| بحوث >> |
| 2010-04-16 | آفق الدعوة الإسلامية في السودان | |
| د. أزهري التجاني عوض السيد | ||
|
المقدمة : المنهج :
المستقبليات أصبحت علماً له قواعده ومناهجه وأدواته ، فالناس في عصرنا هذا بما حباهم الله من أدوات العلم ، وبما سخر الله لهم من كونٍ فسيحٍ بهيجٍ مستفز للنظر والتبصر والتفكر ، أضحي أبرز مايميز حركة العلم والبحث العلمي لديهم ، إنها حركة علمية شديدة الأحتفاء باستشراف المستقبل ولا يأسرها الواقع وتحدياته ، إلا بقدر العبرة به والتسلح منه بأدوات الانطلاق نحو المستقبل .
فكيف نستشرف أفق الدعوة الإسلامية في السودان ومستقبلها ..؟! وكيف نفتح مغاليق هذا الأفق ! لنولد منه رؤية مستبصرة ، وخطة تعتمد قواعد العلم والمعرفة . ؟ كيف نجيب على هذا التساؤل بعد أن إستمعنا الى مدخلات كثيفة ظرية وعملية في التأصيل والخطاب الدعوي والتحديات المحلية والدولية ، وبعد أن أجرينا قراءة مسحية للواقع بغالب مكوناته في ما مضي من أوراق هذه الندوة .
الإجابة على هذه التساؤلات تحتاج إلى :
· إعمال الفكر والنظر العلمي ، الذي يشحذه وجدان حي مهموم بقضية الدعوة ملتزم بالكتاب والسنة منهجاً لتخطيط المسار .
· وإلى منهج علمي صارم نختاره بدقة ونبين قواعدة ومحدداته بوضوح أتم ، ثم نلتزمهُ .
· وتحتاج الإجابة كذلك إلى إجتهاد جماعي متناصر في إطار المنهج وقواعده ، فما عاد الإجتهاد الفردي ذا جدوي ، لأن المشكلات أصبحت مركبة ، والمسارات للحلول متعددة وكثيفة بدرجة لا يستطيع الوصول إليها إلا مَنْ يحكم تناصر هذه العوامل جميعاً وتكاملها .
· ثم إن بناء المستقبل بكل تأكيد بحتاج إلى تصاميم مسبقه مكتملة ، وخرائط إنشائية مفصلة لكل مكون من مكونات المشروع ودراسات جدوي ، وتخطيط مراحل النفاذ ، وأساليب التقويم ومؤشراته الكمية والنوعية وكيفية تصحيح أخطاء مسارات العمليات !!
· أما الدائرة التى تحيط بكل هذه الخطوات وتحتويها جميعاً ، فهي بناء القدرات العلمية والفنية ، وحشد الطاقات والموارد المادية والبشرية وصفّــها وبرمجتها وحسن توظيفها وإدارتها .
الإعتبار الواقع :
الإعتبار بالواقع له أهميته للتزود منه بالخبرة ، فلابأس من أن نشيرإليه إشارات عامة تفتح الطريق لتحليلٍ أكثر عمقاً :
المشهد العالمي :
المشهد العالمي شهد تحولات كبيرة ومتسارعة بعد إنهيار المشروع الإشتراكي وقيادته السوفيتيه ، وبروز المشروع الأطلسي بتحالفه الأمريكي الأوروبي ، الذي يقوده تحالف الصهيونيه العالمية والمحافظون الجدد ((وهم مسيحيون صهاينه)) وأبرز ملامح هذا المشهد أن التحالف الأطلسي بقيادته المذكورة تمكن من السيطرة على مراكز المال والاقتصاد والاعلام والقوة العسكرية ، وأنه حدد له عدواً بعد إنهيار عدوه التقليدي ، وإن هذا العدو الجديد الذي نصبه المشروع الأطلسي لنفسه ، هو الإسلام ... واختيار الغرب هذا ليس إختياراً هكذا ... بل هو إختيار تسنده خلفيات ثقافية ودينية . لذلك فإن المشروع الأطلسي يستهدف الإسلام إستهدافاً شاملاً عقيدة وثقافة وأرضاً وثروةً .وهو إستهداف غايته إحكام السيطرة والتوجيه .
المشهد الإسلامي الدولي :
ولاننا نستشرف أفقاً مستقبلياً للدعوة الإسلامية ونلقي نظرة على واقع العلم الإسلامي ، آمل ألا تسبق إلي عقول ووجدان العلماء والمفكرين المسلمين في هذه الندوة المشاهد المظلمة في هذا الواقع وتتقدم على المشاهد المضيئة !! لا بل لابد من النظر أولاً إلي المشاهد المضيئة ، إذ هي التى ترتبط بالمستقبل بصلة أوثق ، ولكن سوف لن نتجاوز مناطق التحدي بل نعتبر بها .
المشهد الإسلامي الدولى بإزاء المشروع الأطلسي المتسارع الخطي :
فقد شهدت الأمة الإسلامية حركة إنبعاث واضحه المعالم ، في صور وتعبير متنوع :
فحركة البعث الإسلامي في آسيا الوسطي أصبحت ظاهرة في تركيا والقوقاز وامتدت هذه الظاهرة حتي لامست إمتداداتها الطبيعية في أوربا الشرقية ((البوسنه)) .
فتركيا اليوم تقدم صورة معبرة ومحترمة لأنموذج دعوي يتكيف بحكمة مع الواقع العصري الجديد ، فقد تمددت التجربة التركية في قواعد المجتمع ومؤسساته الدينية والاجتماعية وانسربت في علاقاته وتقاليدة وفي مؤسساته التعليمية ، وقد حاورت بصبر طويل في قضايا السياسة والحكم والدمقراطية والعلمانية ، وكابدت العلاقات الدولية المعقدة . والتجربة التركية بحق هي شعاع ضوئي كاشف يمكن استخدامه في استشراف المستقبل .
والحزام الآسيوي من جنوب شرق آسيا وامتداداته ، فيه التجربة الماليزية والاندونيسية وإبران أمثلة تعطي معالم ونوافذ إلي المستقبل .
وفي ديار العرب وأفريقيا ، لايخطئ الناظر المتبصر ملامح البعث الإسلامي وإن لم تسطع بقوة ... ولطبيعة كلمتي هذه القصيرة التى لاتعدو أنها مقدمة لهذا الموضوع .. أقف عند المشروع الإسلامي في السودان .. الذي مثل جهداً فكرياً مخلصاً في تقديم مشروع النهضة الاقتصادية والاجتماعية على مبادئ الإسلام ، وبرغم من أن هذا المشروع حوصر أيما حصار وحورب أيما حرب واستنزف أيما إستنزاف ، إلا أنه إستطاع أن يجابه المشروع الأطلسي بقوة ويصمد في وجهه بثبات ، وأن يشكل حضوراً في المحافل الدولية والإقليمية المعادية ، يحاور ويجادل ويقدم دفوعه وإطروحاته .
ويخوض معارك عسكرية ويطرح في ذات الوقت أفكاره في السلم وفض النزاعات . ويخوض غمار الدبلوماسية الناعمة والخشنة ويبطل القرارات الدولية قراراً بعد قرار .
وعلى الصعيد الآخر استطاع أن يقدم مشروعاً شاخصاً في التنمية الشاملة ، في البنيات التحتية في الطرق والجسور والموانئ والمطارات والسدود والري ، ويطور شبكة الإتصالات وبنيات البترول والطاقة ويخطو خطوات ويعطي دفعات قويه في خدمات التعليم والصحة والمياه ورعاية الأمومة والطفولة .
بل ويقدم مشروعاً سياسياً لمعادلة التنوع والتعدد يصيغه في دستورٍ هو عقد يقوم على المواطنة والعدل والحرية وقسمة السلطة والثروة ، ويمهد لبناء شراكات سياسية وتوافق وطني وممارسة للحكم تقوم علي الشوري والديمقراطية واحترام الاختيار الحر للشعب .
وهذا المشروع بكسويه واخفاقاته بدون أدني جدال يمثل ضوءاً ساطعاً يمكن استخدمه في الاستشراف المستقبلي .
وبرغم هذا التنامي للبعث الإسلامي بما يشبة ملامح إنبثاق دورة جديدة للحضارة الإسلامية ، إلا أن الواقع يثبت أن الإستراتيجية الأطلسية ذات الوجه الأمريكي الصهيوني تهدف بقوة لمحاصرة هذا البعث الإسلامي وتكييفه وتفريغه من محتواه الثقافي والقيمي . وتبدو هذه الإستراتيجية الأطلسية متعسفة ومتطرفة وإرهابية ضد الإسلام . وشواهد هذا التعسف و التطرف والإرهاب الأطلسي هي التى تعطي المشهد المظلم في العالم الإسلامي ، الذي يمكن أن نقرأه في : العراق الجريح وفلسطين السليبة وفي أفقانستان والشيشان ودول البلقان والحصار والتشويه الإعلامي لصورة السودان . ولذلك يجب ألا يأسرنا هذا الواقع الذي يصنعه العدو ويصرفنا عن التحفز والأنطلاق نحو استشراف المستقبل .
المشهد المحلي :
السودان أحدث إختراقاً مهماً في جدار العقبات ، فخطة الأطلسي .. كانت تجابه وتستهدف القاعدة المسلمة التى تمثل غالب أهل السودان . وهم توصلوا إلي أن سرّ قوة هذه القاعدة المسلمة التاريخية هو أنها إستطاعت أن توحد غالب الوجدان السوداني بمكوناته العرقية الإثنيه والثقافية وتدمجه في وجدان إسلامي متآخٍ متحاب ومتجانس . فعمدت خطة العدو إلي تفكيك هذا الوجدان إلي مكوناته الأوليه العرقية والقبلية والجهوية ، وإزكاء التناقض فيما بينها وتحويل التناقض إلي نزاع والنزاع إلي حروب وتوظيف الحرب في تمذيق المجتمع وتقسيم الدولة .
ونقول إن السودان أحدث إختراقاً في جدار العقبات التي تجابه مشروعه الرسالي .. بما وقع من إتفاقات السلام في الجنوب والتي أوجدت عقداً سياسياً عالج هذه التناقضات وفتح بذلك افقاً أكثر رحابة وطلاقة للدعوة ، ومنافذ واسعة لاطلاق طاقات أبنائها ومواهبهم لخدمة الرسالة والأهداف الدعوية ، والعبرة الأساسية من اتفاقات السلام فيما يلي الدعوة أن الباب قد أنفتح والأفق قد اتسع وما علينا إلا الدخول والانطلاق ، وآلأ نقول كما قال أصحاب موسي : ((إن فيها قوماً جبارين وإنا لن ندخلها حتي يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون ))
فالمعادلة أنهم باقون فيها بحق المواطنة ، وأن حرية الدعوة متاحة يحرسها الدستور والقانون .
المنطلق :
هذه هي مشاهد الواقع عالمياً وإسلامياً ومحلياً ((السودان )) فما هو المنطلق :
· التوكل على الله القوي العزيز . . توكلاً يعين على تجاوز الواقع ، فلا انخذال ولا انهزام .
· الثبات والصمود .. الثبات علي دين الله الحق ، والثقة واليقين أنه الحق ، ثباتاً يخرج للمجتمعات الإسلامية أنموذجاً يعصمها من الإنهزام والإنهيار أمام الهجمة الأطلسية العارضة . .(إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس ) .
ونريد صموداً يأخذ بالأسباب ويوظف المنهج العلمي والوسائل التقنية الحديثة ، ليؤشر للمجتمعات الإسلامية علي طريق النهوض والتجديد الحضار ي .
تم تجديد النيات الصالحة المخلصة .
معالم الأفق المستقبلي للدعوة الإسلامية
أن معالم الأفق المستقبلى للدعوة الإسلامية في السودان تمس تفاصيل كثيرة ومتنوعه .. وإلتزاماً بمنهج هذه الكلمة الذى أعتمد منذ البداية .. بأن تخطيط أفق الدعوة المستقبلي يعتمد على الإجتهاد الجماعى .. فيحسن بي أن أشير إلى بعض روؤس الموضوعات ، وأترك الموضوع للتداول الحر .
البناء المعرفى والتكوين الداخلى
لا بد لنهضة الدعوة الاسلامية في دورة جديدة من أن يكون رائدها الأول هو إجتهاد معرفى كثيف، وجهد يصوب نحو التكوين الداخلى وبناء النظم والأطر البشرية. وبالإجتهاد المعرفى و التكوين الداخلى يمكن طرح الخطوط التالية :
أولاً: علوم الدعوة وفقهها :
إذ تحتاج الدورة الجديدة الى استلهام التراث وإعادة كتابة علوم الدعوة وفقهها في إطار تحديات العصر وعلوم العصر ولغة العصر .. وأن تكون الكتابة مستخدمة وسائط العصر وأدواته التقنية مع التزام تام لمنهج الإسلام المستمد من القرآن الكريم والسنة المطهرة ، والتنزيل العملي في عصر النبوة والخلافة الراشدة ولا نقر استجلاب مناهج من حضارة أخرى لقراءة تراثنا الذي أنتجه القرآن الكريم والسنة المطهرة .
ثانياً الفكر والثقافة :
إجراء مراجعات في الفكر الإسلامي و الثقافة الإسلامية ، وتحقيقها وفرز الإختيارات الفقهية لبلورة مناهج في الفكر تبرز رسالة الاسلام الاصيلة كما جاء بها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وإستبعاد الغلو والتطرف والفكر الذى يهدم الحياه ،وتبنى أطروحات فكرية تبرز رسالة الاسلام في إعمار الحياة الدنيا وربطها بالآخرة ..فالحياة الدنيا دار إبتلاءٍ، النجاح فيه يكمن ليس في هدمها ومجافاتها وإنما في إحسان العمل "ليبلوكم أيكم أحسن عملاً " وإعمارها وإصلاحها بالأعمال الخيرة. فالمسلم يحفزه دينه للتطلع للحياة الكريمة ويأخذ حظه من البيت المنيف و الملبس النظيف والمركب السريع الخفيف ، ونعم المال الصالح عند العبد الصالح شريطة ألا يقطعه متاع الدنيا عن الآخرة. ولابد لفكر الدعوة في معركة العولمة أن تتضح فية معالم الرسالة الاسلامية حتى يتميز المسلم برسالته وثقافته ولا يكون مسخاً من الأخلاط الثقافية في ظل غزو الثقافات الغالبة.
ثالثاً اللغة :
ويعتمد كذلك البناء المعرفى و التكوين الداخلى بدرجة عالية على نهضةٍ في لغة الدعوة ... فلابد من تجويد اللغة العربية وتجديد معاهدها ومراكزها وتطوير بحوث اللغة العربية، وأن تنشأ لها المؤسسات المتخصصة في نشرها وتقديمها للشباب في قوالب محببة وجاذبه .
ولا تتم حركة الإنبعاث المعرفى إلا بفتح نوافذ تعنى باللغات الأجنبية الحية كالانجليزية والفرنسية ولغات المجموعات السكانية الكبيرة مثل اللغة الصينية .. واللغات الاقليمية كبعض اللغات الأفريقية الذائعه .. وأن تصمم البرامج لعرض الدعوة الإسلامية بلغات متعددة من خلال شباب يتغذى بمناهج الدعوة ويجيد هذه اللغات .
رابعاً : الأدب الفنون :
بيئة الدعوة في السودان استخدمت الأدب والشعر وشعر المدائح بالذات في الدعوة ، بل شكل أدب المديح سجلاً ممتازاً للسيرة النبوية . والفنون بشتى ضروبها والمسرح هي أدوات ممتازة لابد لأفق الدعوة المستقبلي أن يخطط لتوظيفها وتوظيف المبدعين في خطاب الدعوة .
خامساً : بناء القدرات البشرية و المادية والبناء المؤسسى
ثم إن افق الدعوة الاسلامية المستقبلى .. لابد أن يعنى ببناء القدرات البشرية و المؤسسية و المادية . فإعداد الدعاة وقادة الفكر الدعوي بعدد وافر لابد أن يكون هدفاً لنهضة الدعوة وبناء المؤسسات وتجويد النظم المؤسسية الحديثة وإنشاء المنظمات، وتطوير الموارد وتنظيمها لمقابلة تكاليف الدعوة كل هذه نقاط غاية في الأهمية. وأحق مؤسسات المجتمع الاسلامى بالعناية هى مؤسسة الأوقاف ويأسف المرء أن وعي الأمة في ماضيها وإنتباهها للأوقاف كان أكثر سعة من حاضرها حيث مولت الأوقاف في الماضي الدعوة وتعليم القرآن وبناء المساجد ودور العلم، وتوسعت لتؤسس مشروعات المياه وشبكات الرى ونظم الزراعة ، والطب والعلاج، وأقالت عثرات الفقراء و الأيتام والمعسرين.
سادساً : إصلاح وتطوير النظم التعليمية :
· تحتاج نهضة الدعوة فى دورتها الجديدة الى مراجعة جادة وتطوير متسارع لا يقبل الجمود .. في مؤسسات ونظم التعليم ووسائله .فنظامنا التعليمي يتعرض لإنتقاد حاد ، لا يفيدنا التعصب لما ألفناه من نظم فمخرجات التعليم يعرِّضها العصر الحديث القائم على التكنولوجيا المتجددة لمحكَّات صارمة لا يثبت فيها إلا نظام محكم في تصميمه. فتعليمنا الأصلى (نعنى تعليم القرآن الكريم و العلوم الشرعية وعلوم اللغة العربية) تحتاج الى تطوير في مناهجها ومؤسساتها ووسائلها . وأبرز مهام هذا التطوير التجسير بين مكونات مناهج التعليم الأصلى ومناهج ومعاهد العلم الحديثة في التخصصات التطبيقية والعلوم الإنسانية . نحتاج لتقوية مؤسسة الخلوة مثلاً ونطوِّر بيئتها دون أن نقطعها عنها – إذ أن النظام التعليمى الذى يتكيف مع البيئة ونمطها الإنتاجى ويكون موجباً فيها، مطلوب لذاته – لكننا نحتاج بقوة الى تجسير الطريق بين الخلوة ومعاهد وجامعات العلم الحديثة .. فالخلوة تاريخياً قدمت نظاماً تعليمياً تجاوب مع البيئة الإجتماعية وإرتبط بقيمها الدينية، فعلم القرآن وقدم علوم الشريعة وكفى الناس حاجاتهم في معاملات الزراعة والتجارة والدَّيْن وأنصبة الزكاة والميراث ، وكان نظاماً مكتفياً ذاتياً من حيث التكلفة، الطالب فيه يعمل ويدرس .. والنظام الإقتصادى للخلوة كان يفيض فيطعم الضيف وابن السبيل ويتكافل مع أهل القرية ، فكل هذه قيم جيدة لكنها تحتاج الى إضافات حسب إحتياجات الحياة الحديثة، فنحتاج لإدخال المراكز المهنية و التعليم الحرفى الذى يُملك طالب القرآن مهنة تعيشه، وجسراً يصله بمؤسسات التعليم الأرفع .
· ونحتاج كذلك الى تطوير مطلوبات الجامعات من الثقافة والفكر الإسلامى وتوسيعها لتعطى الطلاب في هذا القطاع الحيوي سعة في الفكر و الثقافة الاسلامية .. ففقه الدولة مثلاً فقهاً لا يدرس في هذه المطلوبات الجامعية وهو فقه مقاصد ينحو نحو توجيه الحياة العامة بأحكام عامة كلية ، وهو يختلف عن فقه الجنايات والمعاملات المدنية الذى ينحو نحو الأحكام القطعية أو الاختيارات الضيقة . وهذا أمر غاية في الأهمية في ظل دولة السودان المركبة التكوين المتعددة الديانات و الأعراق و الثقافات و اللغات .. مما يوجب على فقه الدعوة أن يقدم لهذه الطبقة العليا في التعليم وقطاعات المهنيين فقهاً يبرز سعة الفقه الاسلامي وعقوده الواسعة في تنظيم الدولة والمجتمع ولا يضيق فينتج التعصب والتطرف ويخلق النزاعات .
سابعاً : مخاطبة التخلف المعرفى و الجهل و الأمية:
· إن أمة إقرأ، لاتناسبها أدواء التخلف المعرفى والجهل و الأمية... فإذا كان عالم اليوم قد وضع محو الجهل والأمية في قائمة الألفية وأهدافها .. فالأحرى بأمة إقرأ أن تضع ذلك في قمة أسبقياتها وتتوفر فيه على مشروعات وبرامج جيدة التخطيط والنظم، لا سيما وأن أمة الإسلام عامة والشعب السودانى خاصة فية بيئات ما تزال ترزح تحت نير الجهل والأمية .
ثامناً : النشر والمطبوعات والنشر الاليكترونى:
· إن خطاب الدعوة المعرفى وهو يستنهض الأمة .. من المفيد جداً أن يعزز مهارات القراءة والكتابة ويدفع الشباب نحوها لتصبح قيماً عليا يقدرها المجتمع ويجل أهلها المتميزين بها.
· وتعزيز قيمة القراءة و الكتابة يقتضى تعظيم النشر والمطبوعات والعناية بمادة المطبوعات ولغتها وتصميمها وإخراجها بصورة تناسب وسائط العولمة وتسارعها ومزاج الأجيال الجديدة .. ومطبوعاتنا في بيئة العولمة لا بد أن تكون قادرة على المنافسة وتجاوز محكات الفرز والاختيار من بين مواد كثيفة ومتنوعة متاحة بصورة سهلة وجاذبة .
· ويكتسب النشر الإلكترونى أهمية خاصة لإتساع القطاعات التى يجذبها بالدرجة التى تحتم على مؤسسات الدعوة إعداداً خاصاً وخطط وبرامج، ثم رسالة قادرة على المنافسة.
تاسعاً : الرسالة الإعلامية النافذة:
· أبرز ما يميز الخطة الأطلسية، الآلة الإعلامية الضخمة التى تقلب الحق باطلاً والباطل حقاً .. وتسندها مؤسسات البحث وبيوت الخبرة والدراسات المتخصصة في علم النفس وخصائص الشعوب المستهدفة ومكوناتها وخصائصها السكانية.
· ويحتاج أفق الدعوة الى جهد جماعى في تأسيس المؤسسات الاعلامية التى تتكامل فيها الجهود المعرفية وتتناصر الامكانات المادية و البشرية وتتميز برسالة جيدة التصميم والعرض والقدرة على النفاذ والتأثير . ولعلى أجزم بأنها أوجب الواجبات الملحة للدفاع عن رسالتنا الاسلامية والتبشير بها.
تأسيس النهضة الاقتصادية والإجتماعية على مبادئ الاسلام
الدعوة الاسلامية هي مشروع تنموي نهضوى بكل ما تحمل هذه المضامين من معانى ... فالقرآن حافل بالنصوص التى تنظم المعاملات المالية والاقتصادية وقواعد التجارة والزراعة وقواعد الحكم والسياسة ومبادئ الدولة والجيش والحرب والسلم ، والقرآن حافل كذلك بالنصوص التى تعنى بحركة المجتمع ومعاشه وقيمه في التزاوج والسكن والجوار والدَّيْن والتقاضى، والعدالة الاجتماعية ، وإذا تتبعنا القرآن وجدنا قواعد لبنية إجتماعية وإقتصادية مكتملة.
ومن القواعد الواضحة في القرآن أن خطاب الدعوة دائماً يقدم قضية الايمان والتوحيد من خلال أنموذج حياتى شاخص يستهدفه بالإصلاح ، ومن الأمثلة البارزه :
ç إن موسي وهارون عليهما السلام أرسلا الى فرعون بمحتوي الإيمان والتوحيد ، ولكن من خلال الطرق على قضية حياتية أساسية هي الاستبداد السياسي وطغيان فرعون ، ومؤشرات القرآن هنا واضحة : "إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً يستضعف طائفةً منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم إنه كان من المفسدين" القصص الآية 4. "إذهبا الى فرعون إنه طغى" سورة طه الآية 43.
ç وشعيب علية السلام، قدم رسالة التوحيد والايمان من خلال قضية شاخصة هي المعاملات في مجال الاقتصاد و التجارة والفساد فيها قال تعالى "وإلى مدين أخاهم شعيباً قال يا قوم إعبدوا الله ما لكم من آله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل و الميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين" الأعراف الآية 85.
ç ولوط عليه السلام قدم الدعوة من خلال أنموذج حياتى من الفساد الإجتماعى والإنحلال الخلقى في المجتمع: "ولوط إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين . إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون " الأعراف الآيات 80-81.
هذه إشارات توجه خطاب الدعوة المستقبلى ، لأن يكون خطاباً واقعياً يخاطب الواقع منطلقاً من قضاياه الحية الملحة والضرورية، ثم يرتفع بهذا الواقع الى مستوى التوحيد والايمان والاصلاح الاجتماعي والاقتصادى .. وابرز قضايا هذه الناحية من الخطاب الدعوى النهضوي : -
أولا ً : مخاطبة قضية التخلف الاجتماعي في المجتماعت الاسلامية:
إن مظاهم التخلف الاجتماعى في كثير من المجتمعات الاسلامية ظاهرة وباديه .. وأبرز معالمها التخلف المعرفى والعلمى الذى اشرنا إليه ، والذى من علاماته الجهل و الامية . وتخلف البيئة الحياتية ، فالإنسان في تلك المجتمعات لا يكاد يجد مقومات الحياة الاساسية ، فهو لا يجد السكن الذى يناسب الانسان ، وتضربه البطالة وقلة الدخل الذى يقابل متطلبات الحياة ، ومن ثم فهو يعيش دون خط الفقر .
والخطاب الدعوى في دورته الجديدة لا بد أن يتصدى لتأهيل هذه المجتعات والنهوض بها من وهدة التخلف .. بل لا بد للخطاب الدعوى من أن يطرح المشروعات التى تؤهل هذه المجتمعات وتكسبها المهارات و التدريب وتفتح لها أفاق التطلع للحياة الكريمة اللائقة بالانسان ، وذلك بتطوير المستوى المعرفى ، وتعزيز قيم العمل المنتجة والموجبة ، وفتح نوافذ التمويل الصغير و المتوسط لإحداث اصلاح إقتصادى حقيقي في حياة هذه المجتمعات ، والنهوض بإحتياجاتها في المسكن والخدمات الصحية و التعليمية والمياه النظيفة والحياة الكريمة.
ثانياً : مخاطبة قضية الفقر:
أصبح للعالم والمنظمات الدولية خبرات واستراتيجيات في معالجة الفقر وتقليل حدة وقعه على الناس . والخطاب الدعوى في دورته المستقبلة لا بد أن يضع مهمة إخراج المجتمعات الاسلامية من وهدة الفقر مهمة شديدة الالحاح .. يطور لها الاستراتيجيات ويدرب لها الأطر البشرية وينشئ لها المنظمات والبرامج ، ويخاطب أصحاب الأموال من المسلمين بأن الفقر هو أكبر دوائر الفتنة في الدين ،ويحثهم على الانفاق وتأسيس الأوقاف . وأن يطور الخطط والبرامج لمواجهة الفقر .
ثالثاُ : الاقتصاد والتنمية الاقتصادية :
كما كان للسودان سبقه وريادته في المصارف الإسلامية ، والتأمين الإسلامي ، لابد أن يتسع أفق الدعوة الإسلامية المستقبلي إلي العناية بقضية الاقتصاد والتنمية الاقتصادية الشاملة ، من خلال مؤسسات التمويل والإستثمار الكبيرة . وأن يساهم الأفق المستقبلي في انتخاب الأنموذج التنموي المتطور والمستدام الذي ينقل حياة المجتمع المسلم إلي مصاف المجتمعات الغنية والمتطورة الآمنة من الجوع والخوف .
رابعاً : الخطاب الدعوى من خلال الخدمة الاجتماعية المتكاملة:
بتحليل عام لواقع المجتمعات الاسلامية والمجتمعات البشرية الأخرى .. والتى تتسع فيها دائرة الفقر بالرغم عن تنامى إقتصاديات الدول .. نجد أن المجالات الحيوية ذات الأثر للخطاب الدعوى المستقبلى هى ان تقدم الدعوة من خلال الخدمات الاجتماعية المتكاملة . وإعداد المجتمعات لتكون مجتمعات متكافلة .وتوسيع الوعى بفقه الأوقاف والزكاة و إستعادة الريادة فيهما وهذا لعمرى من أوسع أبواب الدعوة .
والخدمة الاجتماعية هنا يمكن أن تتنوع وتتسع بحيث لا تنحصر في دائرة الفقراء فقط، بل تتعداهم لدفع قطاعات حية في المجتمع خطوات في مراقى سلم التطور الاجتماعى :
· فالمرأة : هي أهم القطاعات الحية التى يجب أن يستهدفها الخطاب الدعوى المستقبلى بالخدمات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، وبالتأهيل العلمى والمعرفى.
· والطفل: يحتاج أن يخصص له الخطاب الدعوى في دورته الجديدة خطاباً متكاملاً يخاطب كل إحتياجاته بعلمٍ وتخصصٍ.
· والشباب : هم شريحة ذات تحديات واحتياجات ولهم مطلوبات من الخطاب الدعوى المستقبلى تحتاج الى التحديد و التخطيط .
· الفتاة المسلمة : لها إحتياجاتها وللخطاب الدعوى نحوها تحدياته التى تحتاج لتصاميم محكمه تقدم من خلالها الخدمة التى تطلبها.
· والمجموعات السكانية النازحة واللاجئة .. والأحزمة السكانية حول المدن و المصانع ، التى تسمى أحزمة الفقر، تحتاج هى الأخرى لتصاميم الخدمة الاجتماعية.
· المواطنون من غير المسلمين: هذه شريحة مهمة تحتاج لتطوير خطاب خاص بها أهم وسائطه الخدمات الاجتماعية.
الخطاب الدعوى المستقبلي والإصلاح السياسي
إن عناية القرآن الكريم بقضية الحكم و المبادئ التى تقوم عليها من تحريم الظلم و الطغيان، والدعوة الى العدل و القسط، والشوري و الحرية وكرامة الانسان ، أمور ظاهرة لا تحتاج الى برهان .
والخطاب الدعوى في أفقه المستقبلى لا يستطيع أن يتجاهل هذا الجانب الحيوى .. أما أبرز مايحتاج الأفق المستقبلى للدعوة الاسلامية الى بلورته في هذا الجانب فهو :
أولا: أنموذج الدولة المدنية المؤسسة على مبادئ الاسلام
يحتاج الخطاب الدعوى الاسلامى الى أن يقدم أنموذج الدولة المسلمة المدنية .. القادرة على الاستجابة لإحتياجات مجتمع داخلى متعدد الاديان والمشارب الثقافية ، والقادرة على العيش في مجتمع دولى متعدد المذاهب شديد التأثير والتأثر ببعضه البعض .. تمتحن فيه سيادة الدولة آيما امتحان وتتسع فيه دائرة القوانين والمؤسسات الدولية التى تراقب الدول وتراقب حتى الانسان الفرد. عالمٌ المعادلة فيه بين الخصوصيات الثقافية الدينية من جهة وبين ما يسمى بالقيم الانسانية المرعية دولياً ، جدُ حرجة .
ثانياً: الحرية:
الحرية هى قيمة أساسية ، تتسع فيها المفاهيم الانسانية المعاصرة وتضيق بإختلاف الثقافات والمشارب الحضارية، وتوظف الحرية توظيفاً واسعاً في المجتمعات بتعدد هو الآخر يختلف بإختلاف الانساق القيمية . ولا بد للخطاب الدعوى الاسلامى في أفقه المستقبلى أن يبلور رؤية واضحة ومفهوماً موجباً في التعاطى مع قضية الحرية ، بما يؤهل ويدفع المجتمع المسلم نحو النهضة والثراء الفكرى و القيمى.
ثالثاً: العدل:
أسس القرآن الكريم قضية الحكم على إقامة العدل والقسط، ونفى الظلم والطغيان والإستبداد والفساد ، وهذه المفردات هي نفسها التى تمحورت حولها رسالة الاسلام عند موسي عليه السلام في مواجهة الأنموذج الفرعونى الاستبدادى.
والخطاب الدعوى في أفق المستقبل معنى ببلورة الفكر الدعوى الذى يعزز قيمة العدل ويواجه بطرح فكرى قوى أدواء الاستبداد والفساد و الظلم و الطغيان.
رابعاً : الشورى و الديموقراطية :
تتجاور مع مفهوم الحرية مفاهيم الشورى و الديموقراطية و الخطاب الدعوى للمستقبل لا بد له من بلورة فكر دعوى تربوى يغذى قيمة الشورى في النشئ و المجتمع ، ويضغط بقوة لضبط الممارسة فى المؤسسات السياسية و الاجتماعية ويلزمها بالشورى. و الطريق الى تعزيز الشورى يبدأ بإنبات قيمة الشورى في بيئة الدعوة ومؤسساتها.. وفي الهيئات و المنظمات الدعوية وبلورة النظم والاطر القانونية الضابطة للممارسة الشورية، حتى نحصن مؤسسات الدعوة ورجالها من أن يتسرب اليها وإليهم شيطان الاستبداد الفرعونى وما هو عنهم ببعيد، "وما أمر فرعون برشيد" .. ثم نوسع من بعد ذلك الدعوة الى الشورى و الديموقراطية في كيانات المجتمع الأخرى .
خاتمة
هذه خطوط عامة موجِّهة لإستشراف الأفق المستقبلى للدعوة الاسلامية في السودان .. وهى تحتاج لأن تثريها الندوة بالحوار والتداول وأن تتعهدها من بعد ذلك وزارة الارشاد والاوقاف بالتطوير حتى تكتمل الرؤية.
والله ولى التوفيق.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ورقة قدمت في الندوة العلمية العالمية المتخصصة في قضايا الدعوة الإسلامية في السودان / 2008م |
||
|
تعليق |
|
| الاسم | |
| البريد الالكتروني | |
| التعليق | |
