظاهر المركزية ‏المفرطة، وعمدت إلى الفصل بين الحزب والسلطة بالتدريج. في هذا الصدد قام دينغ هسياو بينغ بالغاء خلايا الحزب ‏في الهيئات الإدارية والاقتصادية والثقافية الأمر الذي أدى إلى تقليص دور الحزب في هذه الهيئات. وبعد تولي جيانغ ‏زيمين للسلطة استأنف دور خلايا الحزب في الهيئات مع العمل على تصحيح الأخطاء في العلاقة بين الحزب والسلطة. ‏وتعتقد قيادة الحزب الشيوعي الصيني أنها تضع العلاقة بين الحزب والسلطة ضمن نظرية عامة للحكم. وتقوم النظرية ‏على فكرة جعل الشعب سيدا للدولة، وأن تعمل السلطة وفقا للقانون. وتتمثل سيادة الشعب في أن يكون الحزب نواة ‏قيادية وليس بديلا للشعب. ويركز الحزب على التوجهات العامة والمسائل الاستراتيجية، بينما تهتم المؤسسات ‏الحكومية بالبرامج التفصيلية على أن تلتزم بالقانون في ذلك. إضافة إلى ذلك فإن للحزب مهمتين أساسيتين أخرتين ‏هما تعيين المسئولين والسيطرة على الأعمال الإعلامية والأيديولوجية. يبدو من هذا السرد أن النظام الصيني قد استقر ‏الآن على سيادة الحزب في التوجهات العامة والقضايا الكلية على أن تقوم الحكومة بمهام البرامج التفصيلية. ومنعا ‏للتضارب فإن رئيس الجمهورية هو مسئول الحزب الأول ورئيس اللجنة العسكرية.‏

‏ بدأت هذه العلاقة في الإنقاذ باقرار الفصل بين القيادتين وبهيمنة الحزب، حيث ظلت قيادة الحركة الإسلامية هي ‏الأعلى من حيث المرجعية. وظل الأمين العام في سنوات الإنقاذ الأولى يمثل المرجعية السياسية، بينما يرأس رئيس ‏الجمهورية النظام السياسي ، كما يرأس مجلس الأمانة العامة. غير أن الفصل بين القيادتين قد أدي إلى حدوث ‏اختلافات بينها بدأت تتراكم تدريجيا. وقامت بعض قيادات المؤتمر الوطني في ديسمبر 1999 بتقديم مذكرة لمجلس ‏الشورى، عرفت باسم مذكرة العشرة، اقترحت فيها إجراء تعديلات على النظام الأساسي للمؤتمر الوطني تشمل ‏استحداث مكتب جديد هو المكتب القيادي حيث أن حجم المجلس القيادي الكبير لا يمكّنه من البت في الأمور المستجدة. ‏وأن دورات انعقاده متباعدة، الأمر الذي مكّن الأمين العام من ممارسة صلاحيات واسعة في غياب المجلس القيادي. ‏وطالبت المذكرة باختيار الأمين العام ونائبه والمكتب القيادي بواسطة مجلس الشورى، كما يقوم المجلس بمحاسبتهما. ‏وأن يباشر مجلس الشورى صلاحيات المؤتمر القومي أثناء غيابه. وسعت المذكرة إلى وجود الرئيس داخل مؤسسات ‏الحزب العليا، وإلى إبعاد الأمين العام عن عن منصب مقرر هيئة الشورى وذلك بهدف إعطاء المجلس قدرا من ‏الاستقلالية. ‏

بررت المذكرة أهمية إجراء هذه التعديلات بالأسباب التالية:‏

‏1-توسيع الشورى وتيسيرها وإكسابها معني وأثرا.‏

‏2-توحيد القيادة العليا وإكسابها فاعلية ومضاءا.‏

‏3-تكريس العمل المؤسسي في المؤتمر رأسا وجسما.‏

‏4- تحقيق الأساس الصحيح لوحدة داخلية منيعة.‏

أجازت هيئة الشورى المذكرة بعد إجراء تعديلات طفيفة عليها، وكان ذلك مؤشرا بدخول الخلاف مرحلة جديدة. فقد عد ‏أنصار الأمين العام الطريقة التي قدمت بها المذكرة وما ورد فيها مسعى لتقليص صلاحيات الأمين العام وتوجها لتحويل ‏المؤتمر الوطني من حزب قائد إلى حزب حكومة. وأيّد الرئيس المذكرة وقال: " إن ما تم في هيئة الشورى كان سليما ‏من حيث المحتوى ومن الناحية الإجرائية، وإن ما صدر من قرارات كانت محاولة جادة لترتيب البيت من الداخل، ‏لمراجعة التحديات المقبلة. ‏ ‏ " تفاقم الخلاف بين الطرفين، دون الدخول في تفاصيل تطوره ‏ ، وأفضى لمفاصلة وقيام ‏حزبين: الوطني والشعبي. وتوحيد القيادة في الحزبين، وما يهمنا هنا تفسير ما حدث ودلالاته السياسية على النحو ‏التالي:‏

أولا، أظهر الانشقاق أن الخلاف قد توطّد نتيجة للتوجه نحو المؤسسية القائمة على مرجعيات قانونية وشعبية، وأن ‏فترة الطوارئ والانتقال الأولى بطبيعتها لم تبرز القضايا الخلافية، وأن الحركة في الفترة الأولى كانت متأثرة بتجربتها ‏خارج الحكم حيث أن القيادة التنظيمية كانت المرجعية لكل واجهات التنظيم.‏

ثانيا،أبرز الانشقاق أن مؤسسات الحزب لم تفلح في احتواء الخلاف، فعلى الرغم من القرارات التي صدرت من تلك ‏المؤسسات – مثال: قرارات المعالجة الشاملة التي أقرها مجلس الشورى-إلا أن قدرة المؤسسات على التنفيذ كانت ‏محدودة. ومن المؤشرات الواضحة على عجز المؤسسات الآتي:‏

أ‌-‏ اللجؤ للمؤسسات الرسمية وليس الحزبية لإدارة الخلاف. من الأمثلة على ذلكك التعديلات الدستورية التي ‏قدمها الأمين العام، وإعلان الطوارئ وحل المجلس كما فعل الرئيس.‏

ب‌-‏ لجان الوساطات والأجاويد ورأب الصدع الداخلية والخارجية.‏

ج- أن الخلاف، رغم أنه قد أفضى إلى انشقاق، إلا أنه أدى إلى توحيد القيادة في المؤتمر الوطني. وأدت إلى ‏الاتعاظ من تجربة الخلاف السابقة.‏

ثالثا، أن العلاقات التنظيمية لم تراع واقع السلطة في بلد من العالم الثالث من ناحيتين: الأولى، تضخم سلطة ‏الأمين العام ، وبخاصة في فترة الانتقال– من بداية الانقاذ وحتى اكتمال تكوين المؤتمر الوطني -. فقد شهدت ‏هذه الفترة حل مجلس الشورى وأبقيت أجهزة محددة تحت سلطة الأمين العام، الأمر الذي جعل الأخير صنوا ‏للرئيس إن لم يكن متفوقا عليه في بعض الحالات. الثانية، أن تجربة الحكم والسلطة مختلفة نوعيا عن فترة العمل ‏الحركي التنظيمي حيث كانت القيادة التنظيمية هي المرجع الأول والأخير.‏

بعد إعادة تكوبن تنظيم الحركة الإسلامية، أضيف جسم جديد للعلاقة مع الحكومة لتصبح بين ثلاثة تكوينات: ‏الحزب والحركة والحكومة. وعلى الرغم من تقسيم العمل بين الحزب والحركة القاضي بأن تركز الأخيرة على ‏قضايا الدعوة والتربية والتوجيه- الأمر الذي جعلها أقرب للجماعات الإسلامية المهتمة بالتربية والإرشاد-إلا أن ‏المتتبع لإدراك الأفراد لطبيعة العلاقة يمكن أن يقسمه إلى ثلاثة أنواع. الأول ما يزال يغلب عليه نمط تفكير ما قبل ‏الدولة ويحسب أن الحركة في تنظيمها الخاص هي المرجع الأعلى للحزب والحكومة. أما الثاني فمسلّم بتقسيم ‏العمل القائم بين الحزب والحركة الذي أشارت إليه الورقة أعلاه. والثالث يعتقد أن الحزب له الغلبة لأنه الأشمل ‏في المهام والأوسع في التمثيل. والقسم الأخير يساند علو الحكومة، لأنها الممسك بمفاصل السلطة التي تؤثر ‏تأثيرا كبيرا في قضايا البلاد الرئيسة. ويتضح من واقع العلاقة أن النظام السوداني لم يشترط وحدة الرئاسة-أن ‏يكون رئيس الجمهورية رئيسا للحزب والحركة-بل عمد إلى التركيز على تخصيص المهام والوظائف بين الحركة ‏والحزب وذلك لمنع التضارب، على أن يجمع الرئيس بين رئاسة الحزب والحكومة.‏

خاتمة

ركزت هذه الورقة في تقويمها لأداء الإنقاذ السياسي على محاور محددة هي الفكرة التنظيمية، والنظام السياسي، ‏وعلاقة الحزب بالدولة، وبالتالي فهى محدودة ولا أن تكون تقويما شاملا لأداء الحركة السياسي في فترة الإنقاذ. بعد ‏أخذ هذه النقطة المهمة في الاعتبار، فإن هذه الورقة تخلص للآتي:‏

أولا، أن الفكرة التنظيمية للحركة القائمة على السيولة والتكيف،أثبتت نجاحها وحققت أهدافها، إذ تمكنت الحركة من ‏التغلغل في المجتمع ونشر قيمها وتكوين كادر متنوع متمرس والوصول للسلطة.‏

ثانيا،لم يأت تأسيس النظام السياسي وتطوره من المؤتمرات الشعبية مرورا بالتوالي وانتهاء بالنظام الحزبي متسقا ‏من الناحية الفكرية، فقد بدأ نظام المؤتمرات قائما على فكرة مناهضة الليبرالية الغربية والتركيز على المجتمع القائد، ‏وجاء التحوّل للتعددية الحزبية على الرغم من الانتقادات الفكرية التي وجهت لها. ورغم عدم الاتساق هذا، إلا أن ‏المؤتمر الوطني استطاع الوصول إلى مناطق كانت مهملة سابقا، وأبرز قيادات جديدة على المستويات الولائية ‏والمحلية،وتمكن من كسب عناصر جديدة.‏

ثالثا، يعد تطبيق النظام الاتحادي انجازا كبيرا للإنقاذ،فقد تمكنت عبره من إعادة هيكلة نظام الحكم في البلاد، وتمكين ‏المواطنين من المشاركة الفاعلة. ولعل أكبر تحول في هيكل السلطة هو بروز مراكز جديدة للسلطة والقوة في مناطق ‏مختلفة من البلاد، سواء أكانت فعلية أو متوقعة في المستقبل.‏

رابعا،أوضح الانشقاق أن المؤتمر الوطني لم ينج من الأزمات التي صاحبت غالبية الأحزاب العقائدية بعد وصولها ‏للسلطة،فانفصال القيادتين أدى إلى الاختلاف ثم الانشقاق. ولم تفلح مؤسسات الحزب في إدارة الخلاف بنجاح.‏

خامسا، تمكّن المؤتمر الوطني عبر خطابه السياسي، وبخاصة في الفترة الأخيرة، أن يعكس نفسه حزب وسط كبير ‏وسط توجهات عنصرية بدأت تطل برأسها في الساحة السياسية. ويأتي هذا الأمر تتويجا لمبدأ السيولة التنظيمية الذي ‏تعرضت له الورقة. ويقتضى خطاب الوسط تقليل الجرعة الأيديلوجية، وفي هذه الحالة قد يكون الحزب هدفا لبعض ‏الطامعين في المناصب أو في النفوذ.‏

توصيات

نسبة لتشعّب الموضوعات المرتبطة بالأداء السياسي، فإن هذه الورقة توصي أن يستمر مشروع التقويم لفترة ‏مستقبلية حتي تكتمل جوانبه الرئيسة، وأن يشتمل على المجالات التالية:‏

الاثنية السياسية، اتخاذ القرار، الحكم الاتحادي، أداء المؤتمر الوطني السياسي، الخطاب السياسي.‏

-----------------

موقع السودان الإسلامي

1 /12/2008م



تعليق

الاسم
البريد الالكتروني
التعليق


اضافة تعليق
الاسم :
البريد الالكتروني :
التعليق :
رمز التحقق