| بحوث >> |
| 2010-04-16 | قضايا الدعوة الإسلامية في السودان.. السياسات الدعوية في ظل إتفاقيات السلام | |
| عبد الرحمن إبراهيم الخليفة | ||
|
كانت قضية الدين والدولة من أكثر القضايا تعقيداً وحساسيةً فى مباحثات السلام وقد إستغلت لإجهاض جولات تفاوض سابقة لم تكن الإرادة السياسية قد توافرت فيها للوصول لحلٍ سلمى وما أن تم تجاوزهذه المسألة حتى إنفتح الباب واسعاً إثر بروتوكول مشاكوس 20 يوليو 2002م ليتداعى برتوكول إثر الآخر حتى إكتمل إتفاق السلام الشامل في التاسع من يناير 2005م.
ورد في الجزء ج من إتفاق السلام الشامل: الدين والدولة من بروتكول مشاكوس 2002م تحت المادة 106 أن:-
"الأديان والأعراف والمعتقدات تعد مصدر قوة معنوية وإلهام للشعب السودانى."
كان ذلك أولى بشريات السلام إذ تحولت النغمة من الحديث عن إستغلال الدين للحديث عن الدين والأعراف والمعتقدات كمكونات جوهرية ومصدر دفع وقوة معنوية وإلهام للشعب السودانى.
هذا إقرار بحاجة الناس للدين والمعتقد وبالدور الإيجابى الفاعل للدين والمعتقد كعنصر توحيد لا تفريق بين الناس وهذا مدخلنا للسياسات الدعوية في ظل إتفاقيات السلام وقد ورد ذات المبدأ وتجذر في دستور جمهورية السودان الإنتقالى لسنة 2005م المادة 4 البند (ب) وأدرج ضمن المبادئ الأساسية للدستور.
يؤسس المبدأ المذكور أعلاه السياسات الدعوية على قاعدةٍ واسعة من الحرية ويحررها من الكثير من القيود إلا ماكان بقانون.
جعل برتوكول إقتسام السلطة، مايو 2004م تنظيم المسائل الدينية وفقاً للبند (10) من الجدول (ج) سلطةً ولائية مع مراعاة الدستور القومى وإتفاقية السلام وهذان يقيدان الولاية ويلزمانها بالتوسع في الأمر لا التضييق ويجعلان المرجعية للسياسات التفصيلية هي دستور جمهورية السودان الإنتقالى لسنة 2005م وإتفاقية السلام الشامل، يناير 2005 وإن كانت السلطة ولائية.
من النشاط اللازم للدعوة ما أصبح حقوقاً أوجبت إتفاقية السلام الشامل، يناير 2005 ودستور جمهورية السودان 2005 إحترامها وإحدى تلك الحقوق التجمع الخاص بديانة أو معتقد (المادة 6 – 5- 1) وإقامة مؤسسات خيرية أو إنسانية ملائمة والحفاظ عليها ( المادة 6 – 5 – 2) وكتابة وإصدار ونشر المطبوعات الخاصة بتلك المجالات (المادة 6 – 5 – 4) وتدريس الدين أو المعتقد في أماكن مناسبة لهذه الأغراض (المادة 6 – 5- 5) وإلتماس وتلقى المساهمات المالية الطوعية وغيرها من الهبات من الأفراد والمؤسسات (المادة 6 – 5 – 6 ) وتدريب وتعيين وإنتخاب قادة تستدعيهم متطلبات ومعايير أى من الأديان أو المعتقدات (المادة 6 – 5 – 7) وإقامة إتصالات مع الأفراد والمجتمعا في المسائل الخاصة بالدين والمعتقد على الصعيدين القومى والدولى والحفاظ على ذلك، وقد تم التعبير عن هذه المبادئ في دستور جمهورية السودان الإنتقالى لسنة 2005م تحت عنوان الحقوق الدينية (المادة 6).
هذه الحقوق تشكل مرتكزات سياسات العمل الدعوى في ظل إتفاقية السلام أما الممارسات التى بدرت من البعض في جنوب السودان فهى تخالف إتفاقية السلام والدستور الإنتقالى نصاً وروحاً وإن تدثرت بشرعية القانون. ويقع أى إجراءٍ ينتهك تلك الحقوق أو يمسها باطلاً ومخالفاً للدستور.
قد يضع الحاضر عراقيل وعقبات عملية، رغم تسهيلات الدستور وإتفاقية السلام، في وجه العمل الدعوى ويؤثر سلباً على السياسات المتعلقة به ومرد ذلك إلى أن بعض الخارجين من حربٍ ضروس لا يزالون متعلقين بثقافة الحرب وثقافة كراهية الآخر وقد قصرت همة هؤلاء البعض عن إستيعاب التحول ولم يحدث السلام تحولاً في مواقفهم ولا رؤاهم ولا فهمهم للواقع الجديد ولكن أقدار الله في الكون أن أمثال هذه الديناصورات منقرضة دون شك أمام حركة الحياة الفوارة والواقع المتجدد.
لابد من وضع سياسات للعمل الدعوى تستشرق المستقبل وتتجاوز أوحال الحاضر ولابد لهذه السياسات من محرك جرئ فاعل في عناصرها البشرية وفي مكوناتها الموضوعية.
من أولويات العمل الدعوى في المرحلة القادمة تكامل الدور الرسمى والشعبى وأتساقهما والتنسيق التام بين الإثنين والحفاظ على المسلمين ودعمهم حتى لا يقعوا فريسةً لإغراءات السلطة والمال والحفاظ على وحدتهم وتماسكهم وتوسيع دائرة الدعوة لتشمل غيرهم مع التركيز على الأقربين لكل منهم دون أن يستهدف ذلك النسيج الإجتماعى ودون أن يدخل المسلمين في صراعاتٍ مع أهلهم ومجتماعتهم، وإستهداف المتعلمين حتى لا تظل معادلة الجهل المرادف لكثير من المسلمين والعلم المرادف لغيرهم قائمةً مع تحديد مراحل يتم التقييم الشامل لها مرحلةً بعد مرحلة للإعتبار وتلافى الخطأ.
رغم إقرارنا بأن السياسة أحد أبواب الدعوة وهى من شمول الدين إلا أن تنظيم المسلمين في مناطق الإتفاقية لا ينبغى أن يقتصر على المواعين السياسية ولا بد من الإحاطة بمسلمى مناطق الإتفاقية سياسياً وإجتماعياً وإقتصادياً وتعليمياً وثقافياً ومعاشاً لتضييق المنافد إن لم نقل إغلاقها في وجه الأهواء الجهوية والعرقية والنعرات التى تصادم حقائق الدين وتستميل ذوى الدين الرقيق والفراغ العريض.
من أكبر تحديات العمل الدعوى الجهوية والعرقية وطغيانهما على الدين والمعتقد عند البعض ولابد من تجديد الخطاب الدعوى في حق هذا البعض وتجذير الإنتماء لديه بخطاب عقدى يضع الأولويات حيث ينبغى أن تكون وهنا يتكامل الدور الرسمى عبر بعض الوسائل الإعلامية بالقدر الذى يتيحه القانون وعبر مناهج التربية والتعليم مع الدور الشعبى الملتحم مباشرةً مع الناس في دورهم وأسواقهم وأفراحهم وأتراحهم وكل نشاط حياتهم، بالقدوة الحسنة والنموذج الجذاب.
لامجال لتبعيض وسائل الدعوة مباشرةً كانت أو غير مباشرة إذا ينبغى أن تتكامل جهود الدعوة فلا تترك ثغرةً إلا سدتها ولا فراغاً إلا ملأته. إن الخطاب الدعوى المباشر غير المسنود بخدمات من تعليم وصحة ومرافق عامة وما يلبى حاجات الناس ودون الوقوف على مشكلات الناس وحلها يظل خطاباً منقوصاً وجهداً مهدراً رغم أهميته القصوى وما أصدق الخطاب الدعوى المصحوب بجهد يشبع بطناً جائعاً ويمسح عيناً دامعة ويهدى علماً يمحو به الجهل وصحةً تزيل المرض. أى خطاب. غير مصحوب بهذه الخدمات يشبه صرخةً في وادٍ قفر أو حواراً مع طرشان وأى خدمات غير مصحوبة بخطاب دعوى راشد يلبى حاجة المكان والزمان تصبح موارد مهدرة.
كلما تقدم العهد على السلام وأصبح واقعاً ملموساٍ كلما إنفتحت للدعوة آفاق أرحب وقلت أو تلاشت الحساسية من الآخر المنتمى حيالها ولاينبغى أن نبتدر سياسات عجولة تسوق الناس لرحاب الدين ثم تنساهم وتنسى إحتياجاتهم وهموم حياتهم ولكن تلزمنا سياسات طويلة المدى فيها مراحل وتتعاقب فيها الأدوار، سياسات لاتنقطع بل تتصل دوماً "خير العمل أدومه وإن قل" ولا بد أن تخضع هذه السياسات لخطةٍ إستراتيجية بعيدة المدى يرشد فيها الخطاب الدعوى ويخاطب الناس على قدر عقولهم" إنما أمرت أن أخاطب الناس على قدر عقولهم" وعلى ضوء واقعهم المعاش.
أخيراً ينبغى أن تتلافى سياسات العمل الدعوى الوقوع في بيروقراطية المستخدمين حتى لا تهدر الموارد في المرتبات وحتى لا يكون الأداء بارداً روتينياً لا روح فيه وكلما قل المتفرغون وكثر المتطوعون دون اجر كلما إتقدت جذوة العمل الدعوى وفاض حيويةً وجاد بخير وفير.
وبالله التوفيق وعليه التكلان،،،،،،،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ورقة قدمت في الندوة العلمية العالمية المتخصصة في قضايا الدعوة الإسلامية في السودان / 2008م |
||
|
تعليق |
|
| الاسم | |
| البريد الالكتروني | |
| التعليق | |
